" ثــــورة الـفـقـــــراء "
ـــــــــــــــــــــــ
منذ اندلاع أعمال الشغب أو ما سمي بـ "ثورة الفقراء" في فرنسا قبل أكثر من
أسبوعين والمنظرون العرب مختلفون حولها، فمن قائل إن الإرهاب العربي
والإسلامي ضرب فرنسا في العمق، إلى ناصح لباريس بتشديد قبضتها الأمنية
وتوسعة المعتقلات، إلى مؤيد لحماقات وزير الداخلية الفرنسي " نيكولا ساركوزي "
بطرد جميع الأجانب المدانين بأعمال عنف بمن فيهم حاملو الإذن بالإقامة النظامية
إلى منتقد لعدم قدرة هؤلاء المهاجرين على التكيف مع المجتمع الفرنسي، والتداخل
في آليات حياته ، وأنظمته. الحكومة الفرنسية كانت أعقل، وكانت أصدق مع نفسها
أولا، فلم تلجأ إلى التنديد والتهديد والوعيد، وتستخدم لغة الكذب على مواطنيها
وعلى العالم وتغمض عينيها عن لب المشكلة. وإنما اتخذت تدابيرها وإجراءاتها
الأمنية ، وفي ذات الوقت بادرت إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاقتصادية
والاجتماعية لمساعدة الضواحي التي شهدت أعمال الشغب . أدركت حكومة
فرنسا أن هناك أخطاء مورست ضد هؤلاء على مدار أكثر من ثلاثة عقود جعلتهم
رهن الحرمان من الحياة الكريمة، وتبعا لهذا الإدراك المتأخر كثيرا ، وجدت
الحكومة أن المعالجة الأمنية ليست أكثر من مسكن لمرض عضال ، لا تلبث
أعراضه أن تظهر كلما حانت الفرصة، ولأنها حكومة عاقلة فقد رأت أنه لا داعي
لظهور هذه الأعراض مرة أخرى، فانتظار تكرار التجارب المؤلمة ليس من طبائع
العقلاء، لذا أعلن رئيس الوزراء الفرنسي " دومينيك دوفيلبان " يوم الثلاثاء
الماضي عن تخصيص مئات الملايين من اليورو لتنفيذ سلسلة إصلاحات تتعلق
بالعمل والتعليم والصحة وتكافؤ الفرص والتأهيل المدني والانصهار الاجتماعي
وقال " إن محاربة كل أشكال التمييز أصبحت أولوية لمجتمعنا ". العنف الذي
شهدته فرنسا امتد إلى بلجيكا وألمانيا، وهناك توقعات ومخاوف أن يمتد إلى
دول أوروبية أخرى، وإلى كل مكان يتفشى بين أهله الفقر والجهل والمرض
وهم يتفرجون على ترف الأغنياء وتعاميهم عما عليهم من واجبات واستحقاقات.
العنف لا يمكن تبريره، ولا قبوله. ولا بد من مواجهته، وإيقافه، ومعاقبة مرتكبيه
لكن الحكومات العاقلة - مثل فرنسا - تنطلق مباشرة إلى علاج الأسباب ولا تكتفي
بمواجهة الأعراض، أما الحكومات التي ستكون أعقل وأنضح من حكومة فرنسا.
فهي تلك التي ستبادر من الآن إلى علاج الدمامل المشابهة للدمل الفرنسي
قبل أن تتفجر ولأن العرب أصحاب الحكمة القائلة " العاقل من اتعظ بغيره ".
فلا بد أن يقال لحكوماتهم " التفتوا إلى خرائط أوطانكم وارتقوا ثقوب الفقر
والجهل والمرض والتمييز" ولا تأخذوا الحكمة هذه المرة - هذه المرة لو سمحتم
من أفواه المجانين، والمطبلين والمنافقين، خذوها من مشاغبي باريس وحكومتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
منقول