اتصل بنا البحث up a3ln usercp home
 


العودة   ::. مـنتدى قبيلـة العجمـان .:: > الـمنتديات الادبيــــــة > :: مـنتدى القـــصص والروايـــات ::

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 20-10-2009, 12:34 AM
ابو مسلم العجمي ابو مسلم العجمي غير متواجد حالياً
Banned
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: جزيرة العرب
المشاركات: 72
تحديث الصفحة جديد#على حلقات#"ذكرياتي من كابل إلى بغداد"مذكرات احد المجاهدين



بسم الله الرحمن الرحيم



أنقل لكم أيها الكرام مذكرات يكتبها مجاهد على شكل حلقات وقد شدتني كثيرا وتأثرت بها كثيرا


وسأنقلها لكم هنا أول بأول بإذن الله :



مقدمه

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم نحمده ونستغفره وأتوب إليه عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشة ومداد كلماته مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء معز عباده ومذل أعدائه وأصلي وأسلم على نبيه بني الهدى النبي الأمي الأمين قائد المجاهدين وإمام الغر المحجلين محمد بن عبد الله وعلى أله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ...... أما بعد :

حقيقة لقد ترددت كثيراً في كتابة مذكراتي وذلك لأنني أعلم أن هذا التاريخ هو مما يخصني ومما هو من علاقة العبد بربه وأن كتمانه أنقى له وأصفى من إعلانه لكن أصر علي بعض الإخوة أن أنقل تجربتي ومراحلة مهمة في حياتي الجهادية لما يرون أنه نوع من التعاون على البر والتقوى فاستخرته سبحانه وشددت العزم على الاستعانة بالله وكتابة مذكراتي ولعلي هنا أبدأ بإيجاز بسيط ومختصر يعقبه بإذن الله حلقات تفصيلية .

بدأت حياتي الجهادية وأنا في السابعة عشر من عمري فتوجهت إلى أفغانستان للتدريب وكانت بدايتي مع مضافات استقبال المجاهدين في مدينة بيشاور الباكستانية ثم توجهت إلى أفغانستان إلى مدينة خوست للتدرب في المعسكرات هناك وبعدها توجهت مع أخي وحبيبي في الله القائد خطاب إلى طاجكستان للقتال هناك وبعد انتهاء القتال هناك توجهت إلى البوسنة وبقيت فيها حتى عقدت اتفاقية ( دايتون ) وخرج العرب من البوسنة ثم بعدها تأتي مرحلة الذهاب للشيشان وذكر العقبات التي حالت بيننا وبين الدخول ثم بعدها العودة إلى أفغانستان مرة أخرى والقتال مع طالبان وذكر أول لقاء لي مع الشيخ أسامة بن لادن , بعدها محاولة العودة إلى الشيشان مرة أخرى بعد أحداث داغستان عام 1999م , ثم العودة للوطن ثم يأتي بعدها المرحلة الأخيرة وهي الذهاب للعراق ومن ثم حط الرحال .

هذه بإختصار ذكرياتي من كابل إلى بغداد وسيكون لي وقفات بإذن الله مع أحداث وشخصيات في كل مرحلة في تلك المراحل حتى نصل إن شاء الله إلى حط الرحال في العراق .

والله يحفظكم ويرعاكم


---------------------



" الحلقة الأولى "



بسم الله الرحمن الرحيم




قبل البدء في حديثي أحب أن أنوه إلى بعض المسائل وهي بالأهمية بحيث أنبه عليها الآن وأتمنى من كل قارئ كريم أن ينظر إليها على اعتبار المصلحة فيها كوني أتوقع أن يقرأ ما أكتبه بعضاً من الإخوة الذين عاشوا بعض المراحل في حياتي التي سأتطرق إليها :
1- سأضطر لإغفال بعض الأحداث والوقائع لأسباب أمنية .
2- سأضطر لعدم ذكر بعض الأسماء أو تغييرها إذا لزم السياق حفاظاً على سلامة هذه الأسماء الذين أعلم أنهم مازالوا على قيد الحياة أو أنني لم يتأكد لدي استشهادهم فارتأيت إغفال أسمائهم لسلامتهم.
3- أرجو من الإخوة الكرام ممن قد يتعرفون علي من خلال ما أكتبه أن يتقوا الله في محاولة التعريف بشخصي لما قد يلحقني من ضرر في ذلك .
فما أكتبه هو للعبرة والعظة وشهادة للتاريخ
وبالله المستعان وعليه التكلان

(الهجرة الأولى)

إكمالاً لما سبق وأن تطرقت له عن ذكرياتي في الجهاد والتي أسميتها (ذكرياتي من كابل إلى بغداد ) فسيكون حديث اليوم عن مرحلة أعتبرها مهمة جداً في حياتي حيث غيرت هذه المرحلة الكثير من المفاهيم لدي وأيضاً فتحت عيني وفهمي على أشياء لم أكن أعرفها في حياتي لعدة أسباب منها طبيعة الحياة التي كنت أعيشها من اللهو والبعد عن الدين والانشغال بتفاهات الحياة وملذاتها , حتى بعد أن من الله علي بالهداية فكان جل ما تعلمته عن ديني لا يرقى إلى مستوى فهم الواقع الذي تعيشه الأمة أو هكذا كان يراد لي من قبل الذين أخذوا بيدي على طريق الهداية وأيضاً طبيعة التغيير والتعتيم الذي تمارسه الحكومات العربية والإسلامية علينا كشعوب حتى لا نكون أكثر وعياً وإدراكاً لبعض الحقائق والأحداث لأن السياسة كان اللاعب الأساسي في المسألة وعليه تسير حياتنا , لذلك كانت هذه المرحلة على بساطتها ظاهراً إلا أنها كانت بداية جديدة في صقل شخصيتي وتفكيري ومعرفتي بالواقع الإسلامي خارج حدود الوطن و ذلك أيضاً كما أريد لنا أن نكون أجزاءً مجزئه لا جسداً واحداً وأمة واحدة .

(أفغانستان)

إن الفترة التي بدأت فيها أفكر في الذهاب إلى الجهاد كان قد مضى وقتها على فتح المجاهدين الأفغان لمدينة كابل سنة تقريباً وكان المجاهدون سيطروا على أفغانستان بالكامل وطردوا بقايا الإتحاد السوفييتي من الشيوعيين الأفغان الذين تركوهم يقاتلون نيابة عنهم بعد أن انسحبوا في عام 1989م وهم يجرون أذيال الخيبة بعد معاناة طويلة تحت وطأة ضربات المجاهدين في أفغانستان التي أرهقتهم وأوصلتهم إلى مرحلة الإفلاس في نتائجهم المرجوة التي جاءوا إلى أفغانستان لتحقيقها إضافة إلى الخسائر البشرية والمادية , وتفكيري في الذهاب للجهاد في تلك الفترة لم يكن موجهاً لأفغانستان بل إلى البوسنة والهرسك فهي الجرح الذي كان ينزف في جسد الأمة في تلك الفترة وذلك عندما سقطت دولة يوغسلافيا التي تتكون من عرقيات مختلفة فهناك البوشناق وهم مسلمون والصرب والكروات وهم نصارى , أما الصرب فهم (أرثودكس ) وهم مذهبهم الديني التابع للكنيسة الروسية وأما الكروات فهم (كاثوليك) وهو المذهب الشائع في أوربا , بعد هذا الانهيار ليوغسلافيا الشيوعية الذي تبع الانهيار للشيوعية في الاتحاد السوفييتي تنفس المسلمون الصعداء وكونوا دولتهم وكانت عاصمتها سراييفو وكون الصرب والكروات كل منهم دولته ولكن سرعان ما هاجم الصرب الذين استحوذوا على أغلب الترسانة العسكرية اليوغسلافية مناطق المسلمين من جهه وهاجمهم الكروات من جهة أخرى وأعملوا في المسلمين قتلاً وأسراً وتشريدا وحصلت مجازر مروعة ما عرف التاريخ الحديث لها مثيل وقد شاهدها العالم أجمع على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد وكيف كانت الناس تذبح نحراً بالسكاكين رجالاً ونساءاً وأطفالاً وكيف كانت تساق الحرائر من نساء المسلمين إلى المعتقلات يؤخذن لأجل المتعة للجنود الصرب حتى بلغت إحصائية النساء المغتصبات سبعين ألف امرأة ما بين طفلة وشابة وكهله والله المستعان , فلما رأيت ذلك والله ما عاد يقر لي قرار أو يهدأ لي بال من هول ما رأيته من فجيعة وكارثة حلت بأهلنا في البوسنة فقررت الذهاب للجهاد هناك فاستأذنت والدي حفظه الله في الذهاب للجهاد فرفض لا رفضاً للجهاد كشريعة ولكنها الفطرة البشرية والعاطفة والمحبة الأبويه التي أملت عليه قراره هذا فبقيت سنة كاملة وأنا أحاول معه وكان جوابه نفسه يتكرر بالرفض وكنت خلال هذه الفترة أبكي بكاء الثكلى كلما علمت أن أحداً من الشباب قد سافر إلى البوسنة إغتباطاً له على ما وفقه الله له وحسرةً على عدم قدرتي على الذهاب , فبدأت أقرأ كتب الجهاد وقرأت بعضاً من كتب الشيخ \ عبدالله عزام رحمه الله , وسألت بعض المشايخ فأفتوني بأنه لا استئذان في فروض الأعيان وشرحوا لي المسألة بشكل شرعي حيث اقتنعت أنني غير ملزم بموافقة الوالد فإن وافق فحباً وكرامة وإن لم يوافق فطاعة الله أولى حينها لأن الجهاد فرض عين , فاستعنت بالله وقررت الذهاب للبوسنة وعندها حصل مالم يكن في الحسبان فعندما تكلمت مع أحد الإخوة المنسقين من أجل الذهاب للبوسنة أخبرني أن الطريق أغلق ويتعسر الدخول للبوسنة بسهولة وإضافة لذلك فإن المجاهدين في البوسنة بحاجة إلى أشخاص أصحاب خبرة عسكرية أو على الأقل يحسنون استخدام السلاح حتى لا يكونوا عالة عليهم فاسترجعت الله على هذه المفاجئة وسألته على الحل كوني أصبحت شديد الرغبة في السفر للبوسنة فعرض علي الذهاب لأفغانستان لأجل التدرب هناك في معسكرات المجاهدين ثم أعود وأسافر للبوسنة فوافت لأنه الحل الوحيد الذي سيساعدني لدخول البوسنة ومن هذه المرحلة بدأت أسير تجاه العالم الأخر الذي ما كنت لأفهمه مالم أخض غماره.
بعد أن قررت السفر إلى أفغانستان جهزت نفسي بما أحتاجه ثم سافرت إلى باكستان وكان الأخ المنسق رتب لي التوجه إلى (بيت الشهداء) في بيشاور وهي المضافة المفتوحة في ذلك الوقت لاستقبال المجاهدين وتوجيههم إلى المعسكرات في أفغانستان , وصلت إلى مدينة إسلام آباد ومن هناك ركبت الباص إلى بيشاور وكان في انتظاري أحد الأخوة الذي أخذني بـ(الفلانكوش) وهو اسم باص التويوتا الصغير في باكستان , حقيقة منذ وصولي لإسلام آباد وحتى وصولي لبيت الشهداء في بيشاور كنت في حالة تعجب وذهول كوني لأول مرة أغادر وطني وأيضاً لطبيعة الحياة الغريبة التي ما تعودت عليها وبدأت أراها في مواقف الباصات وفي الشوارع وطريقة كلام الناس وتصرفاتهم إضافة إلى أن الحياة الجديدة التي أنا مقدم عليها جعلتني في حالة من الإرباك والذهول, وبعد وصولي إلى بيت الشهداء في حي (بورد) لا أبالغ إن قلت أنني أصبت بشيء من الرهبة والمفاجئة فقد كان البيت مليء بالكثير من الشباب والكبار من مختلف الأعمار ومن مختلف بلاد العالم وكانوا جميعهم في الزي الباكستاني وأغلبهم طوال اللحى وشعر الرأس بشكل يجعلك تشعر وكأنك أمام أناس جاؤوا من ألف سنة مضت , وكان في استقبالي في إدارة المضافة الأخ\ أبو زبيده الفلسطيني فك الله أسره (المعتقل حالياً في غوانتنامو) فرحب بي وأخبرني أنه تلقى اتصالاً من أحد الأشخاص في بلدي أخبره برغبته في إرسالي إلى المعسكر للتدرب فوافقته كلامه وأخبرته أن هذه رغبتي ثم أخبرني عن نظام وقوانين المضافة وعن كل شيء أحتاج لمعرفته ثم أخبرني أن علي الإنتظار أسبوع إلى أسبوعين حتى أستطيع الدخول إلى أفغانستان والذهاب إلى المعسكر وفي فترة الإنتظار أخذت بالتعرف على بعض الشباب الموجودين في المضافة فمنهم من قاتل سابقاً في أفغانستان ومنهم من كان في معسكرات التدريب ومنهم من هو جديد مثلي , في هذه الفتره تعرضت لعدة صدمات جعلتني أدخل في مرحلة نفسية صعبة حيث أصبحت في حيرة عن حقيقة ما أنا مقدم عليه ولكن التجائي إلى الله في مثل هذه الظروف كان هو المخرج والدليل , والصدمات التي تعرضت لها هناك هو ما بدأت أراه وأسمعه عن الجماعات والتقسيمات فهناك الإخوان المسلمين وهناك التكفير والهجره والسلفية والمرجئة والخلافة وغيرها من المسميات التي لم أكن أعرف لها وجود وما أثر في نفسي كثيراً هو ما سمعته من بعض الشباب من تكفيرهم للشيخ \ عبدالعزيز بن باز والشيخ \ محمد بن عثيمين رحمهما الله وتكفيرهم لغيرهم من علماء المسلمين , كان هذا الشيء بالذات فاجعة بالنسبة لي جعلتني أدخل في حالة إعتزال عن أغلب الشباب بسبب خوفي من أن يكونوا يحملون مثل هذه الأفكار الضالة ولكني مع الأيام بدأت أستوعب الوضع في بيت الشهداء حيث نبهني بعض الشباب أنني غير ملزم بقبول رأي هؤلاء الشباب الذين يكفرون العلماء ولا حتى مجالستهم بل وأوصوني بالابتعاد عنهم خشية التأثر بأفكارهم , بالنسبة لي لو يتم تخطئة العلماء في أمور أخطئوا فيها شرعاً فهذا حق ولكن بأدب أما أن يتم تكفيرهم جهلاً وحماساً واندفاعاً بغير ضابط شرعي فهذا مالا يقره عقل ولا شرع ومالم تطق نفسي قبوله.
خلال فترة إنتظاري في بيت الشهداء كنت أقضي وقتي في قراءة كتب ومؤلفات عن الجهاد منها كتب الشيخ عبدالله عزام رحمه الله وغيرها من الكتب وأيضاً كنت أشاهد الكثير من الأفلام الجهادية التي صورت في أفغانستان أثناء المعارك وكنت أجالس الإخوة الذين قاتلوا منذ فترة طويلة في أفغانستان وأستمع إلى قصصهم عن المعارك وعن الشهداء الذين قتلوا هناك فكان ذلك كله قربني من أفغانستان وزاد من محبتي لها ومعرفتي بها أكثر ومن معرفتي بواقع الجهاد الأفغاني وأحداثه وعن كثير من الحقائق التي حصلت في تلك الفتره وهذا زاد من معلوماتي ومعرفتي بحقيقة القتال الدائر بين قيادات الجهاد الأفغاني سابقاً وهم : قلب الدين حكمتيار وعبد رب الرسول سياف وبرهان الدين رباني وأحمد شاه مسعود والشيوعي الملحد عبدالرشيد دستم الذي كان يقاتل مع الروس والحكومة الشيوعية من بعدها ضد المجاهدين ثم بعد سقوط كابل في يد المجاهدين ذهب إلى مكة للحج ومن وقتها يدعى بالحاج دستم والله المستعان, وكنت في كل يوم يمر علي تزداد معرفتي أكثر فأكثر في طبيعة تواجد وعمل الجماعات الإسلامية المسلحة المتواجدة في أفغانستان أو باكستان عربية كانت أو غير عربية وذلك من خلال إحتكاكي اليومي ببعض أفرادها أو من خلال المعلومات العامة التي يتناقلها المجاهدين عن هذه الجماعة أو تلك فأدركت حينها أن المسألة أكبر مما أتصور وأنني كنت أجهل الكثير عن واقع الجبهات الجهادية وكيف يدور العمل فيها , وفي هذه الفتره التقيت وتعرفت بكثير من الشباب ومنهم من جمعتني بهم علاقة صداقة قوية ومحبة في الله حتى أننا فرقتنا الأيام والتقينا في جبهات قتال أخرى وأذكر منهم أخي عبدالقادر الجزائري والذي التقيته مرة أخرى في البوسنة وسيرد ذكره في مرحلة البوسنة , وقد قتل فيما بعد في الجزائر وأخي الحبيب أبو خوله اللحيدان من بلاد الحرمين وقد كان صديقي ورفيق دربي في معسكر التدريب وقد قتل في الحرب الشيشانية الثانية حيث ذهب للشيشان في الحرب الأولى وبقي فيها حتى أصبح ممن يعتمد عليهم خطاب رحمه الله في العمل هناك لما يمتاز به من أخلاق عالية وصمت العقلاء وهمة الرجال , فكنت كلما أنظر إليه أرى شهيداً يمشي على الأرض ومنهم أخي أبو عبدالله الكندي وهو يمني وقد قتل فيما بعد في البوسنة وأبو يوسف الجزائري وقد قتل في الجزائر فيما بعد وأبو عبدالله اليمني وقد قتل في كابل فيما بعد حيث ذهب للقتال مع قلب الدين حكمتيار في كابل وقتل هناك وغيرهم من الأحباب الذي خانتني الذاكرة عن تذكرهم الآن فطول السنين وكثرة الأحداث وكثرة الرجال والشهداء الذين رأيتهم وعشت معهم وخالطتهم زادت من عدم تذكر بعض الأسماء ولكني أسأل الله الرحمة لحيهم وميتهم وأن يجمعني بهم في مقر رحمته يوم الدين.
حان الأن موعد الذهاب إلى معسكر التدريب في أفغانستان حيث استدعاني أمير المضافة ومعه أبو زبيدة الفلسطيني وأخبرني أنني وأبوخولة (وكان يدعى وقتها أبوعبدالرحمن اللحيدان) سنسافر غداً صباحاً إلى أفغانستان ففرحت كثيراً وحمدت الله لأن الإنتظار قد طال في المضافة ولم يكن شيئاً معتاداً أن يطول إنتظار الراغبين في الذهاب إلى أفغانستان لكن في تلك الفترة كانت الظروف الأمنية في بيشاور سيئة بسبب الحملة الأمنية من السلطات الباكستانية التي كانت تقوم بحملة اعتقالات للمجاهدين العرب أو ما يسمونه وقتها (الأفغان العرب) فأصدقاء الأمس أصبحوا أعداء اليوم , حقيقة كان في هذا التأخير خير كبير لي حيث أنني إستفدت الكثير أثناء فترة إنتظاري كما ذكرت سابقاً وكان هذا الأمر أعطاني حالة من الوعي والإقدام على ما أنا ذاهب إليه وزاد في معلوماتي العامة عن الجانب العسكري وزاد من شوقي في رؤية بل واحتضان تلك الأسلحة التي طالما سمعت اسمها من المجاهدين في المضافة وكيف كانوا يتغنون بها حتى أنك لتظن أحدهم وأنت تسمعه يتغنى بسلاحه وكأنه يتغنى بحسناء جميلة ممشوقة القوام , وفي الصباح صلينا الفجر وودعت الشباب ثم ركبنا الفلانكوش وتوجهنا من بيشاور إلى مدينة (بنو) وقد أخذ الطريق من الوقت خمس ساعات على ما أذكر وكنا في الطريق مررنا بعدة نقاط تفتيش للشرطة الباكستانية تجاوزناها بسلام ولله الحمد , ومدينة بنو محاذيه للحدود مع أفغانستان بإتجاه ولاية خوست التي يحكمها ذلك الحين القائد البطل المجاهد \ جلال الدين حقاني حفظه الله, وبعد الوصول إلى بنو ذهبنا مع الشخص الذي جاء معنا وهو أفغاني إلى مدرسة لتعليم القرآن وبقينا فيها إلى ما بعد العصر ثم بعد العصر جاء شخص أخر وأخذنا وأخبرنا أننا متجهون لنعبر الحدود إلى أفغانستان عن طريق التهريب من الجبل حتى لا يرانا حرس الحدود الباكستاني واستعنا بالله وتوكلنا عليه وانطلقنا بالسيارة وقبل الحدود بما يقارب كيلو متر واحد ترجلنا وسرنا على الأقدام في الطريق الجبلي ولا أخفي حقيقة أنني كنت في حالة خوف شديد ليس من شيء إلا أن يتم اعتقالنا ونحرم من دخول أفغانستان التي بدأت أعشقها مع أنني لم أرها حتى الآن , وأخذنا نجد في السير صعودا وهبوطاً ومشياً وركضاً وزحفاً أحياناً حتى أخبرني المهرب أنني داخل أفغانستان وهنا سجدنا أنا وأبو خولة سجود الشكر لله على الوصول ثم مشينا إلى مكان وجدنا فيه سيارة تنتظرنا فركبناها وتوجهنا إلى منطقة (جاور) حيث معسكرات التدريب .

