هو غياس بن معاوية بن قرة المزني، كان قاضياً فائقاً زكناً تولى قضاء البصرة سنة لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، فمن نوادر زكنه أنه سمع نباح كلب لم يره فقال: هذا نباح كلب مربوط على شفير بئر. فنظروا فكان كما قال، فقيل له في ذلك فقال: سمعت عند نباحه دوياً من مكان واحد، ثم سمعت بعده صدى يجيبه فعلمت أنه عند بئر. ومن نوادر زكنه أيضاً أنه رأى أثر اعتلاف بعير فقال: هذا بعير أعور. فنظروا فكان كما قال. فقيل له: من أين قلت ذاك؟ فقال: لأني وجدت اعتلافه من جهة واحدة. قالوا: ومن نوادر زكنه أنه رأى قوماً يأكلون تمراً ويلقون النوى متفرقاً، فرأى الذباب يجتمعن في موضع من التمر ولا يقربن موضعاً آخر فقال إياس: إن في هذا الموضع حية. فنظروا فوجدوا الأمر كما قال. فقيل له: من أين علمت؟ قال: رأيت الذباب لا يقربن هذا الموضع فقلت تجدن ريح سم فقلت حية. ونظر إلى ديك ينقر ولا يقرقر فقال: هذا هرم لأن الشاب إذا وجد حباً نقره وقرقر لتجتمع الدجاج إليه. ورأى جارة في المسجد وعلى يدها طبق مغطى بمنديل فقال: معها جراد. فكان كما قال. فسئل فقال: رأيته خفيفاً على يدها. ومن نوادر زكنه أن رجلين احتكما إليه في مال فجحد المطلوب إليه المال فقال للطالب: أين دفعت إليه المال؟ فقال: عند شجرة في مكان كذا. قال: فانطلق إلى هذا الموضع لعلك تتذكر كيف كان أمر هذا المال، ولعل الله يوضح لك سبباً. فمضى الرجل وحبس خصمه فقال إياس بعد ساعة: أترى خصمك قد بلغ موضع الشجرة. قال: لا، بعد. قال: قم يا عدو الله أنت خائن. قال: فأقلني أقالك الله. فاحتفظ به حتى أقر ورد المال. قال حمزة: ونوادر إياس كثيرة وقد كتب المدايني عليه كتاباً وسماه كتاب زكن إياس ويقال مات معاوية بن قرة أبو إياس وهو ابن ست وسبعين سنة فقال إياس في العام الذي مات فيه أبوه: رأيت في المنام كأني وأبي على فرسين فجريا جميعاً فلم أسبقه ولمن يسبقني. فعاش إياس أيضاً ستا وسبعين سنة. وذكر بعض الشعراء إياساً في شعره فلم يستقم له أن يذكره بالزكن فوضع مكانه الذكاء فقال:
أقدام عمرو في سماحة حاتـم= في حلم أحنف في ذكاء إياس
ص (142)