صدر الجزء الأول من تراث عبد الوهاب مطاوع بعنوان "أرض الأحزان". يتضمن الكتاب مجموعة من مقالات عبد الوهاب مطاوع وردوده على القراء فى باب "بريد الجمعة" الذى دأب على نشره فى صحيفة "الأهرام" على مدار سنوات طويلة، وقد كان آلاف القراء يطالعون "بريد الجمعة" كل أسبوع متطلعين إلى معرفة حلول المشكلات الاجتماعية المعقدة التى تواجه أمثالهم من البشر فى معترك الحياة، حيث اعتاد مطاوع أن يغوص فى أعماق النفس البشرية ويحكى عن معاناة الإنسان.
من المقالات التى يتضمنها الكتاب
مقال "الرداء الأبيض"
تقول فيه صاحبة الرسالة: أنا فتاة فى العشرين من عمري، أكتب لك هذه الرسالة نيابة عن سيدة أعتبرها مثل أمي، وأعرف أن كلماتك ستكون البلسم الشافى لها بإذن الله. أما هذه السيدة فهى مثل كثيرات غيرها من الأمهات الطيبات، غير أنها تختلف عن كثيرات منهن فى أنها تعيش مع رجل لو قلت عنه إنه قاسى القلب لظلمته، لأنه بلا قلب من الأصل. ولأنها زوجته وأم أبنائه فقد اختصها بالقدر الأكبر من هذه القسوة وتحملت وهى صابرة حياتها معه لكى ترحم أبناءها وتحميهم من غوائل الحياة.
ومنذ فترة ليست طويلة مرضت ابنتها الكبرى التى تبلغ من العمر 23 عاماً وكان مرضها بالقلب يتطلب الراحة والرحمة والهدوء، لكنه بسبب إهمال علاجها ساءت الحالة فنتج عنها تضخم القلب والرئة وارتشاح فى الرئة والساق، وقد تحملت هذه الفتاة مرضها بصبر عجيب وتحملت تحذيرات الأطباء الباردة لها من أنها لا تستطيع الزواج، ولو تزوجت فلن تستطيع الإنجاب لسوء حالتها، وكان خطيبها هو الشيء الوحيد الذى يخفف عنها وقع هذه الكلمات القاسية على فتاة فى مقتبل العمر تحلم بارتداء ثوب الزفاف كغيرها من الفتيات.
وبدأت الفتاة رحلتها القاسية مع المرض وتمكن منها الداء حتى أصبحت كالهيكل العظمي، وأصبحت تقضى معظم أيامها فى المستشفيات ومن حولها أمها وأخواتها وخطيبها الإنسان بكل معنى الكلمة. أما أبوها فلم تهتز له شعرة لمرضها ومعاناتها ولم يذهب معها إلى المستشفى مرة واحدة، وكلما ترجته أمها أن يذهب للمستشفى لرؤية ابنته وجبر خاطرها ولو أمام خطيبها أجابها بأنها تدعى المرض، وأنه لا وقت لديه لمثل هذه الأمور.
وحين كان المرض يشتد عليها وهى فى البيت كانت آهاتها تمزق قلوب الجيران فيأتون إلى الشقة ويتعاونون على حملها من الدور السادس إلى الدور الأرضى لكى تذهب للمستشفي. أما والدها فيظل جالساً فى الشرفة يدخن السجائر ويقرأ الجريدة فى هدوء، فإذا جاءت إليه زوجته ترجوه كى ينقلهم إلى المستشفى بسيارته الأجرة التى يملكها هز رأسه بالرفض وواصل القراءة والتدخين فى سلام.
وكانت هذه الفتاة تحتاج إلى ست أنابيب للأكسوجين يومياً لكى تستطيع التنفس والبقاء على قيد الحياة. وكانت أمها ينخلع قلبها خوفاً من أن تفرغ الأنابيب قبل أن يتوفر لها غيرها. وكم من مرة طلبت من زوجها أن يدفع ثمن أنبوبة واحدة للأكسوجين لكى تتنفس ابنته فكان يرفض ذلك بكل قسوة فينفق خطيبها جزاه الله كل خير على علاجها وعلى شراء أنابيب الأكسوجين. بجانب ما تنفقه الفتاة نفسها من مرتبها البسيط وتتحمل آلامها فى صبر ورضا وتصلى وهى نائمة وتستمع دائماً لشرائط القرآن الكريم وتدعو ربها فى كل حين: رب اشرح لى صدرى ويسر لى أمري. وكان جميع من حولها من الأم والأخوة والخطيب والجيران الطيبين يزورونها فى المستشفى ويرثون لحالها ويعلمون أن أيامها فى هذه الدنيا القاسية قليلة ما عدا الأب الذى زارها ذات مرة زيارة قصيرة وهى فى أسوأ فتراتها فرجته ابنته وهى تبكى أن يبقى إلى جوارها حتى ينفذ فيها سهم القضاء لأنها كما قالت له مستعطفة تموت، فإذا به يجيبها ببرود بأن من يموت بالفعل لا يعرف أنه يموت ولا يقول إنه يحتضر كما تقول هي، وبالتالى فإن هذا كله تمثيل ودلع بنات لا وقت لديه لتحمله. ثم انصرف عنها بلا وداع.
