قبل أن تأتي الجامية بقضها وقضيضها ودعم الحكومات لها ,كان المسار الإسلامي يسير بخطوات واثقة ومشاريع كبيرة وتلاحم ظاهر والتفاف حقيقي حول العلماء .
كانت صحوة علمية متينة قائمة على الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح . من يذكر تلك الأيام لا ينسى كيف خسرت الخرافة والشعوذة والصوفية والترفض أماكنهم , وكيف أخلوا مقاعدهم للعلم النبوي القائم على قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شاعت في ذلك الحين طبعات أمهات الكتب وتحقيق كتب السلف الصالح من فقه وحديث وتفسير ومصطلح ونحو وأصول وعقيدة وغيرها ...لم توزع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه رحمهم الله كما وزعت في تلك الفترة . طُبعت في تلك الفترة الكثير من كتب علماء السنة المعاصرين كالشيخ ابن باز والألباني وابن عثيمين والفوزان وغيرهم.
كانت حلقات العلم الشرعي السلفي تملأ المساجد , فهناك حلقة لشرح الواسطية , وهناك حلقة لشرح بلوغ المرام , وهناك حلقة لشرح ألفية ابن مالك , وتلك حلقة لشرح كتاب التوحيد , وتلك حلقة لشرح الورقات في أصول الفقه , وتلك حلقة لشرح البيقونية ...الخ
لقد أخافت تلك النهضة العلمية المتينة , وغير القائمة على الشعارات الجوفاء والعواطف الخاوية , فرائص أعداء الأمة من علمانيين ورافضة وصوفية خرافية , ولم تكن هذه الطوائف الضالة لتقف في وجه الحجج الربانية التي تستقي أدلتها من المعين السلفي الصافي , كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على منهج السلف الصالح.
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن في خلد أكثر الناس تشاؤماً !
ظهرت الفرقة الجامية التي ضربت المسمار الأول في طريق عجلة الإصلاح السلفي , فشككت في النوايا , وصنَّفت الناس وحشدتهم , وخوَّفت الحكومات واستعدتهم , وضربت الإسفين الدامي في مسيرة العمل الإسلامي الذي كان يسير تحت سمع وبصر الحكومة والعلماء ...
شككت في الجمعيات الخيرية , وطفقت تبحث في نتاج الصحوة , فغربلت الأشرطة , وأخرجت المناقيش , ووضعت المجاهير المكبرة , ووصمت العلماء بالمغفلين , والدولة بالبساطة والسذاجة , وأنها لا تعي الذي يجري على الساحة ....وجعلت الوضع يبدو وكأن الحكم سيُختطف على أيدي دهاة سياسيين مبتدعة ضالين سروريين قطبيين إخوانيين وتبليغيين !!
اشتعلت الساحة بالخلافات , وضاقت الصدور بالنوايا الحسنة , واتسعت بالظن السيء, وطفق الجامية يجوبون المدن والقرى والهجر موهومين بأنهم الوحيدون الباقون على منهج السلف الصالح ,أنهم وحدهم دوناً عن كل المسلمين هم الطائفة الناجية والمنصورة , وهم البقية الباقية السائرة على منهج السلف الصالح !! في الوقت الذي كان خصومهم من مشايخ الصحوة يدرسون كتب علماء السلف الصالح ويدعون لها وينصحون بحفظ متونها !
لقد صنعت الجامية عالماً موهوماً لا يرى فيه أتباعها إلا من خلال مشايخها , فالعقول قد وضعت على الرف , والقلوب امتلأت بالتبديع والتفسيق والتجيهل للآخرين دون ضابط واضح أو قولِ عالِم موثوق !
بدّعوا ابن حجر والنووي وكثير من علماء السلف وكفروا سيد قطب , وبدعوا حسن البنا , والمودودي وغيرهم في مسيرة تحسب بالأيام بل وبدعوا كل من لم يُبدعهم , فسارت ركائب التبديع وقوافله لتأخذ في طريقها علماء ومشايخ ودعاة من بلد الحرمين ممن أخذوا على عواتقهم نشر الدعوة السلفية في كل مكان , وحث الشباب على دراستها والتفقه فيها , كالشيخ ابن جبرين وبكر أبو زيد وسلمان العودة وسفر الحوالي وناصر العمر وعبدالوهاب الطريري وغيرهم كثير ....بل لقد رأيت بعينيّ قوائم ذُكِرتْ فيها أسماء لكثير من المشايخ ممن أخرجهم الجامية من السلفية ودفعوا بهم إلى مربع البدعة أو الفسق على أخف أحوالهم !
ولفقههم الضحل الخرِب أقحموا عامة الناس في وسط هذا المُعترك , فبدلاً من دلَّ الناس على السنة النبوية وآدابها , والعقيدة السلفية وعلومها , أو الفقه وأبوابه , دلَّوا الناس على الخلاف والجدل والمراء والتصنيف والتبديع والتفسيق ....فاستشرى هذا المرض وسط بعض الشباب , مما أدى إلى نكوص الكثير من الشباب عن التدين وأهله والعودة للمعصية والانحراف .....دون أن يثير ذلك لدى الجامية أي شعور بالمسؤولية , والسبب هو أنهم يرون أن بقاء الشباب على المعصية خير من تلبسهم بالبدعة وأهلها !!! تحريض الجامية للدولة على مشايخ السلفية أثمر , فأودع المشايخ السجن , وطرد بعضهم من وظائفهم , وأوقف البعض الآخر !! وضعفت مسيرة العمل الإسلامي على كل الأصعدة.
فجأة ودون سابق إنذار وبعد أن أفسدت الجامية بعض العقول والقلوب , بدأ البناء الجامي يتهاوى ككل المباني التي أُقيمت على الهوى والحقد والضغينة وإيغار الصدور والظن السيء . لقد انقلب السحر على الساحر , وبدأت فرق الجامية كل فرقة تلعن أختها وتحتكر السلفية لها دوناً عن أحد آخر , حتى خرجت من عبائتها بعض الفرق التي لا ينتسب لها سوى مجموعة أفراد لا يعدون على أصابع اليد الواحدة !!! وشيئاً فشيئاً بدا يستبين للشباب الذي انخرط وراء دعاة الجامية الخطأ الكبير , فترك الكثير منهم هذا المنهج الضال , وعاد قبلهم بعض مشايخ الجامية للسلفية الحقة موقنين بعد أن رأوا نتائج هذه الفرقة الضالة أنها ما أتت إلا لضرب الصف , وإشعال الحرائق , وتفريق الجمع , ووضع العصا في عجلة الصحوة الإسلامية , لكنهم مع كل أسف لم يصحوا إلا متأخرين !!
خرج مشايخ الصحوة من السجن بعد أن تبين للحكومة أنهم لا يبحثون عن مجد سياسي ولا عن حكم , ولا يطمعون في مناصب سياسية من أي نوع ....وأن كل ما يريدونه هو تطبيق حقيقي لشريعة الإسلام على الغني والفقير , والحاجب والأمير.....
لكنهم خرجوا وقد شقت الجامية الضالة الصف , وولغت في العمالة لأمريكا وعملائها , وركبت العلمانية ظهرها ....
أمر مؤلم لكنه صحي , وربما صحت الأجساد بالعلل ....وحتى لا تُلدغ الصحوة من جامية أخرى مرتين
فهل نحن حقاً أمام دين جديد أم تجديد للدين وكلا الأمرين جناية وهتك لسنة الإتباع وطريق الهداية فاللهم سلم قلوبنا على اخواننا واجعلنا من الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً على الذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم