السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحدثت الثورة العالمية في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات تطوراً هائلاً في عالم التثقيف والمعرفة، وانتهت إلى شبكة "الإنترنت" التي حوَّلت معارف الدنيا وعلومها إلى "مكتبة عالمية عامة" تفتح أبوابها عند أطراف أصابع أي فرد يريد أن يرتادها، حتى ولو كان صبياً صغيراً... ومع هذا العالم المسحور أصبح أطفالنا يقفون عند بوابة هذا العالم المبهر.. الذي يمكن أن يحيل الطفل وبكل سهولة من متعة عالمه البديع إلى روعة وحش فظيع.. مما وضع خبراء التربية والآباء والمربين أمام آلاف التساؤلات والتحديات الخاصة بمبادئ الحماية وضوابط الاستخدام حتى لا يضيع منا أبناؤنا في دنيا "الإنترنت" الذي تتلاشى عنده ضوابط الأزمنة وحواجز الأمكنة.
في البداية توجهنا إلى شيخ كتاب الأطفال المعاصرين عبدالتواب يوسف الذي قال: أنا من أشد أنصار التثقيف الذاتي، وعندما سألت حفيدي الصغير يوماً، وهو في السادسة من عمره وفي السنة الأولى الابتدائية بمدرسة في فرنسا، عمَّا إذا كان لديه واجبات منزلية يومياً، أجاب الصغير: ليس عندي واجبات منزلية.. ثم أضاف: الواجب أنه "نقرأ"!!.
هزتني العبارة على وجهيها المباشر.. وهو إجابة السؤال، وغير المباشر هو واجب القراءة... مفتاح الحياة.
فالقراءة ليست امتداداً للمدرسة.. بل عمل يتجاوز أسوار المدارس ويتسع عن حجراتها وفصولها.. فالمدرسة عالم التربية والتعليم، والقراءة عالم المعرفة والتثقيف... لكن الخطورة الكبرى تكمن في دخول هذا العالم دون منهج.. وهذا ينطبق على كل وسائل التثقيف تقليدية كانت، أم عبر جهاز الكمبيوتر "كتاباً" إلكترونياً كان أم إنترنت" ولابد أولاً أن نقف أمام الحكمة القديمة التي تطالبنا بالاعتدال والتي تقول: "كل شيء يزيد عن حده، ينقلب إلى ضده".
أنا مع الآباء وخبراء التربية في قلقهم وشكواهم، وأنا مع الأبناء في حقهم ودنياهم.. وبين هذا وذاك لابد أن نتساءل: ما الذي يجب أن يعرفه الطفل ويتعلمه ويتثقف به خلال مراحل نموه المختلفة؟ وما حدود الوصل والفصل بيننا وبين هذا العالم المسحور؟
ما السبل التي وضعناها أمام أبنائنا للوصول إلى المعارف والمعلومات؟ هل جربنا يوماً... ما المعرفة الأسرية القائمة على التواصل الإدراكي والسلوكي بين أفراد الأسرة، خاصة الأب والأم؟
هل جربنا هذا العالم المسحور في تنمية القدرات وتعظيم المهارات لدى أبنائنا؟
هل صحبنا أطفالنا يوماً في جولة حرة بين المواقع المختلفة كما نصحبهم في نزهة خلوية لرؤية الصالح والطالح من أجل التربية والتهذيب عن طريق المعرفة والتجريب؟
هل بدأنا تثقيف أبنائنا عبر البوابة الصحيحة، بربطهم بسيد وسائل وأدوات المعرفة "الكتاب" الذي أنزله الله على نبيه ورسوله، ليهدينا به ويخرجنا من الظلمات إلى النور برسالته. وهناك خطر أكبر من كل ما سبق، أننا تركنا أجهزة الكمبيوتر أمام أطفالنا لتصبح مجرد وسيلة للعب "أتاري" تلتهمهم إلى حد التخمة والابتلاع.. ثم عدنا نتساءل: كيف ننقذ أطفالنا من هذا السيد المستبد الجبار، الذي ربطناهم به بخيوط من حرير، فتحولت إلى قيود من حديد؟! جعلهم عبيداً خاضعين أمامه لا حول لهم ولا قوة؟ ذلك لأننا عققناهم قبل أن يعقونا أو يعقوا أنفسهم! لم نجمعهم من قبل على قراءة نافعة، أو معرفة أسرية ممتعة!! لم نقدم لهم قدوة صالحة يوماً.. والمعروف أن فاقد الشيء لا يعطيه.. لم نربطهم بعلاقة مقدسة بالكتاب.. وإن كان هذا الكتاب هو القرآن الكريم أو السنة المطهرة.