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-11-2009, 05:54 PM
ابو مسلم العجمي ابو مسلم العجمي غير متواجد حالياً
Banned
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: جزيرة العرب
المشاركات: 72

الحلقه الثانيه

بسم الله الرحمن الرحيم





كان شعوري وأنا في السيارة أنظر إلى الجبال حولي مزيج ما بين الشعور بالعزة والتأمل والحديث الصامت بيني وبين تلك الجبال فكم شهدت من المعارك وكم سار عليها من الرجال الأبطال وكم وطئتها اقدام الكثير من الشهداء وكم عانت وأهلها من ويلات الطائرات والراجمات الروسية التي لا ترحم ولا تفرق بين صغير أو كبير فكانت تحرق القرى وتحصدها وتقتل البشر بدون أي أعتبار للقيم البشرية , وفجأة أيقظني من سهوي وتفكيري وقوفنا أمام بوابة معسكر (حركة الأنصار ) وهي جماعة باكستانية كان يرأسها الشيخ \ فضل الرحمن خليل (وهي جماعة انحلت وألغيت بعد سنوات قليلة من هذا الوقت) وبعد الإذن بالدخول استقبلونا بالترحيب وجاؤا لنا بشخص يتكلم العربية ولكن بشكل مقبول شيئاً ما وأخذنا إلى مكان نومنا واستراحتنا وكان هذا الأمر محل مفاجأة لي عندما علمت أننا الوحيدين العرب الموجودين في المعسكر وأن جميع الإخوة المتواجدين هم من الأسيويين مثل باكستان وكشمير والهند والفلبين وماليزيا وأندنيسيا , حقيقة أستشعرت كيف ستكون صعوبة الأيام علينا إن لم نجد من يتحدث العربية في هذا الكم الهائل من المجاهدين وفعلاً هذا ما حصل معنا في ما بعد حيث بقينا عدة أيام لا نقوم بعمل أي شيئ إنتظاراً لموعد بداية التدريب , ومع صعوبة الظروف العامة التي بدأنا نعانيها ليس من الإخوة في المعسكر فهم والشهادة لله حاولوا كثيراً أن يهيئوا لنا المناخ المناسب لكن هناك عوامل كثيرة صعبت وضعنا , أولها وكما يعرف من ذهب إلى معسكرات التدريب في أفغانستان طبيعة أجواء المعسكرات القاسية لمن يأتي جديد إلى المعسكر فهو ينتقل من حياة الدعة والنعيم إلى الشدة والتقشف ومن الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية وهذا كله يمكن تجاوزه مع الأيام والتعود عليه وليس بالأمر الصعب ولكن كانت لدينا مشكلة الطعام فالإخوة الباكستانيين عُرفوا بحبهم الزائد للبهارات الحارة وإختلاف طبيعة أكلهم عنا نحن العرب وهذا الشيئ سبب لنا أمراض الباطنية و أضطرابات في الجهاز الهضمي حتى أصبحنا لا نقتات إلا على الخبز والشاي وهناك ما يسمونه بالحلوى الأفغانية وهي مزيج من السكر والطحين المطبوخة مع بعضها وهذا سبب لنا إضطراب في الحالة الصحية مما أثر على تدريبنا والأهم من ذلك أن التدريب العسكري ليس فقط في اللياقة البدنية أو فك وتركيب السلاح فأنت بحاجة إلى فهم السلاح كما تفهم نفسك حتى تستطيع التعامل معه وهناك التكتيك العسكري وغيرها مما يعتمد على مبدأ الفهم والوعي وهذا الشيئ بالنسبة لنا كان مفقوداً بسبب فقدان عامل اللغة في التواصل مع المدربين , ومع كل هذه الظروف المربكة إلا أنني كنت أتحملها نفسياً بسبب فرحتي العارمة لوجودي في أفغانستان ولم يكن هذا الشيئ كافياً لمساعدتنا في استيعاب التدريب لذلك تدبر الإخوة نقلنا إلى معسكر آخر فيه مدربين يتكلمون العربية وفعلاً أخبرونا أننا سننتقل إلى معسكر (الصديق) وهو يبعد مسافة ساعه تقريباً مشياً على الأقدام وكان هذا بعد أن قضينا شهراً كاملاً في معسكر (حركة الأنصار) وفي اليوم المحدد لمغادرتنا ودعنا الإخوة في المعسكر وشكرناهم على حسن ضيافتهم لنا ثم تحركنا مشياً ومعنا ثلاثة من الإخوة الباكستانيين وبعد ساعه كنا وصلنا إلى معسكر (الصديق) واستقبلنا الإخوة هناك بكل ترحاب حيث كانوا على علم بمجيئنا وعن السبب في ذلك وكانت المفاجأة أنهم كلهم باكستانيون ولكن يتكلمون العربية جيداً وهذا ما أراحنا كثيراً والحمد لله .

تتالت الأيام وكنت وأخي أبو خولة في غاية الحماس والمثابرة فتغيير ظروفنا للأحسن رفع كثيراً من معنوياتنا حيث أن الإخوة في المعسكر قاموا بعمل برنامج خاص لتدريبنا وحدنا وأيضاً جاء بعد فترة بعض الإخوة المدربين العرب للمساعدة في تدريبنا في المواد التي تحتاج إلى معرفة بمفردات اللغة العربية حتى يسهل إيصال المعلومة كما ينبغي وأذكر من هؤلاء الإخوة وهم من قدامى المجاهدين في أفغانستان ممن بقوا في المعسكرات لتدريب الأجيال الجديدة المقبلة على الجهاد أذكر منهم أخي عبدالعظيم المصري (وقد أستشهد فيما بعد أثناء قتاله مع طالبان ضد التحالف الشمالي في أفغانستان) وأخي أبو سليمان المدني من بلاد الحرمين (أستشهد مع أخيه عبد العظيم المصري في نفس المعركة ) وأخي عبدالحميد الليبي (والذي أستشهد أثناء الإجتياح الأمريكي في أفغانستان وكان يقاتل مع طالبان ويدعى وقتها إبراهيم الليبي ) وأخي خلاد المصري (أستشهد في مدينة كراتشي في باكستان ومعه أبنته الصغيره أثناء اقتحام القوات الباكستانية لمنزله بعد فترة من سقوط طالبان ويدعى وقتها أبوالزبير المصري ) وأخي أبو عطا التونسي (أستشهد عند جبل صابر في شمال كابل فترة طالبان جراء القصف من قوات التحالف الشمالي ) وأخي الحبيب أبو سليمان المغربي (أستشهد فيما بعد في الشيشان في الحرب الأولى ) وكان هذا الأخ رحمه الله أقرب المدربين إلى نفسي لما كان يتمتع به من أخلاق عالية وصفاء في النيه وطيبة في القلب ودائماً ما كان يصبّرنا بسبب قسوة التدريب وظروف المعسكرات الإستثنائية في قضية التعامل ما بين المدرب والمتدرب فهذا كله له معاني نفسية عسكرية يراد غرسها في داخل المتدرب حتى يعيها أكثر من خلال المعايشة لما فيها من مصلحة مرجوة وهي صقل شخصيته العسكرية ورسمها في شكل معين يستطيع من خلاله التعايش مع أكثر الظروف قساوةً في حياته المدنية العامة أو في داخل الجبهات وأثناء المعارك .

تسارعت الأيام وأنا وأخي أبو خولة نجتاز بكل همه ونشاط ما أعد لنا من برامج تدريبه وكنت خلال تلك الفترة أجد نفسي أتطور يوماً بعد يوم , وفي أحد الأيام جائنا خبر أستشهاد القائد البطل \ أبو معاذ الخوستي رحمه الله في كابل أثناء قتاله مع قلب الدين حكمتيار ضد رباني ومسعود وكان مقتله على يد جماعة (دستم) الذي كان حينها متحالفاً مع حكمتيار ولكنه غدر به وقتها وقتل أبو معاذ الخوستي في هذا الغدر وخسرت الأمة بطلاً من أبطالها عرفته معارك منطقة خوست حتى سمّي عليها وهو من أبنا فلسطين الذين هبوا لنصرة اخوانهم الأفغان في وقت مبكر من الجهاد الأفغاني فرحمك الله يا أبا معاذ الخوستي وأسكنك فسيح جناته .

انتهى التدريب المقرر لنا بحمد الله بعد أن تجاوزنا جميع مراحله بكل نجاح وكانت أياماً جميلة ولحظات سعيده التي قضيناها في المعسكر وحقيقة لا أبالغ إن قلت أنني في نهاية الدورة كنت شخصاً آخر بمعنى الكلمة فقد جئت شاباً ناعم العود اعتاد على حياة الدعة بعيداً عن مآسي أمته ونكباتها وفي نهاية التدريب كان قد اشتد عودي وقوية عزيمتي وازداد فكري وعياً وإدراكاً بواقع أمتنا الجريحة فازدت ثقة بالنفس وازدت عزماً على المضي قدماً في طريق النصره حتى تنجلي الغمة أو نلقى الله في ساحات الوغى وأن أكون ناصحاً لنفسي ولإخواني على أن لا نحديد عن المنهج الصحيح الذي خطه لنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم فقد رأيت العجب العجاب من أفكار ومناهج كلها يدّعي أنه على الحق وهم قد خالفوا الحق ظاهراً وباطناً فالحق يجمع الأمة ويوحدها تحت كتاب الله أما هؤلاء الجماعات والأفكار فقد جعلوا الأمة زرافاتٍ ووحدانا وجعلوها شذر مذر هدانا الله وإياهم وردهم للحق رداً جميلا , بعد انتهاء التدريب كنت على شوق كبير في أن أعود إلى باكستان حتى أستطيع من هناك التوجه إلى البوسنة , وفي اليوم المقرر ودعت الإخوة المدربين ثم ودعت أخي وحبيبي أبو خولة الذي قرر البقاء في المعسكر لفترة إضافية وكان وداعي له وداعاً مراً بكينا خلاله كثيراً فما ندري هل ستجمعنا الأيام أم لا وفي الحقيقة كان هذا آخر عهدي بأبي خولة وكنت أتتبع أخباره ويتتبع أخباري ونتراسل بالسلام من خلال الإخوة حتى بلغني خبر أستشهاده في الشيشان في الحرب الثانية حيث أخبرني أحد الإخوة الذين كانوا في المعركة أثناء الإنسحاب من (قروزني) عاصمة الشيشان يقول : بقينا نمشي عدة أيام مع زاد وماء قليل أصيب أثنائها أبو خولة وآخرين وكانت الثلوج ترتفع عن الأرض بنصف متر وكنا نعاني في حمل الجرحى وعند أحد الكهوف أصر أبو خولة أن يتركه إخوانه بعد ما رآه من شدة التعب وقلة الزاد التي هم فيها وكانت أصابته بليغه وقال لهم اتركوني في الكهف واذهبوا لتحصيل المساعده فإن عدتم فتساعدوني وإن لم تعودوا أسأل الله أن يتقبلني شهيداً فاضطر الإخوة مكرهين تحت اصراره وتحت وطأة الظروف التي يعانونها من تركه في الكهف والمغادرة وبعد أن يسر الله لهم الوصول إلى منطقة أمان علم القائد خطاب رحمه الله بالأمر فغضب وقلما كان يغضب بهذا الشكل فأمر مجموعة بالعودة وإحضاره فأبو خولة من القيادات الأكفاء الذين لا يمكن التخلي عنهم ببساطة ولِما كان يمتاز به من مكانة عند القائد خطاب والإخوة جميعاً هناك , ولما وصلت المجموعة للكهف وجدوه قد فارق الحياة فرحمك الله يا أبا خولة يا خالد اللحيدان كنت شهماً كريماً بطلاً مقداماً راقياً في أخلاقك منافساً في كريم خصالك لم ولن أنساك فقد بنيت معي أول لبنات حياتي في هذا الطريق كيف أنساك وقد كنت معيناً لي على الطاعة وصادقاً معي في النصيحة مواسياً لي في الملمات أتذكرك وأنت تأخذ بيدي كلما أنهكني التعب ونحن في التمارين الصباحية أو في المسيرة اليومية وتقول لي (اصبر يا أبو...... فإن صبرت اليوم فغداً تقود الرجال ) فرحمك الله ما أحلمك وأحكمك صاحب همه وذو بصيرة , اعذرني يا أخي الحبيب واعلم أن ما قلته فيك لا يرقى إلى مستوى قدرك ولكن يعلم الله أحمل القلم في يدي وإني لمشتت الذهن من واقعي وظرفي الذي أنا فيه أسأله سبحانه أن يحفظني وإخواني من كل شر وسوء وأن يجمعنا بك وبمن سبقنا من الأحبة في جنات النعيم .






بسم الله الرحمن الرحيم



( الحلقه الثالثه )


بعد أن أنهيت التدريب في المعسكر غادرت متوجهاً إلى باكستان وبالتحديد إلى بيت الشهداء من حيث أتيت وكنت خلال طريق عودتي أراجع ذكرياتي في تلك الأيام الجميلة واللحظات السعيدة التي قضيتها في المعسكر متأملاً في تلك الذكريات لحظةً بلحظة ذلك الحماس أثناء الرماية على الأسلحة والتعب والإرهاق أثناء التمارين الصباحية والمسيرات الليلية والحراسة في أليالي المظلمة وتسللنا في الليل إلى المطبخ للبحث عن بقايا خبز أو طعام نسد به جوعنا والعقوبات التي تطبق أثناء مخالفات الأنظمة , هي ذكريات لا يشعر بالأنس بها إلا من ذاق حلاوتها وعاش أيامها , وبعد الوصول إلى بيشاور توجهت إلى بيت الشهداء أنا والمهرب الأفغاني الذي أوصلني وكان البيت كما تركته كثير الناس كثير الحركة ولكن تغيرت الكثير من الوجوه فقد غادر أناس وجاء آخرين ثم سلمت على الإخوة وبحثت عن مكان للنوم فلم أجد إلا على سطح المنزل لامتلاء المنزل بالشباب وبعد الاستراحة بيومين والتجول في محلات عصائر المانجو ومطاعم بيشاور مثل "شيراز " و " العثمانية " و "شيف" كنوع من الانتقام من أيام الجوع والتقشف المفروض علينا في المعسكر , بعدها بدأت في الموضوع الرئيسي الذي جاء بي إلى أفغانستان وهو الذهاب للبوسنة وسألت الإخوة في إدارة المضافة عن أمكانية الذهاب للبوسنة فأخبروني أن الطريق للبوسنة مازال مغلق وأن كثير من الشباب في المضافة يرغبون في الذهاب للبوسنة ولكنهم لا يجدون طريقاً إلى ذلك وهم منذ أشهر ينتظرون فتح الطريق ولم يحصل شيء وقد اتصلوا بأكثر من مكان لعلهم يجدون طريقاً من خلال أي دولة ولكن دون فائدة لحظتها أصبت بإحباط شديد فقد تعنيت وجئت إلى هنا من أجل الإعداد حتى أتمكن من الذهاب للبوسنة وصادف أن التقيت في المضافة بشاب جاء من بلاد الحرمين وآخر من اليمن منذ أيام قليلة وذكروا أن جميع الطرق المؤدية إلى البوسنة مغلقة وهو سبب مجيئهم حتى يتدربوا إلى أن يفتح الطريق , لم أعرف ما أعمل وقتها فما جئت من أجله لم يتحقق وفي نفس الوقت لم أرغب في العودة لبلدي وأصبحت في حيرة وكنت أسمع وقتها من الشباب عن طاجيكستان وعن الوضع هناك وكيف أن المسلمين هناك يعانون من الإبادة والتهجير على يد الروس وعملائهم الشيوعيين وسمعت عن دور المجاهدين هناك وعملياتهم وعن وجود المجاهدين العرب في طاجيكستان وصادف وجود بعض الشباب كانوا يرغبون في الذهاب إلى هناك فبدأت بالسؤال عن طاجيكستان أكثر حتى أعرف حقيقة الوضع هناك وكنت أشعر وقتها بالاقتناع بالذهاب إلى هناك كونه لا يوجد طريق إلى البوسنة وكنت تعرفت على أحد الشباب من بلاد الحرمين كان يستعد للذهاب إلى هناك وأخبرته نيتي لمرافقته إلى طاجيكستان فرحب بذلك وكان هذا الأخ هو أبو مالك النجدي "ماجد العموشي رحمه الله "فذهبنا إلى مضافة القائد خطاب رحمه الله في منطقة بابي خارج بيشاور ورتبنا أمورنا بحيث حصلنا على أوراق تعريف من "حزب النهضة الطاجيكي"وهو الحزب الذي يقاتل الحكومة وقتها ورئيس الحزب هو "عبدالله نوري" , والغاية من هذه الأوراق حتى نستخدمها أثناء عبورنا في مناطق القتال بين الأحزاب في أفغانستان , وبعد ترتيب أمورنا انطلقنا باتجاه أفغانستان حتى نعبرها باتجاه طاجيكستان والمثير في هذه السفرة أنها أخذت من وقتنا خمسة وعشرون يوماً وهذا لم يكن في الحسبان .