وقرب الفجر استنجدت به أمها لكى يأتى ويأخذ ابنته إلى بيتها لكى تحتضر هناك فى سلام فرفض النزول من البيت والاستجابة للرجاء، ولم يمض وقت طويل حتى كانت روح هذه الفتاة الطيبة قد صعدت إلى السماء. وكان آخر ما طلبته من أمها هو أن تتصدق بمرتبها عن الشهر الأخير من حياتها القصيرة وبما تبرع لها به الجيران الطيبون للمساهمة فى علاجها على الفقراء ترحماً عليها! وكان آخر ما قالته لأمها الحزينة هو أنها لن تسامح أباها أبداً على ما فعله بها ولا على عدم تحمله لنفقات علاجها وتركها للغريب أى لخطيبها لكى يتحمل نفقات العلاج دونه، كما لن تسامحه أبداً على رفضه البقاء إلى جوارها فى ساعاتها الأخيرة. أما آخر كلماتها الحسيرة الأخرى فهى أنها كانت تتمنى ككل فتاة فى مثل عمرها أن ترتدى ثوب الزفاف الأبيض وتسعد بحياتها مع من أحبها وأحبته، لكن إرادة الله قد شاءت لها أن ترتدى بدلاً منه رداء الرحيل الأبيض .
ولكاتبة هذه الرسالة يقول عبد الوهاب مطاوع: يا إلهي، إلى هذا الحد قد تنزع الرحمة أحياناً من بعض القلوب؟ إن القتلة والسفاحين قد ترق قلوبهم فى بعض الأحيان وتتحرك إشفاقاً على بعض البشر، فكيف خلت نفس هذا الرجل من كل لمسة شفقة أو رحمة بابنته الطيبة هذه، ومن أى نوع من الأحجار الصلدة قُدَّ قلبه فخلا من كل عطف على ابنته وزوجته وأبنائه؟ لقد قلت ذات مرة إن من الآباء من لا يستحقون لقب الأب الجليل الذى يعنى فى جوهره العطف والعطاء والرحمة والمسؤولية، لكنى لم أتصور حين كتبت ذلك أن يكون على سطح الأرض أب تحتضر ابنته العروس وترجوه البقاء إلى جوارها فى لحظاتها الأخيرة أو إعادتها إلى بيتها لتقضى ما بقى لها من ساعات فيه فيصم أذنيه عن ندائها ولا تتفجر فى قلبه ــ ولو كان من صخر ــ ينابيع الرحمة والعطف على هذه الابنة المعذبة. ففى أى زمن نعيش يا ربى وإلى أين ينتهى بنا المصير؟ وماذا سيقول هذا الأب لخالقه عندما يسأله عن وديعته الغالية التى استودعه إياها.. كيف لم يترفق بها، وكيف لم يرحم ضعفها وعذابها حين كانت فى أشد الحاجة إليه؟ وكيف تخلى عن مسؤوليته عنها ورفض الإنفاق على علاجها وترك هذه المسؤولية الإنسانية لخطيبها الشهم وجيرانها الطيبين؟ لقد وأدها هذا الرجل الفظ بقسوته وغلظته وجمود مشاعره، فبأى جواب سوف يجيب ابنته يوم يكون الحساب؟ وكيف يقف القانون عاجزاً عن محاسبة مثل هذا الرجل عن جريمة القتل المعنوى هذه؟ وألا من مخرج لدى فقهاء القانون لمحاسبة مثل هذا الرجل عما صنع بابنته؟ وعما يفعل الآن بابنه المريض بالسكر وزوجته المكلومة وأبنائه الحائرين؟ إن هناك أشخاصاً يكفى مجرد وجودهم فى الحياة لكى تتخفف الدنيا من بعض قبحها وقسوتها وعنائها، وهناك أشخاص آخرون يكفى مجرد وجودهم فى الحياة لكى تزداد مساحات العناء والظلم والقسوة فيها،
وهذا الرجل من هذا الصنف الأخير، ولا بد من وسيلة مشروعة لمحاسبته عما جناه على ابنته ولرده عما يفعل الآن بابنه المريض وزوجته المفجوعة فى ابنتها الراحلة وبقية أبنائه .
منقول