لم نقرأ أمامهم قصة أو مجلة.. تركناهم نهباً لشواغلنا ومشكلاتنا ومشاجراتنا الأسرية وشكوانا وبلوانا.. قاطعناهم ثقافياً ورجمناهم بسلاح "المقاطعة".. بكل أشكاله وصوره.. فصار هذا العالم المسحور أمامهم مهرباً وملعباً، صادقوا الناس من خلاله، وأحبوا دنياه الساحرة، وتمثلوا نماذجه وشخوصه، الأمر يحتاج إلى جدول أعمال حاسم، يعيد البناء الثقافي لأطفالنا تتحدد فيه الأدوار السياسية والاجتماعية والثقافية، على مستوى الدولة والأسرة والمدرسة والمسجد، و"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
محاكمة الإنترنت: وهل سيصبح الحصول على موقع web site على شبكة الإنترنت في القريب العاجل حلماً، يسبق حلم الحصول على شقة خالية؟ حيث تشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد المشتركين على الشبكة في العالم، ربما يتجاوز المائتي مليون مشترك، يحتلون مواقعهم على مدى 24 ساعة يومياً، تداعبهم أحلام الثروة والتسوق والزواج عبر تكنولوجيا الاتصالات الحديثة... التي أصبحت مرتعاً خصيباً بالمقابل لتجار الرقيق والجنس والمخدرات والصفقات المشبهوة لغسيل الأموال القذرة، وأساليب الاحتيال والقرصنة والسطو والتزوير... ولعل أسوأ ما تتم ممارسته على هذه الشبكة الدولية، تلك المواقع التي تسيء إلى القرآن الكريم ونبي الإسلام محمد { ورسالته وصحابته.. ورغم ذلك.. فهل سيظل كل إنسان محتاجاً إلى موقع على هذه الشبكة ليطل منه على العالم الخارجي ويمارس منه كل أنشطة حياته اليومية وأين يقع أطفالنا من هذا التيه الكبير؟.
يقول "معلم الكبار" عبدالبديع قمحاوي إننا لا يمكن أن نغلق كل الأبواب والشبابيك... لأننا في النهاية نحتاج إلى النور والأوكسجين لكي نحيا.. ومع ذلك فإن قلقنا له ما يبرره لأن الشبكة أصبحت مليئة بالمصايد والفخاخ المنصوبة لاصطياد السذج وعديمي الخبرة، وليس أخطر من هذا إلا وقوع هذه الصفحات البيض "الأطفال" في هذه الشراك التي تستطيع بكل سهولة أن تلوث وتنجس صفحاتهم الناصعة بكل ضار وفاسد... إلا أننا يجب أن نعلم أن هذه الشبكة جزء من العالم الذي يموج بالخير والشر... والنافع والضار.. والحلال والحرام.. ومن ثم فالإنترنت سلاح ذو حدين، وعلى الآباء أن ينتبهوا له، في اصطحاب أطفالهم في جولات للتطهير قبل التغيير.. والحذر قبل وقوع الخطر.. وتصبح هذه الزيارات الارتيادية أشد أهمية في عالمنا العربي، بكل واقعه السيئ، الذي أوقع فيه نفسه، بتخليه عن دين التقدم والتطور والعالمية، ووقوعه أسيراً في قبضة العلم الجامع بلا أخلاق بكل أخطاره على مراحل التربية والنمو والتنشئة والتكوين.. ولنا الآن أن نتذكر ما أثار إعجاب الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي في مبدأ السعي لبناء نهضة علمية حديثة، عندما زار باريس فأعجب كل الإعجاب بعربة رش المياه في الشوارع والميادين، والتي يقودها رجل واحد، يرش بها ميدان "الشانزليزيه" بالماه في نصف ساعة فقط، في حين أن ميدان "الأزبكية" وهو الأصغر من ميدان الشانزليزيه يتم رشه بالمياه "بالجرادل" بواسطة مائة من الرجال في نصف نهار، وعندما عاد الشيخ رفاعة عمل على أن تدخل عربة رش المياه مصر، وتحقق ذلك، ولكن الذي بقي منها ذكرى جريان الأطفال وراءها وقد أمسك كل منهم بذيل جلبابه في أسنانه، مشمراً عن ساقيه، مستمتعاً بمياه عربة الرش..