دخلنا أفغانستان من منطقة "طورخم" حيث يوجد مقبرة الشهداء العرب الذين قتلوا في أفغانستان في الجهاد الأفغاني مع الروس والشيوعيين بعدها توجهنا إلى "جلال آباد" المدينة ذائعة الصيت التي ارتوى ثراها بدماء الكثير من المجاهدين العرب وهي من المدن الكبيرة داخل أفغانستان وكانت حينها تحت سيطرت الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار والسبب في ذلك كون سكانها من العرق البشتوني وهم موالون لحكمتيار كونه بشتوني العرق , أثناء عبورنا داخل المدينة لفت انتباهي مدى بساطة الحياة فيها ومدى الفقر الظاهر على الناس هناك ورأيت ما فاجأني هناك حيث رأيت بعض الأفغان ممن يعتنقون الديانة "السيخية" وهم مميزون بطريقة لبسهم لعمائمهم و للحاهم وشواربهم الطويلة فاستغربت لوجودهم وعلمت أنهم يعيشون هناك منذ سنين طويلة , ثم توجهنا إلى كابل حيث بقينا لعدة أيام فيها وسكنا في حي "وزير أكبر خان" وهو في وسط المدينة تقريباً وهو حي في مقرات الهيئات الإغاثية الدولة وفيه عدد من سفارات الدول الأجنبية فكنا نخرج أحياناً من المنزل لشراء ما نحتاج من أكل وأحياناً لمجرد الإطلاع على ما حولنا , وحقيقة لم أستطع استيعاب ما رأيته في كابل تلك المدينة التي خسر المجاهدون الأفغان مليون ونصف شهيد حتى يحرروها من يد الشيوعيين , وما رأيته لم يكن هو ما تتوقعه من نتائج بعد سنوات طويلة من الجهاد فقد كانت المدينة في حالة فوضى من الفساد الأخلاقي الرهيب فقد كانت بيوت الدعارة في كل مكان والنساء متبرجات بكثرة في الشوارع ويلبسن القصير والجينز والموسيقى تصدح في كل مكان منافسةً الأذان للصلاة وانتشار اللواط في كابل بشكل مرعب والسرقات والخطف والاغتصاب وكل هذا كان تحت علم وسمع وبصر الحاكم رئيس الحكومة وقتها وهو الخائن \برهان الدين رباني الذي عندما ذهب إليه الإخوة بعد ما رأوا الحال المزرية في كابل وتحدثوا معه عن انتشار بيوت الدعارة بشكل علني وأن عليه أن يغلقها فرد عليهم وقال (لو أغلقنا هذه البيوت فمن أين ستأكل هذه النساء) , بعد قضاء عدة أيام توجهنا شمالاً وفي منطقة "جبل السراج" تعطلت بنا السيارة بسبب كثرة الحمل عليها فاضطررنا للنوم لساعات في المقاهي القديمة المتواجدة هناك حتى الصبح وكانت ليلة باردة جداً وفي الصباح لم نستطع إصلاح السيارة فاضطررنا لإكمال الطريق على ظهر إحدى الشاحنات وظللنا ننتقل من شاحنة إلى أخرى كلما وصلنا إلى آخر محطة لتلك الشاحنة وعبرنا مدينة نهرين وخنجان حتى وصلنا إلى مدينة "قندز" وقد استغرقنا عدة أيام كنا ننام فيها إما في المقاهي أو على الأرض أو على ظهر الشاحنة حسب الظروف , وبعد الوصول لقندز توجهنا لمضافة خطاب هناك فاستقبلونا الإخوة واسترحنا لأيام ثم توجهنا إلى تخار وهناك استرحنا في مضافة خطاب هناك أيضاً , وتخار مدينة ليست بالكبيرة ويوجد بها مقر قيادة حزب النهضة الطاجيكي وهناك يقيم عبد الله نوري زعيم الحزب وبعد الاستراحة لأيام أخذنا سيارة خاصة وتوجهنا شمالاً باتجاه مدينة "تشياب" وهي آخر محطة ستكون لنا داخل أفغانستان وتحركنا باتجاهها بعد الفجر وكان وصولنا إليها قبل المغرب بقليل , طبعاً كما ذكرت سابقاً أخذت هذه الرحلة من وقتنا خمسة وعشرون يوما لم نر خلالها الطرق المعبد "المسفلت" سوى داخل مدينة جلال آباد أو كابل أما باقي الطرق فكانت ترابية وكان تنقلنا في مناطق ترابيه وأحياناً جبلية ونومنا حسب الظروف فأحيانا بيت وأحياناً مقهى وأحياناً العراء وكنا نضطر لتغيير الطريق إلى أطول منه بسبب القتال بين الفصائل أو بسبب قطاع الطرق وأحياناً بسبب بعض القبائل الذين يضعون نقاط تفتيش على الطريق فمن لا يدفع لهم يرجعونه وأحياناً إن كان السائق من قبيله بينها وبينهم خلاف فيرفض الذهاب من ذلك الطريق تجنباً للقتل وأذكر أننا كنا في كل نقطة "سيطرة" يضطر السائق لجمع المال من الركاب ليدفع لنتمكن من العبور فالسائق يرفض أن يدفع لوحده , بعد الوصول إلى تشياب استقبلنا الإخوة بكل حفاوة وكان في البيت عدد من الإخوة العرب والأتراك ممن ينتظرون للذهاب إلى طاجيكستان والبعض الآخر كانوا خرجوا من طاجيكستان لظروف مختلفة وأخذنا أمير المضافة إلى مكان نومنا واستراحتنا وهي عبارة عن خيام حيث أن المضافة مكونه من غرفتين للإدارة وعدد من الخيام للمقاتلين ثم بقينا عدة أيام نستريح فيها وأيضاً لنجهز أنفسنا للمرحلة الأخيرة من السفر إلى طاجيكستان وهي السفر مشياً على الأقدام لمدة ثلاثة أيام حتى نصل لنهر جيحون حيث مقر القائد خطاب رحمه الله الخلفي في الضفة المقابلة في الجانب الطاجيكي لأن نهر جيحون هو الفاصل بين طاجيكستان وأفغانستان في تلك المنطقة ولفت انتباهي أثناء وجودي في تشياب مستشفى يعتبر متطور مقارنة بالحالة في بلدة صغيرة وفقيرة مثل تشياب وقد أقام هذا المستشفى القائد خطاب رحمه الله من أجل علاج الشباب الجرحى الذين يصابون أثناء القتال في طاجيكستان ويستلزم علاجهم عناية طبية وهو ما لا يمكن توفره في جبهة القتال وفي نفس الوقت فتح باب العلاج مجاناً لأهالي بلدة تشياب من رجال ونساء وأطفال وهذا ما جعل خطاب محبوباً من أهل البلدة جميعاً وسهل مسألة وجود العرب والمقاتلين الطاجيك في البلدة ذهاباً وإياباً دون مشاكل كونهم غرباء .

في اليوم المقرر للسفر تجاه طاجيكستان تحركنا بعد صلاة الفجر وكان عددنا من العشرة إلى الخمسة عشر على ما أذكر وكل واحد منا يحمل حقيبته على ظهره وفوقها كيس النوم ومطاره الماء وبعضهم يحمل الجعبة (لحمل مخازن الرصاص) والرشاش أما أنا فلم أكن أملك سلاح سوى سكين اشتريتها من باكستان للضرورة , بدأنا المسير وأنا في غاية الحماس مع محاولة عدم التذكر أن أمامنا ثلاثة أيام من المشي حتى نصل وفي الطريق جبل نضطر لصعوده وبدأنا في صعوده في الساعة السادسة صباحاً و وصلنا إلى قمته في الساعة الثانية ظهر فجميع الشباب كانوا نشيطين ومعنوياتهم مرتفعه فاتفقنا أن نستعجل في المشي قدر المستطاع حتى نختصر الوقت وأذكر أنني واجهتني مشكلة أثناء مجيئي من باكستان حيث إنقطع حذائي من المقدمة فهو الذي كنت أستخدمه في المعسكر وبدأ إصبعي الكبير في الظهور من الأمام شيئاً فشيئاً ولم يكن لدي المال الكافي حتى أرفه نفسي بشراء حذاء جديد فالمال الذي لدي كنت أحفظه كان لمصاريف السفر والتنقل والضرورة وكنت على استحياء من أن أخبر أحد الإخوة الذين معي بالموضوع وتركت الأمر لله يفعل ما يشاء وما حصل في هذه المسيرة أن أصابع قدمي خرجت كلها من مقدمة حذائي الرياضي وبدأت تعيقني في المشي فاضطررت لخلع حذائي والمشي حافياً لأن أصابع قدمي بدأت تتأذى الحذاء وأثناء مشينا لاحظ أحد الإخوة أنني أسير حافياً فسألني عن السبب ولم يكن أمامي حل سوى أن أخبره بالحقيقة فغضب مني وقال لي لماذا لم تخبرني ألست بأخوك ثم أخرج لي حذاءاً جديداً كان معه ليعطيني إياه فرفضت لأنه قد فات الأوان على لبسه فأصابع قدمي التي كانت في الحذاء قد امتلأت بالتقرحات ولو لبست أي حذاء قبل أن تجف فسوف تكون كارثة على قدمي فآثرت أن أسير حافياً على أن تزيد حالة أصابعي سوءً فأمامي مشوار طويل , وبعد صلاة العشاء كنا قد وصلنا إلى إحدى القرى فبتنا فيها إلى قبل الفجر بقليل ثم بعد الفجر واصلنا سيرنا وطوال فترة طريقنا كنا نشتري طعامنا الذي نحتاجه من القرى التي نجدها في طريقنا وهو عبارة عن الخبز والتوت المجفف فهو المتوفر وأيضاً ليس لدينا الوقت للبحث عن طعام أفضل فنحن في سباق مع الوقت حتى نصل في أقصر مدة ممكنه وحقيقة لم يكن لدينا شيء مهم يجعلنا نستعجل في سيرنا ولكننا دخلنا في حالة تحدي مع الطريق ومع أنفسنا وكان يدعمنا في ذلك روح الشباب وحب المغامرة والتشوق لرؤية طاجيكستان فقد كانت لي ولبعض الذين معي أول جبهة جهادية فكان حماسنا وشوقنا يدفعنا دائماً للأمام , وقد يستغرب البعض من عدم استخدامنا للدواب من خيول وبغال وحمير في تنقلنا بدلاً من السير على الأقدام كل هذه المسافة وصراحة الإجابة لم أكن أعرفها في بداية الأمر ولكن بعد مرور الأيام و وصولي إلى طاجيكستان عرفتها وهي أن الإخوة في طاجيكستان كانت حياتهم صعبة بسبب الطبيعة الجغرافية للمنطقة كونها جبلية وعدم إمكانية توفر طعام جيد دائماً ومثل هذه الأجواء لا يصبر عليها إلا الرجال فأراد الإخوة تعويد الشباب الجدد على الشدة والبعد عن الترف حتى يستطيعوا التعايش مع الوضع في طاجيكتسان وأقولها بكل صراحة أن ركوب دابة في مثل تلك الظروف التي عشناها في طاجيكتسان هو ترف بحت ومما لا يليق بالمجاهد الصبور المثابر وكما قال الشيخ عبدالله عزام رحمه الله " إن الترف هو عدو الجهاد الأول " , وبعد ظهر اليوم الثاني لسيرنا تراءى لنا نهر جيحون واقترب الوصول للإخوة شيئاً فشيئاً وبعد قليل وصلنا بحمد الله إلى ضفة النهر المقابلة لطاجيكستان .

وللحديث بقية

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 06-11-2009, 01:30 AM
ابو مسلم العجمي ابو مسلم العجمي غير متواجد حالياً
Banned
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: جزيرة العرب
المشاركات: 72

بسم الله الرحمن الرحيم


( الحلقة الرابعة )


