فصلٌ أخيرٌ ليس بالآخِرِ=جرى أَمام السامع الناظرِ
فَصْلٌ رأينا فيه ما صوَّرَتْ=لاقطةُ المأمورِ والآمرِ
في مشهدٍ يجري على مسرحٍ=يسخر من جمهوره الحاضرِ
وتسخر الأضواءُ مما اختفى=خَلْفَ حجابِ المسرح السَّاتر
فلا تَسَلْ عن مسرحٍ، لم يَزَلْ=يعرض وجهَ الهازئ السَّاخر
فَصْلٌ تَوارى فيه جَزَّارُه=وغابَ نجمُ الخائنِ البائرِ
فصلٌ من المسرح، إخراجُه=يُوحي بفنِّ المخرجِ البَاهرِ
أين مَهيبُ الأمسِ، ما بالُه=يُرسل طَرْفَ المُتْعَبِ الخائر؟
أين، إلى أين، وكيف الْتَقى=في المسرحِ المجبوبُ بالعاقرِ؟!
كم كاسرٍ، طال به عُمره=حتى شكا من مخلبٍ كاسرِ
كم جائرٍ بالظلم نال المُنَى=حتى اشتكى من صَوْلةِ الجائر
أَنْسَتْهما زَحمةُ دَرْبِ الهوى=صَوْلةَ خلاَّقِ الورى القاهر
واللّهُ من فوقهما غالبٌ=يقضي قضاءَ الخالقِ القادر
في سُنَنِ الكونِ لنا عبرةٌ=تكشف هَمَّ الخائفِ الحائر
عَدْلٌ من الرَّحمن في حُكمِه=جرى على الأوَّلِ والآخِرِ
هل علمتْ بغدادُ عمَّا جرى=وكيف أَوْدَى السِّحرُ بالساحرِ؟
وهل رأى دجلةُ وجهَ الذي=عَطَّشَهُ في الزمنِ الحاضرِ؟
وهل رأتْ عينُ الفراتِ الذي=مدَّ الى الباغي يدَ الصَّاغرِ؟
يا ليتَ آلافَ الضحايا، رأوا=آسِرَهم في قَبْضةِ الآسرِ
حَلَبْجَةُ المأساةِ، يا ليتها=تقرأ معنى جفنه الغائرِ
أين مَهيبُ الأمسِ، ما بالُه=بدا لنا منكسرَ الخاطرِ؟
لو حدَّثتْ بغدادُ، قالتْ لنا=لا تعجبوا من عَثْرةِ العاثرِ
صاحبُكم، صاحبُهم، لم يَغِب=يوماً عن المستنقع الدَّائري
كرسيُّه، خَنْدقُه، سجنُه=ألعوبةٌ من مُخرجٍ شاطرِ
أكذوبةٌ كُبْرَى على أمةٍ=كُبْرى، ترى الثُّعبانَ كالطائرِ
كم لُدِغَتْ من ألفِ جُحرِ وما=زالتْ تَمدُّ الكفَّ للغادرِكم
عِبْرةٍ، لم يتخذْ عِبْرةً=منها فؤاد الغافل السادرِ
لو درت الخمرُ بآثارها=ما استسلمتْ في قَبضةِ العاصرِ
ولو رأى الباغي خواتيمه=ما صَرَفَ السَّمع عن الزَّاجرِ
لو عاد فرعونُ الى رُشْدهِ=ما غاص في موج الأسى الهادِرِ
ولو رأى النّمرودُ دربَ الهُدَى=ما واجهَ الموتَ بلا ناصرِ
وذو نُواسٍ، لو رعى حَقَّه=ما فُجِعَ الأخدودُ بالحافرِ
ولا شوَتْ نيرانُه مؤمناً=يرجو ثوابَ المانح الغافرِ
ماجتْ بهم أهواؤهم فانتهوا=نهايةَ المنهزمِ الخاسرِ
يا فجرَنا، أَشرِقْ، فإنَّ المُنَى=مرسومة في وجهكَ السَّافر
أَسرِجْ خيولَ الوعي في أمَّةٍ=مشغولة عن روضها الزاهرِ
حرِّكْ لسانَ الصدقِ، حدِّث به=من يحسَبُ الباطنَ كالظاهر
ومَنْ يَظنُّ السيفَ مثل العصا=والنَّآقة البَكْرَةَ كالفاطرِ
قُلْ قَوْلةَ الحقِّ التي يزدهي=لما يَراها، نَظَرُ الناظرِ:
نهايةُ «البَعثيِّ» تَروي لنا=نهايةَ المستكبرِ «النَّاصري»
دائرةٌ سوداءُ مرسومةٌ=في دفتر المستعمِرِ الجائرِ
مَنْ خادَعَ الأمَّةَ عن نفسها=ماتَ بلا خُفّ ولا حافرِ
للشاعر الإسلامي الكبير الدكتور عبدالرحمن العشماوي