وبالقطع نحن لا نحب أن يجري لأبنائنا من وراء شبكة الإنترنت ما جرى لهم من وراء عربة رش المياه التي ذكرها الشيخ رفاعة.. فيتحول الكمبيوتر إلى جهاز "أتاري" .. والإنترنت إلى دنيا للملاهي والصور الخليعة والموضوعات الغريبة والإبهار الذي يقود إلى الدمار.. ومن ثم يسقط أطفالنا في "شبكة العنبكوت"..
وعلى ذلك فإنه يجب أن يتعلم الآباء والأمهات معرفة استخدامات هذه الشبكة والخدمات التي تؤديها، وسبل الاستفادة القصوى منها، وخلق مناخ الإحساس بالمسؤولية لدى أفراد الأسرة وخاصة الأطفال، بإبراز نتائج الاستخدام الضارة للإنترنت مع وضع لوائح وضوابط أسرية للاستخدام، ومدته، وكيفيته، وخطر الدخول على مواقع معينة على الشبكة كما نحظر أمامهم الدخول إلى عالم المحرمات.. إما بضوابط أخلاقية تربوية أو باستخدام شفرة معينة لهذه المواقع.. أي أنه لابد من المناعة والتحصين، قبل دخول المرض اللعين.
أطفالنا بين المتاح والمباح: هذا وقد أثبتت الدراسات العلمية أن التعامل مع الحواسب الإلكترونية وخاصة من جانب الأطفال في أطوار النمو الأولى، يؤدي إلى إضعاف البصر، وزيادة الإرهاق النفسي، وظهور بعض أمراض الحساسية والتأثير على انتظام الدورة الدموية ودقات القلب، مما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، إلى جانب حرمانهم الشديد من التربية البدنية والأنشطة الرياضية، حيث ترى الدكتورة سعدية بهادر أستاذ علم النمو وبرامج الطفولة بمعهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس أننا يجب أن ننظر إلى ثقافة الأطفال على مستويين:
مستوى إدراكي: ويتضمن الأفكار والمعتقدات والمعرفة المتاحة عند شعب من الشعوب.
ومستوى سلوكي: وهو ينظر إلى ثقافة الطفل باعتبارها مجموعة الأنماط السلوكية أو طريقة الحياة عند شعب من الشعوب أو جماعة من الجماعات.
ومن ثم فلابد من تضافر وبلورة الجانب الإدراكي والسلوكي معاً في تقديم ثقافة للطفل تقوم على سلامة العقل والبنيان والوجدان.. في بناء شامل يقوم على ذوق وخلق ومعرفة وبأسس علمية سوية، في تعهد هذا الإنسان الجديد الطفل بالتربية الشاملة التي يمثل "الإنترنت" و"الكمبيوتر" بعض مفرداتها.. ولا يمكننا أن نتعامل مع هذه المفردات من باب "سد الريح واستريح"... فالواجب الأول يقع علينا قبل أطفالنا.. حيث يجب مراعاة المرحلة العمرية للطفل واحتياجاته في التعلم والتسلية.. فمن سن 3:4 سنوات يجب تعريفهم بالكمبيوتر وحثهم على التعامل معه، واستخدام ألعاب التسلية المدروسة تدريجياً، وعندما يصل الطفل إلى 10 11 سنة، يمكن استخدام الموسوعات والقواميس والرسومات والأشكال البيانية وألعاب التشكيل والتكوين، والألعاب الفكرية والرياضية والابتكارية.. مع مراعاة أن الأطفال من سن 6 9 سنوات يجب ألا يتعاملوا مع الكمبيوتر لأكثر من 30 دقيقة كل يوم، يتخللها فترة راحة من 5 10 دقائق، والأطفال من 12 13 سنة يمكنهم التعامل مع الكمبيوتر 60 دقيقة كل يوم يتخللها فترة راحة من 15 إلى 20 دقيقة.. وبالنسبة لجميع الأعمار ينصح الخبراء بعدم التعامل مع الكمبيوتر لأكثر من 3 مرات كل أسبوع على ألا تكون متتالية..
وبالطبع يأتي هذا الترشيد مع الأخذ في الاعتبار بكل المحاذير والضوابط والقواعد التربوية والتثقيفية المعروفة والمستقرة والمستمرة علمياً لأنه "ليس كل ما هو متاح مباح".