وصلنا إلى آخر مكان في أفغانستان وهو جبل ليس بالمرتفع جداً ولكن يعتبر الضفة المقابلة لطاجيكستان لأنه بين هذا الجبل وطاجيكستان نهر جيحون , لا أستطيع حقيقة أن أصف شعوري في تلك اللحظة وأنا أشعر حينها أنني قد انتهيت من سفرة ورحلة طويلة جداً قطعناها من باكستان مروراً بأفغانستان حتى نصل إلى طاجيكستان وفرحتي أيضاً بتحقيق رغبتي بالوصول إلى أرض الجهاد , بدأنا بنزول الجبل وكنا نشاهد مجموعة من الأشخاص في الجانب الطاجيكي وهم يشيرون لنا ويتحركون حول صخرة ضخمة جداً وكأن المكان الذي يتواجدون به هو مقر أقامتهم وعند وصولنا إلى أسفل الجبل أصبح الحاجز بيننا وبين الشباب في الضفة المقابلة خمسون متراً تقريباً وهو نهر جيحون فأخذوا ينادون علينا ويطلبون منا الانتظار حتى يأتوا لنقلنا بالقارب , بعد قليل تحرك أحد القوارب وفيه شخصين باتجاهنا وعندما وصلوا رفع أحدهم صوته بالسلام علينا على عجالة وطلب منا أربعة أشخاص للركوب معه لينقلنا على دفعات والسبب في ذلك أن التيار في نهر جيحون في تلك المنطقة كان قوياً جداً بحيث يصعب فيه التحكم في بالقارب فلذلك كان ينقلنا على شكل دفعات متتالية , وقبل أن يأتي دوري سألت أحد الأشخاص الذين معي عن الشخص الذي كان يقود القارب وسلم علينا فأخبرني أنه القائد خطاب رحمه الله ( كان يسمى في تلك الفترة وما قبلها أيام أفغانستان بإبن الخطاب ولكن مسمى خطاب جاء أثناء وجوده في الشيشان وتغير اسمه من ابن الخطاب إلى خطاب اختصاراً ) , وعندما جاء دوري وركبت معه في القارب وسلم علينا وأخبرنا أنه مسرور بحضورنا وسلامتنا واستغرب جداً من مجموعتنا كلها عندما علم أننا قطعنا المسافة من تشياب إلى طاجيكستان في يوم ونصف بدلاً من ثلاثة أيام وقال يظهر لنا أنكم مجموعة نشيطة جداً وستناسبونني في العمل فقد جئتم في وقت أحتاجكم فيه , حقيقة أخذت أتأمل في هذا الشخص فقد كان شاب في منتصف العشرينات كث اللحية طويل الشعر قوي البنية طويل الجسم تجد من نبرة صوته الثقة بالنفس والإعتداد بها بعيداً عن الغرور مع بساطة في التعامل وتواضع شديد فهو الشخص الذي عرف في أيام أفغانستان في مركز أحد في جلال آباد وضربت سمعته الآفاق في طاجيكستان بسبب العمل والمجهود الجبار الذي قام به هناك لإحياء الجهاد ولما كان يمتاز به من شخصية قوية وبسيطة في نفس الوقت , أذكر هنا قصة حدثت له في أول أيامه في أفغانستان عندما جاء للجهاد وكان وقتها في معسكر التدريب حيث حصلت له مشكلة هناك حيث كان النظام في المعسكر يمنع ما يسمى بالمهربات وهي الأكل الذي يقوم الشباب بتهريبه إلى المعسكر من حلويات وبسكويت وعصير أو غير ذلك في محاولة منهم لسد الجوع الذي يعانونه في المعسكر فقام خطاب حينها بتهريب بعض الأغراض وأثناء التفتيش وجدت لديه فعوقب ولكن المسألة تطورت وأصبحت مشكلة كبيرة وطرد خطاب من المعسكر مع أن الأمر لم يكن يستحق لكن القائم على المشكله لم يحسن التصرف في حلها وبعد أن طرد خطاب من المعسكر قرر في نفسه الإنتقام فذهب إلى معسكر آخر وبدأ التدرب فيه وكانت فكرة انتقامه أن يثبت للآخرين أنه ليس بالشخص الفاشل وأن الخطأ منهم و ليس منه فبدأ تدريبه وأخذ في الإنتقال من دورة إلى دورة ومن معسكر إلى معسكر حتى فاق أقرانه في التدريب وأبدى مهارات عالية أذهلت مدربيه في شخصيته وفي أخلاقه وفي قدراته العسكرية وبذلك أصبح محل اهتمام ومحبة كل من عرفوه فرحمك الله يا خطاب .
بعد أن وصلنا إلى الضفة الطاجيكية بدأ الشباب المتواجدون هناك بالسلام علينا وبعد أن اكتمل نقل الشباب جميعاً جمعنا خطاب وسلم علينا واحداً واحداً ورحب بنا وطلب منا الاستراحة حتى يتم انتقالنا إلى مراكز أخرى , بدأت أتأمل المكان وأنظر إلى الصخرة التي رأيتها من فوق الجبل وأنا أهبط باتجاه النهر فقد كانت هذه الصخرة كبيرة جداً بارتفاع خمسة أمتار وعرض عشرة أمتار اتخذها الشباب هناك مركزاً لهم بسبب وجود كهفين تحتها كان أحدهما مكان للنوم والاستراحة وحفظ العتاد والآخر عيادة للمرضى والجرحى , بدأنا نتعرف على الوضع هناك حيث حذرنا الشباب من التحرك في أماكن مكشوفة في حالة تحرك الطيران الروسي المقاتلة أو المروحية والإختباء في حالة تحليقهما وعدم الابتعاد كثيراً عن المركز إلا بإذن , وكان المكان هناك جميل جداً حيث أن المكان يقع بين جبلين في وادي يمر فيه نهر جيحون ويقع هذا المركز الخلفي على النهر مباشرة فكان كل من يعود لهذا المركز الخلفي لأي سبب من الأسباب يتمتع بوجبة من السمك الطازج الذي يصطادونه من نهر جيحون باستخدام القنابل اليدوية أو قذائف RPG7 , وفي ثاني يوم استيقظت وأنا مرهق وتبين أني مصاب بالملاريا فاضطررت للبقاء لمدة أسبوعين في العيادة من أجل العلاج كنت حينها أتمتع بوجبات خاصة لا تقدم إلا للمرضى من أجل العناية بصحتهم وهي عبارة عن الطماطم والبطيخ والسمك .
وبعد أن استرديت عافيتي ولله الحمد تحركت باتجاه مركز متقدم وعند وصولي كان الشباب في حالة عمل دائم حيث أن المنطقة كانت جبلية ووعرة جداً فقام خطاب بشراء معدات لحفر الطرق وهي يدوية تعمل بالمولدات الكهربائية ونقلها إلى طاجيكستان حتى تساعد في شق الطرق هناك وكان مضطراً لذلك كونه لا يوجد طريق يمكن الوصول من خلاله إلى المراكز الروسية إلا من خلال هذه الجبال , بدأت العمل مع الشباب وكنا نتناوب في الحفر بالمعدات طوال النهار وفي الليل ننام ونتناوب على الحراسة وظللنا على هذه الحالة لعدة أسابيع حتى استطعنا شق الطرق وتجهيزها لنقل الأفراد والدواب التي تنقل الأسلحة والمئونة إلى الخط الأمامي والخنادق الأمامية , وخلال هذه الفترة تعرفت على الشباب هناك وبدأت آلف الجو هناك وأتعايش مع طبيعة المنطقة القاسية فازداد حبي للجبال أكثر هناك وفي تلك الأثناء تعرفت على أبو الوليد الغامدي رحمه الله الذي قتل في الشيشان وكان نائباً لخطاب في الشيشان وتوثقت العلاقة بيننا بشكل كبير وأصبحت تحت إمرته وإشرافه وتعرفت على أبو بصير المصري رحمه الله (استشهد في جلال آباد أثناء الاجتياح الأمريكي فترة طالبان) وأبو سياف الجزائري رحمه الله ( قتل في الشيشان في الحرب الثانية ) وأبو حكيم المدني رحمه الله ( قتل في الحرب الشيشانية الثانية أثاء دخول المقاتلين إلى داغستان ) وأبو يعقوب الغامدي رحمه الله (قتل في الحرب الشيشانية الثانية) وغيرهم من الشباب التي لاتسعفني الذاكرة لتذكر أسمائهم .
بعد انتهائنا من شق الطرق وتجهيزها ثم استقرارنا في الخنادق الأمامية تغيرت طبيعة حياتنا اليومية حيث قل العمل فيها بعد أن أنتهينا من مرحلة تجهيز الطرق ولم يعد لدينا ما نقوم بعمله سوى الحراسة ليلاً والرصد نهاراً لإحدى القواعد الروسية القريبة منا وقضاء وقتنا فيما يفيد , والمنطقة التي كنا فيها كانت جميلة جداً حيث كنا نتمركز في خنادق على سلسلة جبال متراصة ومن تحتنا كانت غابات كثيفة وأمامها بعض السهول الزراعية فكنا أحياناً نرى قطيعاً من الخيول البرية وهي تتراكض في تلك السهول متنقلة من منطقة إلى أخرى خلف قائدها وكانت تلك الغابات تعج بالدببة والخنازير البرية المتوحشة وبعض الحيوانات الضارية وكانت أكثر ما نخشاه أوقات الحراسة لا خوفاً منها فنحن نحمل الأسلحة ولكن حركتها بشكل قريب منك في الليالي المظلمة قد يتسبب في إرباك الجبهة كاملة خوفاً من أن يكون تسللاً للقوات الروسية ولكن الحمد لله لم نواجه هذه المشكلة , وأذكر من العمليات حين قام أبو يعقوب الغامدي رحمه الله بإسقاط مروحية روسية ناقلة للجنود بصاروخ sam7 وفي إحدى العمليات أثناء الهجوم على مركز روسي استشهد أخونا أبو عثمان الليبي رحمه الله وكان من المقاتلين في أفغانستان سابقاً وأصيب أبو معاذ الإماراتي (والذي توفي في ما بعد في الإمارات بعد أن قامت عائلته بنقله بطائرة خاصة من باكستان إلى الإمارات وبعد أن رأى عائلته ورأوه هناك فارق الحياة علماً أنه كان ضابطاً في الجيش الإماراتي فرحمك الله يا أبا معاذ ) .
أريد أن أوضح مسألة هنا حول بعض الظروف التي واجهتنا في طاجيكستان مثل الطبيعة الجغرافية أو الحالة السياسية في البلد تلك الفترة , بالنسبة للطبيعة الجغرافية عندما دخل خطاب إلى طاجيكستان توجه إلى منطقة كولاب التي كنا فيها وتوجه القائد يعقوب البحر رحمه الله (وهو من المنطقة الشرقية من بلاد الحرمين ) إلى منطقة بدخشان فكانت المنطقة التي كنا فيها وعرة جداً كونها جبلية فاستلزم العمل فيها لأشهر حتى تمكنا من الإستقرار في الخنادق الأمامية أي بمعنى إيجاد مقر لنا وهذا الشيء أخذ الكثير من وقتنا مما قلل من مستوى العمل العسكري في منطقة كولاب والأمر الآخر أن حزب النهضة الطاجيكي في تلك الفترة كان في حالة مفاوضات مع الحكومة الشيوعية في دوشنبه عاصمة طاجيكستان من أجل وقف القتال والحصول على كراسي في البرلمان وهذا جعل حزب النهضة يضغط على المقاتلين من أجل وقف القتال وهذا ما حصل في نهاية المطاف عندها قرر خطاب الإنسحاب من طاجيكستان ورأيه في ذلك أن أهل البلد الذين حملوا السلاح لا يريدون القتال الآن وأنهم مقتنعون بالدخول في السلك السياسي من أجل الحصول على حقوقهم ووقف المظالم التي تمارس ضدهم في طاجيكستان فلماذا بقاء المقاتلين العرب .
لا أخفي مدى الإحباط والغضب الذي أصاب خطاب وأصابنا جميعاً فالمجهود الذي قام به خطاب بشق الطرق وتجهيز المنطقة والتكاليف المادية التي صرفت في هذا الجانب ليست بالقليلة وأخذت من الوقت أشهر وقبل أن يتم فعلياً العمل العسكري يأتي الأمر بتوقف القتال فكان الأمر كارثة بالنسبة للمقاتلين الطاجيك أنفسهم لأنهم أقدموا على عمل سياسي غير مضمون (وهو ما تأكد حدوثه بعد ذلك ) وأيضاً كارثة على مجهودات خطاب التي أصبحت هباءً منثوراً إلا من الأجر إن شاء الله .
عندها قرر خطاب بتنفيذ عملية عسكرية أخير وذلك لأجل التخلص من كمية كبيرة من الصواريخ والعتاد العسكري الذي يصعب نقله مرة أخرى وإعادته إلى أفغانستان من حيث أتى وأيضاً حتى لا يخرج خطاب والمقاتلين من طاجيكستان بعد كل ما عملوه دون أن يشفوا غليلهم من الروس , وكانت طبيعة العملية أن تكون بالقصف بالمدفعية دون الحاجة إلى الإقتحام وهو التكتيك المتعارف عليه وكان موقعي في تلك العملية على مدفع 82ملم المحمول على الكتف أو مثبت على قاعده أرضيه وكنت تحت إمرة أبو الوليد الغامدي رحمه الله وكان معي في المجموعة نفسها يعقوب الغامدي رحمه الله واستمرت العملية لمدة يومين كاملين في حالة قصف متواصل على القاعدة الروسية القريبة منا وكان الطيران الروسي يقوم بجولات استطلاعية وهجومية لتحديد مواقعنا , وكان هناك استعداد لهذا الأمر بمضادات الطيران وعندما وجد الطيران الروسي المضادات بدأت بالتعامل معه ابتعد عن المنطقة قد استطاعته , إلا أنه استطاع أن يحدد أحد المواقع وكان في هذا الموقع القائد خطاب رحمه الله والقائد الأفغاني ملا تاج محمد (هذا القائد هو أحد القيادات التابعين لعبد رب الرسول سياف ولكنه أثناء فتنة القتال بين الأحزاب الأفغانية رفض المشاركة فيها وتوجه مع خطاب إلى طاجيكستان ومعه مقاتليه وقد تعرفت عليه معرفة شخصية , كان رجلاً ذو دين وخلق ومحب للعرب جداً ولديه فهم ووعي للجهاد من جانب شرعي وليس من جانب قومي وهذا ما رأيته فيه حينها ولكن للأسف بعد مرور سنوات عندما كنا نقاتل مع طالبان ضد التحالف الشمالي كان هو يقاتل ضدنا وكان لي معه حديث فترة طالبان بالجهاز اللاسلكي (المخابرة) وسيأتي ذكر هذه الحادثة في حينها ) بعد أن قامت الطائرات بالقصف على الموقع شاء الله سبحانه وتعالى أن يقع الصاروخ على القبة التي تقع فوق مكان تمركز خطاب فسلمه الله والذين معه من هذا الهجوم , بعد يوم من هذه العملية بدأنا في سحب العتاد المتبقي والأسلحة وإرجاعها إلى للمراكز الخلفية إستعداداً للإنسحاب من مناطق طاجاكستان وأيضاً لأننا كنا نتوقع هجوم شديد من القوات الروسية كرد منهم على تلك العملية , تراجعنا للمراكز الخلفية تماماً وأتممنا الإنسحاب تماماً من جميع الخنادق والمراكز الأمامية ثم انقسمنا إلى مجموعتين بحيث كل مجموعة تتولى نقل جزء من المعدات والأسلحة التي كانت معنا إلى مدينة تشياب في داخل أفغانستان وأذكر أنه في آخر ليلة لنا في طاجيكستان عبرنا النهر إلى الضفة المقابلة في أفغانستان وبتنا على ضفة النهر وكانت الأجواء باردة جداً وممطرة وكان بعض الشباب لا يوجد لديه ما يقيه البرد من كيس نوم أو بطانية لأنهم أرسلوا أغراضهم مع المجموعة التي ذهبت قبلهم فعانوا تلك الليلة معاناة ليست بالقليلة , وفي تلك الليلة كان الروس يقومون بقصف مكثف على الجبال التي فيها الخنادق الأمامية التي انسحبنا منها وهم لا يعلمون أننا انسحبنا منها منذ يومين وظلوا طوال تلك الليلة وهم يضيئون المنطقة بقذائف الهاون المضيئة وذلك لأنهم يستعدون للهجوم على المكان أو في حالة خوف ولم يتسنى لنا معرفة ما حصل لأننا تحركنا مع الفجر بإتجاه مدينة تشياب مشياً على الأقدام أما البهائم فكانت مخصصة لنقل العتاد والسلاح .
وصلنا في الليل إلى إحدى القرى ونزلنا فيها من أجل المبيت حتى الصباح فتوزعنا في القرية على البيوت فهم يستقبلون الشخص في تلك القرى و يؤمنون له الطعام والمبيت مقابل النقود ,فذهبت أنا وأثنين آخرين من الشباب إلى أحد البيوت للمبيت وطلبنا طعاماً فأخبرنا أن لديه بعض الجبن والبيض فرفضها أحد رفاقي وأصر على أن يحضر لنا تيساً مطبوخاً كاملاً فاستغرب صاحب البيت وسألنا إن كان هناك آخرين سيأتون للعشاء فقلنا له لا ولكننا لم نأكل هذا الطعام منذ أشهر ( لإن أكلنا الرئيسي والدائم في طاجيكستان كان الخبز الذي كنا نضطر لتكسيره بالحربه العسكرية حتى نقسّمه بيننا وأيضاً التوت المجفف والسكر والشاي الأخضر وفي بعض الأحيان نطبخ الرز المسلوق في الماء فقط وفي حالات قليلة كان يأتينا بعض البطيخ ومرة واحدة أرسلوا لنا تيساً إلى مركزنا الأمامي فوالله لقد أكلنا كبده بدون طبخ من فرحتنا ) وبعد أن أحضر صاحب البيت التيس المطبوخ مع المرق والخبز ظل واقفاً مشدوهاً ينظر إلينا ونحن ننقض على التيس وخصوصاً أحدنا الذي كان من الوزن الثقيل الذي ما كان يضع يده على جزء من التيس إلا ويختفي اللحم منه فأخذ الأفغاني صاحب البيت يضرب كفاً على كف غير مصدق ويتمتم بكلام لم نفهمه .
وفي طريق عودتنا إلى تشياب في اليوم الثالث كنا نمر على قرى تسمى "قرى الأنقور" والأنقور باللغة الفارسية تعني العنب والسبب في التسمية أنك ترى مد بصرك أشجار العنب في هذه المنطقة فكنا ونحن نمشي يصرّ بعض أصحاب المزارع أن نأخذ من عنبه كهدية لأننا غرباء أو كما يسمونه بلغتهم "مسافر" , ثم وصلنا إلى تشياب في اليوم الثالث والحمد لله ثم استرحنا هناك لفترة توجهنا بعدها إلى مدينة تخار ثم باتجاه "وادي بنشير " وكان الطريق إلى وادي بنشير يستلزم ثلاثة أيام مشياً حتى نصل إليه وكانت بعض الطرق مغطاة بالثلوج فكنت أنا وأخي أبوبصير المصري نتناوب على ركوب أحد الخيول التي أستأجرناها في المنطقة الثلجيه ، وفي أحد تلك الأيام وأثناء سيرنا كان معي أحد الإخوة نسير مع بعضنا نقطع الوقت بالحديث فمررنا ببائع واضعاً بضاعته على صندوق خشبي على الأرض وطلب منا الشراء فسألناه ماذا يبيع فقال أنه " حشيش أصلي ومن النوع الجيد" فأخبرناه أننا لا ندخن ولا نحشش واعتذرنا عن الشراء وعندما هممنا بالإنصراف وجه إلينا سلاحه الكلاشينكوف وقال يجب أن تشتروا مني فتجادلنا معه محاولة في إقناعه أن هذا الحشيش حرام وليس لدينا مال لنشتري وأننا غير ملزمين بالشراء منه فغضب وقال لا تضنوا أني حرامي أو قاطع طريق وإنما أنا أبيع أعطيكم بضاعه وآخذ ثمنها يعني حلال !!! , وقال يجب أن تشتروا مني لأني لم أبع أي شيء منذ الصباح !!! ودخلنا معه في جدل وحينها وصل القائد خطاب ومعه الملا تاج وأخبرناهم بما حصل فغضب الملا تاج محمد وقال له هل تعرف من أنا فقال البائع "لا" بكل غطرسه فأخبره أنه الملا تاج محمد فصعق البائع لسماعه الإسم وسقط السلاح من يده من الخوف وأخذ يعتذر ويتأسف ويقبل قدم الملا تاج حتى يسامحه لكن الملا عنفه وأهانه وضربه وأخذ عليه العهد أن لا يكررها مرة أخرى مع أحد ثم فر البائع هارباً عندما تركه الملا تاج لا يلوي على شيء تاركاً خلفه سلاحه وبضاعته من الحشيش , وهذا الموقف من أطرف المواقف التي حصلت معي في حياتي ومن أخطرها أيضاً لأننا كان يمكن أن نفقد حياتنا من أجل حشيشه لا علاقة لنا بها .
واصلنا طريقنا ومررنا بوادي بنشير الشهير الذي ذاق الروس فيه المرارة لسنوات ثم بعدها مررنا بمدينة " شريكار " وهي مدينة شمال كابل تبعد سبعين كلم ولي فيها ذكريات لا تنسى وذلك في فترة طالبان وسيأتي ذكرها في حينه , ثم توجهنا إلى منطقة " شكردرا" و التي يحكمها الملا تاج محمد الذي كان معنا في طاجيكستان و بتنا فيها ليلتين لأخذ قسط من الراحه و توجهنا بعدها إلى كابل ثم جلال آباد و من هناك عبرنا الحدود من طورخم إلى باكستان بإتجاه مدينة بيشاور .

