( رسـالة مِن بـينِ الرُّكـام )
تعـوّدنا على شـروق الشمسِ ..
وأنّ الشمْسَ تشـرُقُ مِن أحَدِ الأفـقِ الأربـعة ..
تعـوّدْتُ أن أرى أشِـعّتَها تخيطُ شفقَ البيتِ المُطِلِّ على البحـر ليبقى
مُشـرِقاً ما بَقِيَ بِهِ أُناسٌ ..
كُنتُ أعُدُّ أمواجَه التي تتلاطمُ بشُطآنِه ..
تتدارَجُ رِجلايَ بينَ الصّخـور غيرُ آبِهٍ للسقوط ..
فلَكَم تمالَكْتُ توازني كي لا أعِش يوماً لا أرى فيهِ شمسَـك
ولكــن .. حـدَث ما لمْ أعتَد عليه !!
وقفتُ مَشـدوهَ البالِ .. غيرُ مُترام الأطراف .. هزيلُ البنانِ .. غيرُ مُتّزِنٍ !
غيرُ مُصـدِّقٍ لِما جرى !!
كانَ في الأُفُـقِ صـديقاً عزيـزاً .. تعوّدتُ على أن يُشنفَ أذنيه ويُطرِقَ
السمْعَ لكلِمـاتي .. وأنا بالمُقابِل أدَعُ هـديرَ أمواجِه تتلاطَمُ بمَسـمَعي ..
*** *** ***
قصّـتي معه بدأت منذ سنينٍ طِـوال .. تجاوَزت نِصفَ العُمـر !
تعوّدنا على صيدِ السّمَك على الشاطِيء أو في الغِـبّة .. سِـيانٌ ؛
لأننا مُغامِرَين !
لطالَما أسمعتُه أحاديثَ الماضي .. وأسمعَني حديثَ الذِكـرَيات
كانَ يستحِـقّني .. وكُنتُ أناسِبُه .. فمِقياسُنا العاطِـفيُّ واحِدٌ ..
كما كانَ قلبُنا وتفكيرُنا ورأيُنا واحِـد وكانت كلِمتنا واحِـدة .. في
السَــرّاءِ والضــرّاءِ
كانَ مِنَ الجـودِ بِمكان أن يضَعَ بيننا وجبَةً .. تكفي لخمسةِ أشخاصٍ !
كُنا نخرُجُ للشارِعِ .. نفتعِلُ المقالِب بالآخَرين .. مقلَباً تلوَ مقلَبٍ ..
لا نشعُر بالآخَرين مِن حولِنا .. وكأنّ الدُنيا مُلكاً لنا وَحـدَنا !!
كُنا نفترِشُ الأرضَ سعادةً : نغنّي .. نسبَحُ .. نضحَك .. نصطاد ..
ونشوي ما لذّ وطاب !
تعوّدنا -منذ سنينٍ- أن نخرُجَ وحـدَنا .. نُضفي المرَح بينَنا ..
كأنّ الناسَ حولَنا .. وكأنّ طيورَ الفرَح تُسامِرُنا
سنـينٌ عِدّة .. ونحنُ مِنَ السعادِة بمكانٍ أن نفتخِر بصـداقتِنا
تعرّفتُ على ذويه .. فوجـدتُهُم : أسعَدُ المَرِحـينَ وأكرَمُ الأكرَمـين
*** *** ***
كانَ شمعَـةً يُضـيءُ سعادَتي .. كانَ أخاً لم يعِش في رحمِ أمّي ..
كانَ خيرُ الصديق الصدوق ذو الأخلاقِ الحمـيدة ، الفاعِلُ للفِعلِ المُستَحيل
كنتُ أتلو البَسمَلة عندَ دخـولي منزِلَه .. وأتفوّهُ بالتحميدة بعدَ خروجي ..
وكانَ هوَ كذلك .
لا يوجَد شيءٌ مِنَ شيءٍ إلاّ وفعَلناه .. عدا ما حَرّمَهُ الله على بشَر ..
*** *** ***
وفجـأة .. وبِلا سابِقِ إنذار :
حضَـرَ الذي يُفتِـكُ بالسّابحـينَ ، قاتِلُ المُتواجِديـن ومُرعِـبُ الآمِنـينَ !!
حضَرَ دونَ اسـتدعاءٍ مِن أحَدٍ .. جاءَ مِن حيثُ لا ندري ..
جاءَ مِن اللاّ مكان واللاّ زمـان !
لم نكُ نعلَم متى وكيف ولماذا أتانا ؟!!
لم تُشـرِق شمسُ الصـباح يومَـها !!!
يومَ الخميسِ الماضي أنطفأت شمعَـةُ المَكـان !!
فكانَ الثالِثِ والعِشرين مِن فبراير2007م .. أتعَسُ تواريخي !!
عِندَها .. توقفَت عقارِبُ الزمـان .. ركَدَت مياهُ البحـر ..
لم تعُد الأمواجُ تجتمِع مع بعضِها .. فتكسّرَت صخـورُ الأمَـل
على شطـآنِ الألـم !!
غابَ ( الصـباحُ ) الذي كانَ :
يُضيءُ الأفقَ نـوراً ..
والكَـونَ إشعاعاً
والأرضَ حيَويّةً
والبحرَ بسمَةً
!!
حينئذٍ ..
أُسدِلَ سِـتارَ البسمَةِ مِن مُحيّا الوردِ .. واحتجَبَت الطيورُ عنِ الزغزغة
وامتنَعَ الهـواءُ عنِ الخفَقـان .. وتوقّفَ نبْعُ الوفاءِ عنِ الجرَيان
فماتت طبيعة الأرضِ وماتَ الربيعُ وذبُلَت الأزهـارُ واصفَرّت الأوراق
وتوقفَت الحـياة !!
فكـيفَ -يا عزيـزَ القـوْمِ- أعـزّي بِـكَ نفسي ؟!
بأيِّ عَـيْنٍ أدمَـع ؟؟ بأيِّ قلبٍ أعيش ؟؟ بأيِّ ذِراعٍ أُواجِه ؟؟
لقد عـوّدتَنا الضحِكَ ..
فكيفَ نبتسِمُ بعدَ أن طالَتكَ ساعةُ القـدَر ؟؟
كيفَ يطيبُ العيشُ لِمَن اعتادَ حديثك ؟!
كيفَ نتعايَشُ بعدَ أن غابت صـورَتُك ؟!
بأيِّ حالَةٍ سنكون .. بعد أن اغتالَكَ السّكـون ؟!
كيف لنا أن نظمأ بعدَ أن جَـفّ نبعُ الوفاءِ وأنتَ شهـدُه ؟!!
رحِمـكَ الله يا : ( أخَ الجـود )
رحِمـكَ الله يا : ( نبـعَ الطِـيب )
رحِمـكَ الله يا : ( توأمَ الروح )
وسأبقى وَفِــيّاً لك .. ما بقِيَ بي رمَـقٌ
طـيّبَ اللّـه ثـَـراك .. وجعَـلَ الجـَــنّـة مَـثــواك