المرأة والسيارة
عبدالرحمن صالح العشماوي
لماذا غدت قيادة المرأة للسيارة في المملكة قضيّةً اجتماعية مثيرة؟ وعلى أيِّ أساس بُنيت آراء المعارضين والمؤيدين؟ ولماذا تبرز بهذه الصورة في هذه المرحلة؟؟
إنَّ التريُّث في قضايا التغيير الاجتماعي هو الأجدى بمجتمع مسلم ذي تركيبة اجتماعية خاصة، قائمةٍ على أسسٍ شرعيةٍ واضحة، وإنَّ البُعد عن الانفعال في طرح المقترحات المثيرة واجبٌ على كلِّ حريصٍ على مصلحة هذا الوطن واستقراره وأمنه.
لماذا تقود المرأة السيارة؟
هل هي حاجة ماسَّة لا تستقر حياة المرأة والأسرة والمجتمع إلا بها؟ ولا تتحقق مصالح الناس بدونها؟ أم أنها مظهر اجتماعي جديد في بلادنا نحتاج إليه لنؤكد للعالم أننا مثلكم في كل صغيرة وكبيرة؟ أم أنها صورة مكمِّلة لصور استقلالية المرأة التي ينادي بها المغموسون في ثقافة (تجرير المرأة) إلى كل ميدان بدعوى تحريرها من وضعها الاجتماعي المستقرّ؟
إنَّ المتأمِّل لموضوع (قيادة المرأة للسيارة) في المملكة يشعر أنَّه أصبح قضيّة كبرى عند من يدعون إليه ويؤيدونه، مع أنه لا يعدو أن يكون موضوعاً جانبيّاً متأخِّراً في الترتيب إذا أردنا أن نكون صادقين في ترتيب الأوّليَّات بعيداً عن الإثارة والضجيج.
السيارة آلة من الآلات لا نختلف في أنَّ استخدامها والتعامل معها مباح متاح للجميع، ولكنَّ القضية في قيادة المرأة لها مرتبطة بمجتمع متكامل، وبمصالح لهذا المجتمع متعدِّدة، وبقضايا ومشكلات كثيرة ترتبط بها، اجتماعياً، واقتصادياً، وسلوكياً، وأمنيّاً، وهذه المشكلات وتلك القضايا مرتبطة برأي الشرع الحكيم الذي تقوم عليه سياسة بلادنا، وبرأي العلماء والعقلاء الذين ينظرون إلى القضايا نظرة شاملةً تتحقق بها مصالح العباد والبلاد، بعيداً عن الزوايا الضيِّقة المنفعلة قبولاً أو رفضاً.
هل ستعالج قيادة المرأة للسيارة مشكلات اجتماعية، أم أنها ستضيف أعباء كثيرة نحن في هذه البلاد في غنىً عنها؟.
هل هي علاج اقتصادي كما يدَّعي بعض من يؤيدون؟
إنَّ تقريراً موضوعياً محايداً كتب قبل عامين تقريباً من قبل بعض الحريصين على الحقيقة بعيداً عن التشويش، يؤكد ما يلي:
1 - قيادة المرأة للسيارة في المملكة ستضيف على المجتمع أعباءً اقتصادية كبيرة، وسترهق كواهل كثير من الأسر التي تعاني حتى توفر سيارة واحدةً لها، خاصة في ظل التقليد الذي يسري بين الناس فيضطرهم إلى الاستدانة والدخول في دوَّامات التقسيط كما هو ثابت في مجتمعنا.
2 - قيادة المرأة للسيارة في المملكة ستضيف مشكلات مرورية هائلة ستضر بالمجتمع، فإذا كانت الرياض - مثلاً - تعاني من أكثر من مليوني سيارة تجوب شوارعها وتحدث من الزحام والحوادث المرورية ما نعيشه، فكيف سيكون حالها حينما يضاف إلى هذا العدد مثله - فجأة - وكم من الأعباء الهائلة ستضاف على كواهل رجال المرور الذين لا يكادون يُغَطُّون حاجات المرور في وضعها الرَّاهن.
3 - قيادة المرأة للسيارة في المملكة لن تكون سبباً في الاستغناء عن السائقين كما يدَّعي من يطرحونها، فالتجربة الموجودة في دول الخليج تؤكد ذلك، فإن نسبة 80% من الأسر الخليجية لديهم سائقون مع كون قيادة المرأة للسيارة متاحة وهذا يضيف من الأعباء ما يضيف، ولا يحقق أي توفير اقتصادي أبداً، بل هو عبء اقتصادي آخر على المجتمع.
4 - قيادة المرأة للسيارة في المملكة ستضيف أعباءً أمنيَّة كثيرة ذات مظاهر خطيرة في بلدٍ كبير مترامي الأطراف يشكل عدد الشباب فيه النسبة الأكبر من عدد السكان.
هنا يجب أن نكون أهل رأي وبصيرة، وأن نكون مدركين لما نريد أن نفعله، متأمّلين لنتائجه.
بعضهم يقول: إنَّ طرح هذا الموضوع ناتج عن ضغوط سياسية عالمية على المملكة، وهذا الأمر غير واردٍ لسببٍ واحد هو: أنَّ مثل هذه القضية قضية داخلية تخص المجتمع السعودي بقناعاته الخاصة، ووضعه الاجتماعي الخاص.
هنالك قضايا تتعلق بالبطالة وغيرها، وبالتعليم ومجالاته المتاحة، وبالخدمات العامة هي أجدر بالمناقشة والطرح والاهتمام إذا كنا حريصين فعلاً على مصلحة بلادنا.