وللحديث بقيه

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 06-11-2009, 01:39 AM
ابو مسلم العجمي ابو مسلم العجمي غير متواجد حالياً
Banned
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: جزيرة العرب
المشاركات: 72

بسم الله الرحمن الرحيم


( الحلقة الرابعة )


وصلنا إلى آخر مكان في أفغانستان وهو جبل ليس بالمرتفع جداً ولكن يعتبر الضفة المقابلة لطاجيكستان لأنه بين هذا الجبل وطاجيكستان نهر جيحون , لا أستطيع حقيقة أن أصف شعوري في تلك اللحظة وأنا أشعر حينها أنني قد انتهيت من سفرة ورحلة طويلة جداً قطعناها من باكستان مروراً بأفغانستان حتى نصل إلى طاجيكستان وفرحتي أيضاً بتحقيق رغبتي بالوصول إلى أرض الجهاد , بدأنا بنزول الجبل وكنا نشاهد مجموعة من الأشخاص في الجانب الطاجيكي وهم يشيرون لنا ويتحركون حول صخرة ضخمة جداً وكأن المكان الذي يتواجدون به هو مقر أقامتهم وعند وصولنا إلى أسفل الجبل أصبح الحاجز بيننا وبين الشباب في الضفة المقابلة خمسون متراً تقريباً وهو نهر جيحون فأخذوا ينادون علينا ويطلبون منا الانتظار حتى يأتوا لنقلنا بالقارب , بعد قليل تحرك أحد القوارب وفيه شخصين باتجاهنا وعندما وصلوا رفع أحدهم صوته بالسلام علينا على عجالة وطلب منا أربعة أشخاص للركوب معه لينقلنا على دفعات والسبب في ذلك أن التيار في نهر جيحون في تلك المنطقة كان قوياً جداً بحيث يصعب فيه التحكم في بالقارب فلذلك كان ينقلنا على شكل دفعات متتالية , وقبل أن يأتي دوري سألت أحد الأشخاص الذين معي عن الشخص الذي كان يقود القارب وسلم علينا فأخبرني أنه القائد خطاب رحمه الله ( كان يسمى في تلك الفترة وما قبلها أيام أفغانستان بإبن الخطاب ولكن مسمى خطاب جاء أثناء وجوده في الشيشان وتغير اسمه من ابن الخطاب إلى خطاب اختصاراً ) , وعندما جاء دوري وركبت معه في القارب وسلم علينا وأخبرنا أنه مسرور بحضورنا وسلامتنا واستغرب جداً من مجموعتنا كلها عندما علم أننا قطعنا المسافة من تشياب إلى طاجيكستان في يوم ونصف بدلاً من ثلاثة أيام وقال يظهر لنا أنكم مجموعة نشيطة جداً وستناسبونني في العمل فقد جئتم في وقت أحتاجكم فيه , حقيقة أخذت أتأمل في هذا الشخص فقد كان شاب في منتصف العشرينات كث اللحية طويل الشعر قوي البنية طويل الجسم تجد من نبرة صوته الثقة بالنفس والإعتداد بها بعيداً عن الغرور مع بساطة في التعامل وتواضع شديد فهو الشخص الذي عرف في أيام أفغانستان في مركز أحد في جلال آباد وضربت سمعته الآفاق في طاجيكستان بسبب العمل والمجهود الجبار الذي قام به هناك لإحياء الجهاد ولما كان يمتاز به من شخصية قوية وبسيطة في نفس الوقت , أذكر هنا قصة حدثت له في أول أيامه في أفغانستان عندما جاء للجهاد وكان وقتها في معسكر التدريب حيث حصلت له مشكلة هناك حيث كان النظام في المعسكر يمنع ما يسمى بالمهربات وهي الأكل الذي يقوم الشباب بتهريبه إلى المعسكر من حلويات وبسكويت وعصير أو غير ذلك في محاولة منهم لسد الجوع الذي يعانونه في المعسكر فقام خطاب حينها بتهريب بعض الأغراض وأثناء التفتيش وجدت لديه فعوقب ولكن المسألة تطورت وأصبحت مشكلة كبيرة وطرد خطاب من المعسكر مع أن الأمر لم يكن يستحق لكن القائم على المشكله لم يحسن التصرف في حلها وبعد أن طرد خطاب من المعسكر قرر في نفسه الإنتقام فذهب إلى معسكر آخر وبدأ التدرب فيه وكانت فكرة انتقامه أن يثبت للآخرين أنه ليس بالشخص الفاشل وأن الخطأ منهم و ليس منه فبدأ تدريبه وأخذ في الإنتقال من دورة إلى دورة ومن معسكر إلى معسكر حتى فاق أقرانه في التدريب وأبدى مهارات عالية أذهلت مدربيه في شخصيته وفي أخلاقه وفي قدراته العسكرية وبذلك أصبح محل اهتمام ومحبة كل من عرفوه فرحمك الله يا خطاب .
بعد أن وصلنا إلى الضفة الطاجيكية بدأ الشباب المتواجدون هناك بالسلام علينا وبعد أن اكتمل نقل الشباب جميعاً جمعنا خطاب وسلم علينا واحداً واحداً ورحب بنا وطلب منا الاستراحة حتى يتم انتقالنا إلى مراكز أخرى , بدأت أتأمل المكان وأنظر إلى الصخرة التي رأيتها من فوق الجبل وأنا أهبط باتجاه النهر فقد كانت هذه الصخرة كبيرة جداً بارتفاع خمسة أمتار وعرض عشرة أمتار اتخذها الشباب هناك مركزاً لهم بسبب وجود كهفين تحتها كان أحدهما مكان للنوم والاستراحة وحفظ العتاد والآخر عيادة للمرضى والجرحى , بدأنا نتعرف على الوضع هناك حيث حذرنا الشباب من التحرك في أماكن مكشوفة في حالة تحرك الطيران الروسي المقاتلة أو المروحية والإختباء في حالة تحليقهما وعدم الابتعاد كثيراً عن المركز إلا بإذن , وكان المكان هناك جميل جداً حيث أن المكان يقع بين جبلين في وادي يمر فيه نهر جيحون ويقع هذا المركز الخلفي على النهر مباشرة فكان كل من يعود لهذا المركز الخلفي لأي سبب من الأسباب يتمتع بوجبة من السمك الطازج الذي يصطادونه من نهر جيحون باستخدام القنابل اليدوية أو قذائف RPG7 , وفي ثاني يوم استيقظت وأنا مرهق وتبين أني مصاب بالملاريا فاضطررت للبقاء لمدة أسبوعين في العيادة من أجل العلاج كنت حينها أتمتع بوجبات خاصة لا تقدم إلا للمرضى من أجل العناية بصحتهم وهي عبارة عن الطماطم والبطيخ والسمك .
وبعد أن استرديت عافيتي ولله الحمد تحركت باتجاه مركز متقدم وعند وصولي كان الشباب في حالة عمل دائم حيث أن المنطقة كانت جبلية ووعرة جداً فقام خطاب بشراء معدات لحفر الطرق وهي يدوية تعمل بالمولدات الكهربائية ونقلها إلى طاجيكستان حتى تساعد في شق الطرق هناك وكان مضطراً لذلك كونه لا يوجد طريق يمكن الوصول من خلاله إلى المراكز الروسية إلا من خلال هذه الجبال , بدأت العمل مع الشباب وكنا نتناوب في الحفر بالمعدات طوال النهار وفي الليل ننام ونتناوب على الحراسة وظللنا على هذه الحالة لعدة أسابيع حتى استطعنا شق الطرق وتجهيزها لنقل الأفراد والدواب التي تنقل الأسلحة والمئونة إلى الخط الأمامي والخنادق الأمامية , وخلال هذه الفترة تعرفت على الشباب هناك وبدأت آلف الجو هناك وأتعايش مع طبيعة المنطقة القاسية فازداد حبي للجبال أكثر هناك وفي تلك الأثناء تعرفت على أبو الوليد الغامدي رحمه الله الذي قتل في الشيشان وكان نائباً لخطاب في الشيشان وتوثقت العلاقة بيننا بشكل كبير وأصبحت تحت إمرته وإشرافه وتعرفت على أبو بصير المصري رحمه الله (استشهد في جلال آباد أثناء الاجتياح الأمريكي فترة طالبان) وأبو سياف الجزائري رحمه الله ( قتل في الشيشان في الحرب الثانية ) وأبو حكيم المدني رحمه الله ( قتل في الحرب الشيشانية الثانية أثاء دخول المقاتلين إلى داغستان ) وأبو يعقوب الغامدي رحمه الله (قتل في الحرب الشيشانية الثانية) وغيرهم من الشباب التي لاتسعفني الذاكرة لتذكر أسمائهم .
بعد انتهائنا من شق الطرق وتجهيزها ثم استقرارنا في الخنادق الأمامية تغيرت طبيعة حياتنا اليومية حيث قل العمل فيها بعد أن أنتهينا من مرحلة تجهيز الطرق ولم يعد لدينا ما نقوم بعمله سوى الحراسة ليلاً والرصد نهاراً لإحدى القواعد الروسية القريبة منا وقضاء وقتنا فيما يفيد , والمنطقة التي كنا فيها كانت جميلة جداً حيث كنا نتمركز في خنادق على سلسلة جبال متراصة ومن تحتنا كانت غابات كثيفة وأمامها بعض السهول الزراعية فكنا أحياناً نرى قطيعاً من الخيول البرية وهي تتراكض في تلك السهول متنقلة من منطقة إلى أخرى خلف قائدها وكانت تلك الغابات تعج بالدببة والخنازير البرية المتوحشة وبعض الحيوانات الضارية وكانت أكثر ما نخشاه أوقات الحراسة لا خوفاً منها فنحن نحمل الأسلحة ولكن حركتها بشكل قريب منك في الليالي المظلمة قد يتسبب في إرباك الجبهة كاملة خوفاً من أن يكون تسللاً للقوات الروسية ولكن الحمد لله لم نواجه هذه المشكلة , وأذكر من العمليات حين قام أبو يعقوب الغامدي رحمه الله بإسقاط مروحية روسية ناقلة للجنود بصاروخ sam7 وفي إحدى العمليات أثناء الهجوم على مركز روسي استشهد أخونا أبو عثمان الليبي رحمه الله وكان من المقاتلين في أفغانستان سابقاً وأصيب أبو معاذ الإماراتي (والذي توفي في ما بعد في الإمارات بعد أن قامت عائلته بنقله بطائرة خاصة من باكستان إلى الإمارات وبعد أن رأى عائلته ورأوه هناك فارق الحياة علماً أنه كان ضابطاً في الجيش الإماراتي فرحمك الله يا أبا معاذ ) .
أريد أن أوضح مسألة هنا حول بعض الظروف التي واجهتنا في طاجيكستان مثل الطبيعة الجغرافية أو الحالة السياسية في البلد تلك الفترة , بالنسبة للطبيعة الجغرافية عندما دخل خطاب إلى طاجيكستان توجه إلى منطقة كولاب التي كنا فيها وتوجه القائد يعقوب البحر رحمه الله (وهو من المنطقة الشرقية من بلاد الحرمين ) إلى منطقة بدخشان فكانت المنطقة التي كنا فيها وعرة جداً كونها جبلية فاستلزم العمل فيها لأشهر حتى تمكنا من الإستقرار في الخنادق الأمامية أي بمعنى إيجاد مقر لنا وهذا الشيء أخذ الكثير من وقتنا مما قلل من مستوى العمل العسكري في منطقة كولاب والأمر الآخر أن حزب النهضة الطاجيكي في تلك الفترة كان في حالة مفاوضات مع الحكومة الشيوعية في دوشنبه عاصمة طاجيكستان من أجل وقف القتال والحصول على كراسي في البرلمان وهذا جعل حزب النهضة يضغط على المقاتلين من أجل وقف القتال وهذا ما حصل في نهاية المطاف عندها قرر خطاب الإنسحاب من طاجيكستان ورأيه في ذلك أن أهل البلد الذين حملوا السلاح لا يريدون القتال الآن وأنهم مقتنعون بالدخول في السلك السياسي من أجل الحصول على حقوقهم ووقف المظالم التي تمارس ضدهم في طاجيكستان فلماذا بقاء المقاتلين العرب .
لا أخفي مدى الإحباط والغضب الذي أصاب خطاب وأصابنا جميعاً فالمجهود الذي قام به خطاب بشق الطرق وتجهيز المنطقة والتكاليف المادية التي صرفت في هذا الجانب ليست بالقليلة وأخذت من الوقت أشهر وقبل أن يتم فعلياً العمل العسكري يأتي الأمر بتوقف القتال فكان الأمر كارثة بالنسبة للمقاتلين الطاجيك أنفسهم لأنهم أقدموا على عمل سياسي غير مضمون (وهو ما تأكد حدوثه بعد ذلك ) وأيضاً كارثة على مجهودات خطاب التي أصبحت هباءً منثوراً إلا من الأجر إن شاء الله .
عندها قرر خطاب بتنفيذ عملية عسكرية أخير وذلك لأجل التخلص من كمية كبيرة من الصواريخ والعتاد العسكري الذي يصعب نقله مرة أخرى وإعادته إلى أفغانستان من حيث أتى وأيضاً حتى لا يخرج خطاب والمقاتلين من طاجيكستان بعد كل ما عملوه دون أن يشفوا غليلهم من الروس , وكانت طبيعة العملية أن تكون بالقصف بالمدفعية دون الحاجة إلى الإقتحام وهو التكتيك المتعارف عليه وكان موقعي في تلك العملية على مدفع 82ملم المحمول على الكتف أو مثبت على قاعده أرضيه وكنت تحت إمرة أبو الوليد الغامدي رحمه الله وكان معي في المجموعة نفسها يعقوب الغامدي رحمه الله واستمرت العملية لمدة يومين كاملين في حالة قصف متواصل على القاعدة الروسية القريبة منا وكان الطيران الروسي يقوم بجولات استطلاعية وهجومية لتحديد مواقعنا , وكان هناك استعداد لهذا الأمر بمضادات الطيران وعندما وجد الطيران الروسي المضادات بدأت بالتعامل معه ابتعد عن المنطقة قد استطاعته , إلا أنه استطاع أن يحدد أحد المواقع وكان في هذا الموقع القائد خطاب رحمه الله والقائد الأفغاني ملا تاج محمد (هذا القائد هو أحد القيادات التابعين لعبد رب الرسول سياف ولكنه أثناء فتنة القتال بين الأحزاب الأفغانية رفض المشاركة فيها وتوجه مع خطاب إلى طاجيكستان ومعه مقاتليه وقد تعرفت عليه معرفة شخصية , كان رجلاً ذو دين وخلق ومحب للعرب جداً ولديه فهم ووعي للجهاد من جانب شرعي وليس من جانب قومي وهذا ما رأيته فيه حينها ولكن للأسف بعد مرور سنوات عندما كنا نقاتل مع طالبان ضد التحالف الشمالي كان هو يقاتل ضدنا وكان لي معه حديث فترة طالبان بالجهاز اللاسلكي (المخابرة) وسيأتي ذكر هذه الحادثة في حينها ) بعد أن قامت الطائرات بالقصف على الموقع شاء الله سبحانه وتعالى أن يقع الصاروخ على القبة التي تقع فوق مكان تمركز خطاب فسلمه الله والذين معه من هذا الهجوم , بعد يوم من هذه العملية بدأنا في سحب العتاد المتبقي والأسلحة وإرجاعها إلى للمراكز الخلفية إستعداداً للإنسحاب من مناطق طاجاكستان وأيضاً لأننا كنا نتوقع هجوم شديد من القوات الروسية كرد منهم على تلك العملية , تراجعنا للمراكز الخلفية تماماً وأتممنا الإنسحاب تماماً من جميع الخنادق والمراكز الأمامية ثم انقسمنا إلى مجموعتين بحيث كل مجموعة تتولى نقل جزء من المعدات والأسلحة التي كانت معنا إلى مدينة تشياب في داخل أفغانستان وأذكر أنه في آخر ليلة لنا في طاجيكستان عبرنا النهر إلى الضفة المقابلة في أفغانستان وبتنا على ضفة النهر وكانت الأجواء باردة جداً وممطرة وكان بعض الشباب لا يوجد لديه ما يقيه البرد من كيس نوم أو بطانية لأنهم أرسلوا أغراضهم مع المجموعة التي ذهبت قبلهم فعانوا تلك الليلة معاناة ليست بالقليلة , وفي تلك الليلة كان الروس يقومون بقصف مكثف على الجبال التي فيها الخنادق الأمامية التي انسحبنا منها وهم لا يعلمون أننا انسحبنا منها منذ يومين وظلوا طوال تلك الليلة وهم يضيئون المنطقة بقذائف الهاون المضيئة وذلك لأنهم يستعدون للهجوم على المكان أو في حالة خوف ولم يتسنى لنا معرفة ما حصل لأننا تحركنا مع الفجر بإتجاه مدينة تشياب مشياً على الأقدام أما البهائم فكانت مخصصة لنقل العتاد والسلاح .
وصلنا في الليل إلى إحدى القرى ونزلنا فيها من أجل المبيت حتى الصباح فتوزعنا في القرية على البيوت فهم يستقبلون الشخص في تلك القرى و يؤمنون له الطعام والمبيت مقابل النقود ,فذهبت أنا وأثنين آخرين من الشباب إلى أحد البيوت للمبيت وطلبنا طعاماً فأخبرنا أن لديه بعض الجبن والبيض فرفضها أحد رفاقي وأصر على أن يحضر لنا تيساً مطبوخاً كاملاً فاستغرب صاحب البيت وسألنا إن كان هناك آخرين سيأتون للعشاء فقلنا له لا ولكننا لم نأكل هذا الطعام منذ أشهر ( لإن أكلنا الرئيسي والدائم في طاجيكستان كان الخبز الذي كنا نضطر لتكسيره بالحربه العسكرية حتى نقسّمه بيننا وأيضاً التوت المجفف والسكر والشاي الأخضر وفي بعض الأحيان نطبخ الرز المسلوق في الماء فقط وفي حالات قليلة كان يأتينا بعض البطيخ ومرة واحدة أرسلوا لنا تيساً إلى مركزنا الأمامي فوالله لقد أكلنا كبده بدون طبخ من فرحتنا ) وبعد أن أحضر صاحب البيت التيس المطبوخ مع المرق والخبز ظل واقفاً مشدوهاً ينظر إلينا ونحن ننقض على التيس وخصوصاً أحدنا الذي كان من الوزن الثقيل الذي ما كان يضع يده على جزء من التيس إلا ويختفي اللحم منه فأخذ الأفغاني صاحب البيت يضرب كفاً على كف غير مصدق ويتمتم بكلام لم نفهمه .
وفي طريق عودتنا إلى تشياب في اليوم الثالث كنا نمر على قرى تسمى "قرى الأنقور" والأنقور باللغة الفارسية تعني العنب والسبب في التسمية أنك ترى مد بصرك أشجار العنب في هذه المنطقة فكنا ونحن نمشي يصرّ بعض أصحاب المزارع أن نأخذ من عنبه كهدية لأننا غرباء أو كما يسمونه بلغتهم "مسافر" , ثم وصلنا إلى تشياب في اليوم الثالث والحمد لله ثم استرحنا هناك لفترة توجهنا بعدها إلى مدينة تخار ثم باتجاه "وادي بنشير " وكان الطريق إلى وادي بنشير يستلزم ثلاثة أيام مشياً حتى نصل إليه وكانت بعض الطرق مغطاة بالثلوج فكنت أنا وأخي أبوبصير المصري نتناوب على ركوب أحد الخيول التي أستأجرناها في المنطقة الثلجيه ، وفي أحد تلك الأيام وأثناء سيرنا كان معي أحد الإخوة نسير مع بعضنا نقطع الوقت بالحديث فمررنا ببائع واضعاً بضاعته على صندوق خشبي على الأرض وطلب منا الشراء فسألناه ماذا يبيع فقال أنه " حشيش أصلي ومن النوع الجيد" فأخبرناه أننا لا ندخن ولا نحشش واعتذرنا عن الشراء وعندما هممنا بالإنصراف وجه إلينا سلاحه الكلاشينكوف وقال يجب أن تشتروا مني فتجادلنا معه محاولة في إقناعه أن هذا الحشيش حرام وليس لدينا مال لنشتري وأننا غير ملزمين بالشراء منه فغضب وقال لا تضنوا أني حرامي أو قاطع طريق وإنما أنا أبيع أعطيكم بضاعه وآخذ ثمنها يعني حلال !!! , وقال يجب أن تشتروا مني لأني لم أبع أي شيء منذ الصباح !!! ودخلنا معه في جدل وحينها وصل القائد خطاب ومعه الملا تاج وأخبرناهم بما حصل فغضب الملا تاج محمد وقال له هل تعرف من أنا فقال البائع "لا" بكل غطرسه فأخبره أنه الملا تاج محمد فصعق البائع لسماعه الإسم وسقط السلاح من يده من الخوف وأخذ يعتذر ويتأسف ويقبل قدم الملا تاج حتى يسامحه لكن الملا عنفه وأهانه وضربه وأخذ عليه العهد أن لا يكررها مرة أخرى مع أحد ثم فر البائع هارباً عندما تركه الملا تاج لا يلوي على شيء تاركاً خلفه سلاحه وبضاعته من الحشيش , وهذا الموقف من أطرف المواقف التي حصلت معي في حياتي ومن أخطرها أيضاً لأننا كان يمكن أن نفقد حياتنا من أجل حشيشه لا علاقة لنا بها .
واصلنا طريقنا ومررنا بوادي بنشير الشهير الذي ذاق الروس فيه المرارة لسنوات ثم بعدها مررنا بمدينة " شريكار " وهي مدينة شمال كابل تبعد سبعين كلم ولي فيها ذكريات لا تنسى وذلك في فترة طالبان وسيأتي ذكرها في حينه , ثم توجهنا إلى منطقة " شكردرا" و التي يحكمها الملا تاج محمد الذي كان معنا في طاجيكستان و بتنا فيها ليلتين لأخذ قسط من الراحه و توجهنا بعدها إلى كابل ثم جلال آباد و من هناك عبرنا الحدود من طورخم إلى باكستان بإتجاه مدينة بيشاور .

وللحديث بقيه

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 15-12-2009, 08:49 PM
ابو مسلم العجمي ابو مسلم العجمي غير متواجد حالياً
Banned
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: جزيرة العرب
المشاركات: 72

بسم الله الرحمن الرحيم



(الحلقه الخامسه )





بعد الوصول إلى بيشاور توجهنا إلى مضافة خطاب في منطقة بابي واسترحنا هناك لعدة أيام , كانت تلك الأيام مزيجاً من الحزن على فراق طاجيكستان وما آل إليه الجهاد هناك من توقف بسبب خيانة قادة حزب النهضة الطاجيكي , لست أعني بذلك جنوحهم للسلم فكلنا نتمنى ما فيه إيقاف لإراقة دماء المسلمين فالجهاد بذاته شرع لحفظ الدماء وليس لاستباحتها ولكن قيادة حزب النهضة الطاجيكي لم يكن هذا ما يهدفون إليه وإنما كانت غايتهم المشاركة في الحكومة والحصول على مناصب فيها دون أي اعتبار لدماء عشرات الآلاف من المسلمين الذين قتلوا على يد الروس والشيوعيين هناك والله المستعان , أقول كانت تلك الأيام مزيحاً من الألم كما ذكرت سابقاً ومن الفرح بعد أن قمنا بما أمرنا الله به من جهاد في طاجيكستان ومع تلك الذكريات الجميلة فقد كان لنا في منطقة كولاب ذكريات في كل وادي وعلى كل سفح وفوق كل جبل مع إخوة لنا قتلوا هناك أو من عادوا سالمين وبالأجر إن شاء الله .
بعد عدة أيام من الاستراحة توجهت إلى بيت الشهداء محاولاً البحث عن طريق يوصلني إلى البوسنة وهناك كانت مفاجأتي الكبرى حين التقيت بأحد الإخوة الذي هو أخي في الله وأقرب الناس إلى قلبي وكما يقول المثل ( رب أخ لم تلده أمك ) فكان هذا الأخ هو ( أبو الزبير الكابلي ) فلسطيني من أهل غزة ولكنه ولد وترعرع في بلاد الحرمين , كان هذا الأسد شعلة من الإيمان حماساً يتوقد لنصرة هذا الدين فلقد عرفته عن قرب وكان موضع سري وكنت موضع سره , ما أن يسمع بمصيبة حلت بالأمة أو قصة من القصص المأساوية التي جرت أحداثها في البوسنة إلا وينهار باكياً راجياً من الله ألا يحاسبه على كل قطرة دم أريقت من دماء المسلمين دون أن يكون عوناً في إيقافها , شاب امتلأ قلبه بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لو رأيته لأيقنت أن هذا الشخص لا صلة تربطه ببشر هذا الزمان لما ترى فيه من الزهد والعبادة والثورة والحماس المتوقد في نفسه حباً للذهاب للجهاد فكم كنت أنا وهو نطرق كل باب ونسعى في كل طريق بحثاً عن من يوصلنا إلى الجهاد فالتقينا بأخي أبو خولة رحمه الله وصادف في ذلك الوقت أن طرأت ظروف منعت أخي أبا الزبير من الذهاب معنا إلى أفغانستان , عندما التقيت بأخي أبو الزبير الكابلي في مضافة بيت الشهداء كان يعلم حينها أنني في طاجيكستان عندما أخبروه في المضافة بذلك أما أنا فلم أكن أعلم أنه جاء إلى باكستان وأيضاً فقد تفاجأت أنا وهو بهذا اللقاء من دون ميعاد فكانت لحظات جميلة عندما وقفت مشدوهاً غير مصدق ما أرى من شدة فرحتي أما هو فقد صرخ رحمه الله منادياً باسمي الحقيقي أمام الحاضرين في المضافة وذلك من شدة فرحته بلقائي فتعانقنا وبكى بكاءً اضطرني للبكاء معه على إثره فقد كان هذا بكاءً من شدة الفرح والشوق ثم بعد ذلك أخذني إلى إحدى الغرف وقضينا ساعات طويلة ونحن نتحدث دون أن ندرك أن الوقت يمضي بسرعة حيث أخبرني أنه جاء بعدي بأشهر بعد أن انتهت ظروفه وعندما سأل عني علم أني في طاجيكستان فذهب للمعسكر وبعد أن أنهى تدريبه في المعسكر التقى ببعض الشباب الذين كانوا في المضافة حين أقنعوه بفكرة الذهاب إلى جلال آباد والالتحاق بالحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار فذهب إلى هناك والتحق به وشارك في المعارك التي دارت في كابل وقد فاجأني بهذا الكلام عندما علمت أنه شارك في الفتنه الدائرة بين الأحزاب الأفغانية فظللنا نتحدث وأخبرته أنني أرغب بالذهاب إلى البوسنة فأخبرني برغبته أيضاً بذلك ولكنه سيذهب لزيارة أهله ومن ثم يذهب من هناك إلى البوسنة .
وأثناء تواجدي في بيت الشهداء استطعت إيجاد طريق للبوسنة وبدأت في الاستعداد للسفر إلى هناك وبعد أن أعددت كل شيء وحان موعد السفر ودعت أخي وحبيبي أبو الزبير الكابلي على أن يكون لقائنا بعد ذلك في البوسنة ( ولكن للأسف كانت لحظات وداعي لأبوالزبير قبل ذهابي للبوسنة هي أخر مرة سأراه فيها في حياتي حيث أنه عاد لبلاد الحرمين وبعد فترة عندما بدأت أحداث الشيشان كان الطريق مغلق إلى البوسنة ولكنه متيسر إلى الشيشان فاستعان بالله أخي أبو الزبير وانطلق من هناك إلى الشيشان وقتل هناك في رمضان عام 1416 هجرية في عملية ( كزلار ) الشهيرة في داغستان مع القائد سلمان روداييف رحمه لله (الذي قتل في السجن في روسيا بعد أسره ) وقتل معه الأخ الفاضل أبو أسامة (زيد الرقيب ) رحمه الله وسآتي لذكر هذه الحادثة في حينها إن شاء الله , فرحمك الله يا أبا الزبير وجمعني وإياك في الفردوس الأعلى في حواصل طير خضر يوم ينادي الله ( أين المتحابين فيّ ) .
سافرت متوجهاً إلى النمسا كي أحصل على فيزه دخول إلى كرواتيا من السفارة الكرواتية هناك وكان بانتظاري أحد الأشخاص حسب التنسيق المسبق وبعد وصولي أخذني هذا الشخص إلى بيته للاستراحة ثم بعدها اتصلت على الشخص الذي ينبغي أن يستقبلني في كرواتيا ويرتب لي الدخول للبوسنة ولكني لم أحده حيث أن تلفونه مغلق وحاولت عدة مرات بلا نتيجة , فقررت الذهاب لأخذ الفيزه الكرواتية على أمل أن يرد الشخص الذي في كرواتيا على هاتفه وبعد أن توجهت للسفارة الكرواتية تقدمت بطلب الفيزا وأثناء انتظاري لإنهاء الإجراءات تعرفت لشخص أماراتي يعمل في أحد المنظمات الإغاثية وتجاذبنا الحديث فعلمت أنه ذاهب إلى كرواتيا ثم للبوسنة فأخبرته أني فقد الاتصال مع الشخص الذي في كرواتيا وأنني محتار هل أنتظر أم أعود من حيث أتيت فعرض علي مرافقته إلى كرواتيا فإن وجدت الشخص الذي أريده هناك وإلا فيمكنني المواصلة معه إلى البوسنة ففرحت بالأمر وشكرته وعلمت أن هذا تيسير من الله , وبعد العصر توجهنا إلى محطة القطار وركبنا متوجهين إلى كرواتيا مروراً على تشيكوسلوفكيا , وفي منتصف الليل كنا وصلنا مدينة (زغرب) عاصمة كرواتيا , أثناء تواجدي في زغرب اتصلت كثيراً على الشخص الذي كان من المفترض أن يستقبلني فتبين لي أنه غير موجود في البلد وأنه عاد لبلاده لظروف طارئة عندها قررت المواصلة مع الشخص الذي جئت معه من النمسا .
بقينا عشرة أيام تقريباً بسبب ظروف عمل الشخص الذي جئت معه وبعدها ركبنا الباص باتجاه مدينة سبلت وبقينا هناك لليلة واحدة وفي اليوم الثاني تحركنا في قافة إغاثية صغيرة باتجاه البوسنة وكنا متخوفين من مرحلة واحدة فقط وهي مرحلة خطيرة جداً وهي بعد أن تتجاوز كرواتيا لندخل البوسنة باتجاه مدينة موستار التاريخية علينا العبور لمنطقة كروات البوسنة وهم في حالة حرب مع البوسنويين وسبق أن قاموا بإيقاف عدد من العرب الذين يعبرون باتجاه البوسنة وقتلهم ولكننا استعنا بالله أولاً وتوكلنا عليه ثم أننا سندخل بصفة موظفي إغاثة , عندما وصلنا الحدود البوسنوية وبالتحديد منطقة كروات البوسنة ( وهم كاثوليك المذهب كما ذكرته في بداية مذكراتي ) أوقفونا وقاموا بإنزال جميع الأغراض التي معنا وسألونا عن سبب مجيئنا فأخبرناهم أننا متوجهون إلى سراييفو للعمل الإغاثي هناك ولم نذكر لهم أننا متوجهون إلى مدينة (زنتسا) وهي المدينة التي فيها مقر المجاهدين العرب لأن ذكر هذه المدينة كفيل باستثارة غضبهم وأنهم قد يشكون أننا من المقاتلين , فبدءوا بتفتيش الأغراض وكان هذا الشيء متوقع منهم ثم بعد نصف ساعة تركونا نعبر بفضل الله , ثم واصلنا مسيرتنا باتجاه موستار ووصلناها بعد ما يقارب الساعة ( مدينة موستار مدينة تاريخية عريقة منذ أيام الدولة العثمانية وبها جسر موستار الشهير عمره أكثر من خمسمائة عام وقد قام الكروات بقصفه بالدبابات وتدميره مع بداية الحرب , والمدينة مقصومة إلى قسمين المدينة القديمة ويسكنها المسلمون والمدينة الحديثة ويسكنها الكروات ) , عبرنا مدينة موستار من داخ الجزء القديم الذي يسكنه المسلمون متوجهين إلى مدينة زنتسا وأثناء طريقنا كنت أشاهد وألاحظ مدى الجمال في الطبيعة الذي تتمتع به البوسنة وكنت أشاهد مدى الدمار الذي ألحقه العرب والكروات في البلد فكنا أحياناً نمر على بعض القرى فتجدها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها أثراً للحياة البشرية وآثار الدمار من القصف والرصاص ظاهرة عليها تنبئ عن مدى الرعب والمأساة والمجازر التي مر بها أهل تلك القرى والهأ المستعان.
أخذ الطريق من موستار إلى زينتسا خمس ساعات تقريباً وطوال هذه الفترة لم أستطع النوم فيها فكل شيء كان يشد انتباهي من جمال الطبيعة إلى الدمار الذي أراه في كل مكان إلى تلك الوجوه الكئيبة والحزينة التي كنت أراها خلال رحلتنا , وكنت خلال هذه الرحلة أستجمع ذاكرتي متذكراً كل مشهد تلفزيوني أو صورة فوتوغرافية للمجازر والقصف والإرهاب الذي كان يمارس بحق مسلمي البوسنة وكنت أفكر أثناء رحلتنا هل يا ترى أمر الآن بإحدى تلك القرى أو المناطق التي في ذاكرتي مما شاهدته في التلفاز , كان يعتريني وقتها حزن وألم فظيع على أهل البوسنة كيف بلغ بهم الحال وهم جزء من أمة المليار مسلم فكيف تناسوهم وكيف خذلوهم وتركوهم لقمة سائغة يتناهشهم الصرب والكروات دون أن يرمش لهم جفن فكل ما قاموا به أن أرسلوا لهم بعض الغذاء وكأن الشعب البوسني دجاج يسمن ويهيأ لمن يذبحونهم من الصرب والكروات , وقد تناسوا ما قام به المعتصم في عموريه عندما صاحت امرأة في عمورية وصاحت (وامعتصماه) وما أن بلغة ذلك النداء حتى جهز جيشاً أوله في عمورية وأخره عنده فجعلها خراباً إلى اليوم وأذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال لأصحابه " تتكاثر عليكم الأمم كما يتكاثر الأكلة على قصعتها قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله , قال : لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل " .
وصلنا إلى مدينة زينتسا وكانت مدينة كبيرة وجميلة والحياة تسير فيها بشكل هادئ فهي من أقل المدن التي أصابها الضرر من جراء الحرب , وفي هذه اللحظات أو بالأصح منذ دخولي إلى البوسنة بدأ يعاودني نفس الشعور الذي كنت أشعر به في أول مرة سافرت فيها إلى الجهاد لا أعرف السبب لكن توطدت العلاقة مع الأيام بيني وبين هذه البلاد فأحببتها كثيراً , قد يكون السبب هو عشقي للجبال الذي بدأ معي في أفغانستان حيث أن البوسنة كثيرة الجبال وكل المعارك التي خضناها فيها كانت في الجبال وقد يكون السبب فرحتي لما وفقني الله به من القيام بهذه الفريضة وتسهيل دخولي للبوسنة من أجل مساعدة أخوانا في البوسنة .
بعد وصولنا إلى مدينة زينتسا وكما أشرت سابقاً فيها مقر قيادة المجاهدين العرب عندها توجهنا بالسيارة إلى مقر (كتيبة المجاهدين العرب) حيث أنني أخبرت الشخص أنني أرغب بالذهاب إلى مقر ( مجموعة الزبير ) ولكنه أخذني إلى هذا المكان لأنه لا يعرف غيره على أمل أن يقوم أفراد الكتيبة بإيصالي إلى مجموعة الزبير , وبعد أن وصلنا إلى مقر الكتيبة الذي كان على مرتفع جبلي ليس بالعالي جداً ويطل على جزء من المدينة من الأعلى فكان منظراً جميلاً ورائعاً وهذا المقر بالأصل هو مقر سابق لقوات الجيش اليوغسلافي , بعد الوصول أخبرنا الإخوة أنني جئت قاصداً مجموعة الزبير وأنني أرغب منهم أن يوصلوني إلى هناك لأننا لا نعرف المكان , وبعد ساعة من الزمن نقلوني إلى مقر الزبير عندها ودعني هذا الشخص الإماراتي على أمل أن نلتقي مرة أخرى حيث رفض أن يغادر حتى يطمأن أني سأصل للوجهة التي أريد , وكان مقر مضافة الزبير القديمة قريب من مستشفى زينتسا وكانت الفترة شتاءً والثلوج تملأ الأرض في كل مكان فكان منظر المدينة جميلاً خلاباً رائعاً خصوصاً لمن جاء من أجواء الدول العربية التي نفتقد فيها مثل هذه المناظر الجميلة , بعد أن وصلنا إلى البيت استقبلني الإخوة بكل ترحاب وسألني مسئول المضافة من طرف من جئت فأخبرته بالشخص الذي أرسلني أو ساعدني بالحضور ثم سألني إن كنت متدرباً على استخدام السلاح فأخبرته أني كنت في أفغانستان للتدريب ومن ثم قاتلت في طاجيكستان عندها أخبرني أنني لا أحتاج الذهاب للتدريب وأن علي الانتظار حتى يهيئ ذهابي إلى مدينة (ترافنيك) .
كانت المضافة تعج بالشباب منهم الجديد ومنهم من له فترة في البوسنة وبدأت بالتعرف عليهم والحديث عن الأوضاع هناك وفهمت حينها أن مجموعة الزبير الحائلي مقسمه على ثلاث مناطق مجموعة في منطقة (جزنبولي) ومجموعة في مدينة ( ترافنيك) ومجموعة في مدينة (توزلا) وكل مجموعة تمارس عملها العسكري في منطقة تواجدها وذلك كله بالتنسيق والمشاركة مع الجيش البوسنوي الذي في المنطقة وفي حالات يتم الاشتراك من كل المجموعات في عملية عسكرية مشتركة حسب الحاجة في المنطقة التي يتم فيها العمل العسكري , عندما حدثني الشباب عن هذا الأمر دار في خلدي سؤال عن سبب وجود مجموعتين مقاتلتين في البوسنة خصوصاً بعد التجربة المرّة التي مرت بها أفغانستان جراء وجود أكثر من فصيل مقاتل وعدم توحد الفصائل تحت راية واحدة ونتج عن ذلك من أضرار أصابت الأمة في مقتل تعاني منها حتى الآن , الشيء الذي أخبرني به الأخ وشارك بعض الحاضرين برأيهم فيه حول هذا الموضوع ترددت وفكرت في المصلحة من عدمها في ذكره ولكني وجدت أن هذه المشكلة كانت تفرض نفسها في أكثر من موطن من مواطن الجهاد وكنت لا ألقي لها بالاً لأنني هاجرت من أجل الجهاد وليس لأشغل نفسي بترهات لا تعنيني أو ليست من أولويات اهتمامي ولكن غض الطرف عن هذا الموضوع من الإخوة ولد له تراكمات وزرع التشققات في الصف الجهادي وإن لم يكن ذلك ظاهراً للعيان ( وسآتي في ذكر بعض ذلك في مرحلة طالبان ) .
طبعاً ما كنت أقصده بسؤالي الأخ عن الجماعات في البوسنة وهو وجود " كتيبة المجاهدين العرب " و " مجموعة الزبير " ولماذا ليست مجموعة واحدة فكانت إجابة الأخ أنه لم يكن في البوسنة سوى مجموعة واحدة فقط وهو ما حرص عليه الجميع على اختلاف الآراء ووجهات النظر لكن وحدت الصف والكلمة وعدم تكرار ما حصل في أفغانستان مسألة فوق كل اعتبار لدى الجميع , وبدأت الكتيبة في عملها وكانت في مكونها البشري خليط من جميع الأجناس العربية والعجمية والأبيض والأسود بل كان بها خليط من أفراد الجماعات المسلحة الجهادية المختلفة الذين جاؤوا استجابت لأمر الله ولكن مع الوقت لاحظ أهل البصيرة والفراسة بعض التغييرات الغريبة وتوزيع المواقع القيادية في بعض الأحيان على أشخاص ليس لهم سابقة جهادية أو خبرة وإبعاد آخرين مؤهلين لمناصبهم , وبعد البحث والتدقيق وُجد أن العامل المشترك بين القياديين الجدد أنهم جميعاً ينتمون إلى ( جماعة الجهاد المصرية ) واتضح جلياً أن المسألة هي محاولة سيطرت هذه الجماعة على إدارة الكتيبة وكانوا في تلك الفترة قد أصبحوا في مراحل متقدمة في هذا الشيء فحاول بعض الشباب القداما في الجهاد والعقلاء حل هذا الأمر ووقف هذا التصرف وإعادة تشكيل قيادة الكتيبة من جديد ولكن المسيطرون على الكتيبة رفضوا هذا الشيء بشدة عندها قرر الكثير من شباب الخليج واليمن وبعض الشباب من الدول الأخرى الخروج من الكتيبة وتأسيس مجموعة جديدة سميت على اسم مؤسسها أبو الزبير الحائلي .
أود أن أذكر هنا أنه حتى بعد الانقسام الذي حصل ظل الإخوة في المجموعتين يحتفظون بعلاقات جيدة مع بعضهم على مستوى القيادة فبعضهم على معرفة قديمة منذ أيام الجهاد الأفغاني أما على مستوى المقاتلين في المجموعتين فعلاقتهم أخوية في أعلى مستوياتها وهذا ما أثبتته الأيام من المشاركة الجماعية في أكبر عمليات البوسنة مثل " الفتح المبين" و " الكرامة " و " بدر البوسنة " التي كنا نتشارك مع بعضنا بقيادة عسكرية مشتركة في إدارة تلك العمليات وتجلت فيها معاني الأخوة والمحبة والتجاوز عن حضوض النفس أثناء سير المعارك .
وبعد يومين من الانتظار توجهت بي السيارة إلى مدينة ترافنيك وكان الطريق من زينتسا إلى ترافنيك في غاية الروعة والجمال في الطبية حيث الأرض خضراء والجبال عبارة عن غابات كثيفة مغطاة بالثلوج ومن يتأمل النظر إلى تلك الأراضي سيتبادر إلى ذهنه سؤال واحد وهو إذا كانت هذه الطبيعة وجمالها في الأرض فيا ترى كيف ستكون جنة الخلد وما فيها , عندها سيأتيه الجواب متبادراً إلى ذهنه ( فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) , اللهم ارزقنا جنة الخلد واجعلنا في عليين مع الأنبياء والصدقين والشهداء , بعد قرابة الساعتين وصلنا إلى مدينة ترافنيك ولم يكن البيت في المدينة وإنما كان خارج المدينة في أحد القرى وتدعى (زافدوفتش ) إن لم تكن اختلطت على الأسماء أو خانتني الذاكرة , وكانت القرية تقع في وادي عرضه ثلاثمائة متر تقريباً بين سلسة جبال وتمتد القرية من منتصف الوادي صعوداً إلى أحد الجبال وكان البيت الذي للإخوة في الجبل المقابل للقرية لوحده بشكل منفرد في الجبل مما زاد من جمال المنزل .

وللحديث بقية

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 18-12-2009, 09:20 AM
عبدالله حمد الصالحي عبدالله حمد الصالحي غير متواجد حالياً
 عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: اللهم اغفرلي فوق الارض , وارحمني تحت الارض , وتجاوز عني يوم العرض
المشاركات: 21

بارك الله فيك على هذا النقل الطيب ورفع درجتك ورزقنا وإياك الشهادة والجهاد

رفع الله قدرك وازال همك وغفر ذنبك

__________________
يا سائلي عن مذهبي وعقيدتــي
رزق الهدى من للهداية يســــأل
اسمع كلام محقق في قـــــــوله
لا ينثني عنه ولا يتبــــــــــــــــدل
حب الصحابة كلهم لي مذهـــب
ومودة القربى بها اتوســـــــــــــل
ولكلهم قدر على وفـــــــــــــضائل
لكنما الصديق منهم افضـــــــــــل

اقلط (أضغط) مرحبا ومسهلا

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 18-12-2009, 10:22 AM
محمدالطويل الهتلاني محمدالطويل الهتلاني غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
المشاركات: 1,191

بارك الله فيك على هذا النقل الطيب ورفع درجتك ورزقنا وإياك الشهادة والجهاد

رفع الله قدرك وازال همك وغفر ذنبك

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 02-08-2010, 11:31 PM
ابو مسلم العجمي ابو مسلم العجمي غير متواجد حالياً
Banned
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: جزيرة العرب
المشاركات: 72

رفع الله قدركم اخواني جميعاّ ..

سأكمل الحلقات ان شاهدت بعض التفاعل ..

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 03-08-2010, 02:22 AM
[ بلآ خطيه ] [ بلآ خطيه ] غير متواجد حالياً
 عضو خاص
 
تاريخ التسجيل: Jun 2008
الدولة: بلآخطيه .. صآحبي بآح الاسرار
المشاركات: 9,630

متـابع ..



اتمنى آلآستمرآر

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 04-08-2010, 11:09 PM
ابو مسلم العجمي ابو مسلم العجمي غير متواجد حالياً
Banned
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: جزيرة العرب
المشاركات: 72

حياك الله اخوي سالم العاصي .



بسم الله الرحمن الرحيم


( الحلقة السادسة )


بعد الوصول إلى مقر الشباب في ترافنيك استقبلونا ورحبوا بنا وبعد التعارف أخذني أحدهم إلى غرف نوم الشباب واخترت لنفسي مكاناً دائماً لي في إحدى الغرف , ثم بعد أن رتبت أغراضي عدت إلى صالة الجلوس حيث يجتمع الإخوة عادة , فكان من الشيء الجميل الذي رأيته أني التقيت ببعض الشباب الذين تعرفت عليهم في بيت الشهداء فكان لقاءً جميلاً بيننا , وهذا الشيء ساعدني كثيراً لاختصار الوقت في التأقلم مع الموجودين في البيت والتعرف عليهم وأيضاً في التأقلم مع الواقع الجديد الذي سأعيشه , فبدأ هؤلاء الشباب يخبرونني عن الوضع عموماً وينبهونني لبعض الإرشادات التي علي الانتباه لها حول نظام البيت والنظام عموماً , وشاركنا في هذه الجلسة الجميلة أمير المجموعة في ترافنيك مما زاد من علاقة القرب بيننا وبينه , ومن الأشياء الجميلة التي اكتشفناها هناك وجود معسكر للتدريب تابع للمجموعة ويقع على بعد عشر دقائق بالسيارة تقريباً في مقر للجيش البوسني حيث أن لديهم هناك أشبه ما يكون بالقاعة الكبيرة المبنية من الخشب تماماً وبها أسره نظام الطابقين , وهي تتسع لأربعين شخص تقريباً , وفي المعسكر أيضاً ميدان الرماية وكل مستلزمات التدريب , أخذت الأيام تمضي وأنا أتأقلم مع المكان ومع الإخوة في البيت وكنا أحياناً نخرج لصيد الأرانب البرية الموجودة في الجبل الذي عليه البيت ولكن لم يحالفنا الحظ يوماً لأن الأرانب كانت سريعة جداً وبلون الثلج , وكنا نأخذ المسألة للمرح أكثر منها جدية في الصيد , وأحياناً أخرى كنا نتزحلق من أطراف الغابة باتجاه البيت على الثلج لمسافة 150 متراً وأتذكر هنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن الجهاد يذهب الهم والغم وهذا ما كنا نراه ونعيشه واقعاً في حياتنا هناك .
دخل علينا شهر رمضان فزاد من روحانية ورعة الأجواء وأتذكر كيف كان الشباب يتسابقون ويحلف بعضهم على بعض أن يقوم هو بالخدمة في الطبخ لإعداد الوجبات وفي النظافة للمطبخ وكامل مرافق البيت كلٌ يبحث عن الأجر في هذه الأيام الفضيلة زيادة على ما أكرمه الله بالنفير إلى أرض الجهاد , مضت أيام رمضان سريعة وقد امتلأت القلوب بالإيمانيات والروحانيات قضاها الشباب ما بين الدروس الشرعية وقراءة القرآن يساعد بعضهم بعضاً على قيام الليل ويرفع بعضهم همة بعض للتزود بالطاعات واستغلال أيام رمضان .
في يوم الخامس والعشرين من رمضان جاءنا الأمر بالاستعداد لعملية عسكرية قادمة خلال يومين فو الله لقد رأيت الشباب جفا النوم أعينهم من القيام وجفت ألسنتهم من قراءة القران فترة الصيام يسبق بعضهم بعضاً ويتوسل بعضهم إلى بعض في أن تترك له خدمة الإخوة على أن الخدمة مقسمه بشكل يومي على عدد معين من الأشخاص ولكن كلٌ يتسابق ويتودد إلى أخيه أن يعطيه وقته من الخدمة ليقوم به نيابة عنه , وأذكر هنا ذلك الرجل العجيب وأخي الحبيب أبو دجانة الشرقي ( مشعل القحطاني ) رحمه الله فقد كان إمامنا في الصلاة , رجل من أكثر الذين رأيتهم في الزهد والعبادة قوي البنية شديد البأس لكنك تراه مع إخوانه لطيفاً رقيقاً متواضعاً متذللاً وقد انطبق عليه قوله سبحانه ( أذلة على المؤمنين ) حيث حكى لي أحد الإخوة عنه من الذين كانوا معه في نفس الغرفة أنه كان يبكي بكاءً شديداً أثناء قيامه في الليل ويدعو الله أن يرزقه الشهادة في هذه العملية بطلقة تصيبه في نحره مقبلاً غير مدبر , وفي الليلة التي قبل العملية صلى بنا قيام الليل جماعةً فو الله لقد أبكانا تلك الليلة في تلك الصلاة بكاءً شديداً من كثرة دعاءه لله بطلب النصر وسؤاله الشهادة إلحاحاً فطر قلوبنا في الصلاة , وفي اليوم التالي توجهنا بعض العصر وكان يوم السادس والعشرين من رمضان إلى مقر التجمع مع الجيش البوسني , وبعد صلاة المغرب وقد استعد الجميع بكامل أسلحتهم وعتادهم وتوجهنا إلى مكان تنفيذ العملية أن نلتقي من خلف خطوط العدو وهم الصرب ونباغتهم بالهجوم وكانت هذه العملية على جبل يدعى ( فلاشش ) وهو أكبر جبل في البوسنة , فانطلقت المسيرة فكنت أسير ومعي أخي الحبيب سواد المدني رحمه الله ( الذي قتل في أفغانستان فيما بعد أثناء الهجوم الأمريكي على طالبان ) حيث كنت أنا وهو نتناوب على حمل الحقيبة المليئة بالذخيرة , وكان الطريق لمقر العملية كله صعوداً وكان الطريق مغطى بالثلج أحياناً إلى منتصف الساق وأحياناً أخرى فوق ذلك , وكان تحركنا في الساعة السادسة وبعد ساعات من المشي اضطررنا للتوقف والاستراحة على الثلج لأننا وصلنا إلى مرحلة أصبح الجبل فيها قائماً مثل العمود ولا يمكن عبوره إلا بالتسلق بالحبال , فكان يربطون المقاتلين واحداً واحدا ويسحبونهم إلى الأعلى وكنا قرابة ال300 شخص , أما العرب فكانوا قرابة 25 شخص , وأثناء الانتظار حتى يأتي دوري لتسلق الجبل كان يمر من أمامي بعض القذائف والعتاد العسكري المتزحلقة إلى أسفل الجبل على الثلج ممن تعب أصحابها من حملها في هذا الجو والطريق الصعب فاضطروا لإلقائها ليخففوا من حملهم وكان معي لحظات انتظاري أخي الحبيب أبو حسن المدني رحمه الله ( قتل فيما بعد في عملية أخرى ) , وبعد أن اكتمل رفع جميع المقاتلين إلى أعلى الجبل , واصلنا المسيرة وعندما حان وقت الفجر صلينا بشكل منفرد , وأعطى الأمير أمره للجميع بالإفطار ذلك اليوم بسبب ما عاناه الشباب من إرهاق ولأن الوقت الذي ستستمر فيه المعركة غير معروف لكن أبو دجانة الشرقي أصر أن يبقى على صومه فسمه له الأمير تقديراً له كونه كان شخصية محبوبة ومحترمه من الجميع .
عند الساعة السابعة صباحاً وبعد أن أشرقت الشمس كنا قد وصلنا إلى خنادق العدو ولكن فجأة بدأ إطلاق الرصاص على إحدى المجموعات حيث كشفها العدو عندما بدأت المعركة , وهنا أقول مسألة أقسم عليها قد أجمع من حظر تلك المعركة من الإخوة بذلك وهو أنه عند بدء المعركة لم يعد أحد من الشباب يشعر بأي إرهاق أو تعب أو برد علماً أننا ظللنا في مسيرتنا ثلاثة عشر ساعة وكنا على قمة أعلى الجبل في البوسنة وفي فصل الشتاء والأرض مفروشة بالثلوج , بعد بدء المعركة انطلق الشباب بتكبيرهم كالأسود يسابقون طلقات رشاشاتهم إلى صدور الصرب وانقضوا على الخنادق من كل صوب ,فجن جنون الجنود الصرب وأخذوا يركضون فارين لا يدرون إلى أين فحيث ما اتجهوا واجههم الشباب يمعنون فيهم قتلاً وأسراً ولم يمضي من الوقت نصف ساعة على الأغلب حتى كان الشباب سيطروا على جميع الخنادق تماماً وأخذوا يطهرون المنطقة من أي بقايا للجنود الصرب ممن فروا , وبعد السيطرة الكاملة على المنطقة قام الجيش البوسني بعملية توزيع لأفراده لتأمين المنطقة ريثما تصل قوات الإسناد التي ستتولى التمركز هناك , وعند الظهر جاء الأمر لنا العرب بانتهاء مهمتنا من طرف أميرنا وأمرنا بالانسحاب فعدنا أدراجنا عائدين للبيت سالكين الطريق الرئيسي الذي كان يسيطر عليه الصرب وأصبح في يدنا الآن , وبعد أن هبطنا الجبل وجدنا بعض الإخوة ممن سبقونا ينتظرون وصولنا عند مسجد القرية , وبعد السلام عليهم رأينا في وجوههم الحزن الشديد بل وكان بعضهم يبكي محاولاً تصبير نفسه ولكن دون جدوى , عندها أدركنا أنه هناك من قتل من الإخوة ولكننا لا نعرف العدد وبدون مقدمات سألت أحد الإخوة من الذي قتل ؟ فأشار إلى شخص ممدد على نقالة الجرحى , فذهبنا لنتبين من هو فكانت المفاجأة أن من نال هذا الشرف العظيم وفي هذا الشهر الفضيل وفي يوم السابع والعشرين هو أخي الحبيب ( أبو دجانة الشرقي ) مشعل القحطاني رحمه الله وأسكنه فسيح جناته , لا أعرف كيف أصف تلك اللحظات الرهيبة والصدمة المؤلمة لفقد شخص مثله ولكني مازلت أذكر كيف كانت تقاسيم وجوه الشباب عندما رأوه وأثر الصدمة ظاهراً عليهم , فإذا هم ما بين باكٍ عليه ومترحمٌ ومهنئٌ له بالشهادة ولكن فجأة جاء أحد الإخوة وطلب من الجميع الانتباه ثم رفع لحية أبو دجانة حيث أنه كان كث اللحية ثم أشار إلى نحره حيث مكان الرصاصة التي قتلته , ثم قال لنا ( شوفوا يا إخوان صدق الله فصدقه ) فازداد بكاء من كان يبكي من الإخوة , أما ما سأذكره الآن فإني أقسم بالله على حدوثه وما كنت مضطراً للقسم لولا أن من يشكك في هذه الأمور وسوف ألقى الله على ذلك أنه وأثناء وقوفنا حول جثة أبو دجانة الشرقي أخذنا نشم رائحة عطرية عجيبة لم أشم في حياتي مثلها , فسألنا أحد الإخوة إن كنا نشم الرائحة فقلنا نعم , فسأل إن كان أحدنا يضع عطراً فأجبنا بالنفي لأنه من أين سنكون متعطرين بعد هذه المعركة وكل هذا الوقت , ففتش الأخ في ملابس أبو دجانة لأننا وجدنا أنا الرائحة تخرج منه فما وجدنا شيء عندما وقع الإخوة يده على الجرح في عنق أبو دجانة واشتم الدم وتبين أن الرائحة تخرج من دم أبو دجانة رحمه الله , فقد كان طيباً حياً وميتاً ولقد التقيت أحد الشباب بعد أربعة أشهر من العملية في ( زينتسا ) وأعطاني مصحفاً صغيراً وقال لي شم رائحته فلما شممته كانت رائحته عطرية زكية , فسألته عن نوع العطر فأخبرني أن المصحف كان مع أبو دجانة رحمه الله حين قتل , ثم أراني آثار الدم على المصحف وإن الرائحة هي من دمه وليست عطراً , عندها تذكرت الرائحة فكانت هي نفسها والله على ما أقول شهيد , وفي هذه العملية أصيب أخي الحبيب أبو محمد الكويتي ( مطر المطيري ) رحمه الله وكانت إصابته في قدمه , تم إعدامه في قضية مقتل رافضي في الكويت .
أود هنا أن أتكلم عن جانب مهم وهو الشعب البوسني بين الأمس واليوم عندما كان يرزح تحت ظلم الشيوعية وبطشها وطغيانها وسلخها للمسلمين قسراً من دينهم بشتى وسائل الإكراه على ذلك مما أوصل مسلمي البوسنة إلى حالة مزرية من فقدان الهوية الإسلامية حتى ما عادت لهم بالإسلام صلة إلا من خلال أسمائهم أو ما تبقى من كبار السن ممن مازالوا يعرفون شيئاً عن الإسلام , وبين اليوم وكيف انتشرت الدعوة الإسلامية على منهج السنة النبوية منافسةً البدع الصوفية المتواجدة هناك من بقايا الدولة العثمانية , وكان الشعب البوسني بعد انحلال الدولة اليوغسلافية يحاول لملة نفسه مرة أخرى , حيث انتخب (علي عزة بيكوفيتش ) رئيساً له وأنشئوا دولة البوسنة والهرسك وهي دولة في جملتها سكانها من المسلمين وهذا ما أرعب الدول الأوربية خصوصاً والعالم النصراني عموماً من حيث وجود كيان مسلم في داخل أوربا وهذا جعلهم يتذكرون الدولة العثمانية وخوفاً من عودتها ليس كما كانت عليه من حال فهي لم تعد تخيفهم في ظل تواجد الأجيال الجديدة التي تحمل فكراً إسلامياً لا يقبل الجدل ويسعى بالتعايش معه حسب رأيهم , وكانت الدولة البوسنوية الوليدة بعد دهر طويل من الاضطهاد تحاول استعادة إسلاميتها خصوصاً وإن رئيسها الأول هو من نتاج الإخوان المسلمين ولديه توجه إسلامي ولكنه مشوه بالفكر السياسي المعاصر , فانتشرت المساجد وأعيد فتح ما كان مغلق منها وبدأ الناس الباحثين عن هويتهم الأصلية يتعلمون أو لنقل وجدوا حريتهم في التعرف على دينهم ولكنهم وقعوا أسرى لما خلفته الدولة العثمانية ألا وهو الصوفية , فتمسكوا بها خصوصاً مع الهجوم الصربي الرهيب الذي واجهوه , وهذه هي الطبيعة البشرية في الأزمات حيث يلجئون مباشرة إلا الله من خلال ما يعتقدونه من دين , وبعد مجيء المقاتلين العرب مع العلم أنه كان يوجد غير العرب من ترك وعجم ولكن لكثرة العرب وأغلبيتهم أطلق عليهم هذا الاسم وما جاءوا به معهم من منهج ديني على سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أصبح البوسنيين في حالة ارتباك واضطراب وفي أحياناً قليلة هجوم شرس على هذه الدعوة الجديدة والتي لم يعرفوها قبلاً , ولكن الرعيل الأول من المجاهدين العرب كانوا على الأغلب ممن قاتل في أفغانستان سابقاً ولهم تجربة في مثل هذه المواقف تعتمد مبدأ صحيح في فهم الجهاد وهو لا جهاد بدون دعوة ولا دعوة من دون جهاد , فأنت بحاجة إلى أناس توحد الله وتعبده على بصيرة قبل أن تقاتل وتقتل في سبيله , فانتشرت الدعوة السلفية الصحيحة في أوساط الناس حيث كانت البوسنة في بداية مجيء المجاهدين العرب يصعب أن ترى فيها شخصاً ملتحياً ونادراً أن ترى امرأة ترتدي حجاباً شرعياً عن قناعة شرعية , ولكن بعد سنتين بحمد الله انتشر الحجاب الشرعي عن وعي وقناعة وكثر الشباب الملتزم بالمنهج الشرعي وبدأ الإسلام متمثلاًُ في المنهج النبوي الصحيح ينتشر في المجتمع البوسنوي بعد أن كان الأشخاص دون سن الأربعين قلةً منهم من يعرف الوضوء للصلاة أو حتى كيف يصلي , وهذا كله بفضل الله سبحانه وتعالى تم بفضل الإخوة الذين جاهدوا في البوسنة والذين اعتمدوا تدريس المنهج الشرعي للمقاتلين البوسنيين وأيضاً مارسوا الدعوة إلى الله في كل قرية أو مدينة سكنوا فيها .
إن الحديث عن البوسنة وعن الذكريات هناك قد فتح في قلبي ذكريات جميلة وحزن وشوق لأحبة كنا واريناهم الثرى هناك بعد أن سطروا بطولاتهم هناك ليس بقلمي الذي أكتب به ولكن بدمائهم الزكية الطاهرة وإني لأتوقف أحياناً في صفحات تلك الذكريات فأرى أياماً مباركة ووجوهاً نيرةً باعت أرواحها رخيصة لأجل هذا الدين , زهدوا في الدنيا عندما تشبث بها الناس وشدوا المئزر عندما ارتخى الناس وعزموا على أن لا يعودوا للأهل والأوطان إلا بنصر أو شهادة فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر , ومن الأحداث المؤلمة التي شهدها العالم بكل صمت هي مجزرة مدينة سريبسنتسا التي حدثت في عام 1995 فكانت مثالاً للوحشية والخسة الصربية التي حدثت هناك ومثالاً للحقد والتآمر والكيد بالمسلمين من جانب قوات الأمم المتحدة التي أعانت الصرب على هذه المذبحة البشعة وأعطتهم الضوء الأخضر ليمارسوا في المسلمين هناك ما يشاءوا من قتل واغتصاب وتشريد , وما حصل هو أن مدينة سريبسنتسا تقع داخل منطقة الصرب ومحاطة من جميع الجهات بالقوات الصربية وفي داخل المدينة وعلى أطرافها تتمركز قوات الأمم المتحدة الهولندية لحماية المسلمين كما يدعون كذباً حيث أنه كان هناك هدنة ووقف إطلاق النار , قامت القوات الهولندية بناءً عليه بسحب السلاح من المسلمين ومن القوات الصربية المتمركزة حول المدينة , وفي عام 1995 م في النصف الثاني من السنة قام الجيش الصربي بتأمين نفسه بأسلحة جديدة وبعد أن استعد أعلنت القوات الهولندية أنها لم تعد مسئولة عن حماية المدينة ثم انسحبت من جميع نقاط التمركز والحماية عائدين إلى قاعدتهم العسكرية ومغلقين على أنفسهم الأبواب ومفسحين للقوات الصربية المجال لأن تفعل ما تشاء بالمسلمين في المدينة , وبالفعل دخلت القوات الصربية وبدأت تمارس هوايتها المفضلة وهي ارتكاب المجازر البشرية بأفضل ما يمكن والاختصار والاعتقالات , وفي تلك الفترة جاءنا الخبر من الإخوة المتمركزين في مدينة توزلا أنهم بحاجة إلى عدد من المقاتلين العرب لأجل القيام بعملية عسكرية تتعلق بأحداث سربرنتسا فتوجهت أنا وبعض الإخوة إلى هناك وكانت طبيعة العملية العسكرية هي أن نقوم بهجمات عسكرية متفرقة في أماكن معينه لنشغل القوات الصربية فيها حتى يتمكن المسلمين الفارون من مدينة سربرنتسا من الوصول إلى مناطق المسلمين من طرق أخرى , وبالفعل قمنا بعدة عمليات أشغلنا الصرب فيها وجعلناهم يجتمعون في أماكن معينه حتى تيسر بحمد الله وصول المجموعة الفارة من سربرنتسا كنت من الذين استقبلوا الناس الهاربين وكان أغلبهم من أفراد الجيش البوسني الذي لم يجدوا سلاحاً يدافعون به فاضطروا للهرب بعد أن أخذوا معهم ما استطاعوا من الناس وقد صعقت عندما علمت منهم أنهم منذ عشرة أيام وهم يسيرون في الغابات هروباً من الصرب الذي بدئوا يطاردونهم ويقصفون بالمدفعية كل مكان يتوقعونهم فيه حتى مات بعض الأطفال وكبار السن جوعاً في الطريق حين لم يجدوا ما يأكلون سوى أوراق الشجر التي يطبخونها في الماء ويأكلونها فمات بعضهم من التسمم وتقرحت أفواه البقية ومرض آخرين من ذلك ومات آخرين من جراء الإصابات من رصاص الصرب أو من القصف فلم يجدوا ما يداووا به جراحهم حتى ماتوا , وقد تركوا بعض الجثث ملقيه في الغابات دون دفن في حين أصر البعض على حمل جثة قريبه أو صديقه إلى بر الأمان ليدفنه إكراماً لذكراه ومحبته , وقد رأيت شريط فيديو مع أحد الفارين حين أخذ يصور كل ما يدور من أحداث منذ دخول القوات الصربية وقتلهم للناس في الشوارع بطريقة هستيرية بهيمية وأيضاً أثناء هروبهم في الغابات وصور بعض ممن ماتوا من أطفال وغيرهم بعد أن قرروا تركهم وكان التصوير كارثة في توثيقه لهذه الأحداث وعاراً على هذا العالم المتحضر الذي يتشدقون فيه , وإني والله لعلى يقين أنه لن يصبر على مشاهدة ذاك الفلم المصور حتى أصحاب القلوب القاسية لما فيه من قسوة وفاجعة .
كانت السنة الأخيرة في البوسنة قبل عقد اتفاقية داتون هي سنة الفتوحات حيث من الله على المجاهدين هناك بالنصر في عدة معارك وكان العرب فيها هم الرقم الصعب وهم الحسم في كل معركة وكانت هناك ثلاثة معارك كبيرة وشبه متتالية تفرق بينها فترات زمنية قليلة وهي معركة ( الفتح المبين ) ثم ( الكرامة) ثم ( بدر البوسنة ) وكان هناك غيرها من المعارك التي حدثت في ترافنيك أو جزنبلي أو كوزلا , ولكنها كانت خاصة بمجموعة الزبير , وهنا أذكر بإيجاز العمليات الكبيرة المشتركة بين كتيبة المجاهدين العرب ومجموعة الزبير وهي عمليات مصورة بنفس اسم المعارك وليعلم كل من شاهد تلك المعارك و تولّد دليه أحاسيس ومشاعر حولها , إنني لا أعرف كيف أصفها أو أتكلم عنها فأنا لست صاحب قلم معبر ولكن في داخلي من الحنين والشعور بها ما لا يملكه أي من يحاول وصفها فإلا الله المرتجى أن لا يحرمنا أجرها وأن يجمعنا بأحبتنا الذين فقدناهم فيها .
( الفتح المبين )
كانت هذه العملية هي بداية عمليات النصر في البوسنة وكانت أيضاً بداية الهزيمة للصرب في مناطق المسلمين وكانت كتيبة المجاهدين العرب هم من قام بإعداد العملية العسكرية وتجهيزها ومن ثم تنفيذها مع الجيش البوسني في حين أن دور مجموعة الزبير كان استلام الخنادق المسيطر عليها من الإخوة في الكتيبة وتثبتها حتى يتم تأمينها تماماً ويستلمها الجيش البوسني بالكامل وقد أبلى الإخوة في بالكتيبة في تلك المعركة بلاءً حسناً وسيطروا على المراكز المخطط لها بسرعة كبيرة ولكنهم في تلك المعركة خسروا بل خسرت الأمة بأسرها رجلاً بألف رجل وهو أبو عبد الله الليبي رحمه الله رحمةً واسعة فقد كان رجلاً شجاعاً مقداماً وكأنه ولد ولم يولد الخوف معه فقد كان يذهب للترصد لخنادق الصرب قبل العمليات ويتسلل إلى داخلها لمعرفة عدد الموجودين فيها وكان لهذا التصرف يجعل أشجع الشباب في حيرة من شجاعته فرحمه الله من بطل همام .
( معركة الكرامة )
وهذه المعركة كانت الخطوة التالية في سلسلة الفتوحات في تلك الفترة وأدرك الصرب على إثر هذه المعركة أن المسألة لم تكن في معركة الفتح المبين مجرد انتصار مما زاد في توترهم وهبوط عزيمتهم وبث الرعب في قلوبهم وعلموا أن القادمين لهم طلاب موت وليسوا طلاب حياة , وكنت في هذه المعركة ضمن إحدى مجموعات الاقتحام التي اختيرت لاقتحام الخنادق الأمامية للصرب , وأذكر في الاستعدادات لهذه المعركة كيف زادت معرفتي بأخي الحبيب أبو معاذ الكويتي رحمه الله من خلال مراحل الإعداد والتجهيز للمعركة فقد كان هو المشرف على مجموعات الاقتحام وكنت أنا أميراً لأحد تلك المجموعات فكنت أجده رجلاً فذاً في عسكريته محباً لإخوانه دائماً ما تدور إستراتيجيته في الاقتحام إلى ضمان سلامة الإخوة أولاً ثم ضمان نجاح عملية الاقتحام وهذا الرجل لا يسعني في هذا المقام إعطائه حقه من الوصف والثناء فهو أكبر من ذلك بكثير , وأذكر لحظات مقتله بعد أن تم اقتحامنا للخنادق الأمامية للصرب بنجاح ثم توجهنا للقرى الخلفية التي كانت تعتبر مراكز خلفية للصرب من أجل تمشيطها أمنياً والسيطرة عليها وكان أبو معاذ رحمه الله من أول المتقدمين وأثناء عملية التمشيط وبعد أن تجاوزنا القرية الأولى كان الصرب قتل منهم من قتل وأسر من أسر وفر من فر , وأثناء التمشيط وعندما كان يسير أبو معاذ الكويتي بحثاً عن الفارين كان أحد الجنود الصرب قد ضاق به مكان فأينما اتجه وجد الإخوة يحيطون به فاختبأ خلف شجرة وعندما اقترب أبو معاذ منه خرج الصربي وباغت أبو معاذ بإطلاق الرصاص فكان أن رد عليه أبو معاذ في نفس الوقت فهلك ذلك الصربي مباشرة وأصيب أبو معاذ في أسفل بطنه بعدة طلقات سقط على إثرها يذكر الله مهللاً ومسبحاًَ وفاضت روحه إلى بارئها خلال دقائق خاتماً حياته بذكر الله كما كان دائماً فرحمك الله يا أبا معاذ وأسكنك فسيح جناته .
( معركة بدر البوسنة )
كانت هذه المعركة هي الخاتمة للصرب في كثير من مناطق البوسنة وكانت أيضاً هي بداية الزحف باتجاه مدينة بنيالوكا وهي عاصمة صرب البوسنة , وكانت المنطقة التي تمت بها العملية عصية على الجيش البوسنوي لمدة ثلاث سنوات حيث قاموا بكثير من العمليات العسكرية على هذه المنطقة ولم تنجح , وهي تعتبر منطقة إستراتيجية وكانت تدعى بوابة موسكو لأن من يستولي عليها يستطيع أن يسيطر على كثير من المناطق , ويسر الله لي أن أكون مرة أخرى في إحدى مجموعات الاقتحام , وكانت طبيعة الاقتحامات أن تكون دائماً بعد صلاة الفجر وقبل الشروق مباشرة وهذا هو التكتيك المجدي نفعاً في البوسنة , فاستعنا بالله في ذلك اليوم واقتحمنا على المناطق وكنا نتوقع معركة شرسة وصمود من الصرب على ماهم فيه من الهزيمة النفسية ولكن لأهمية المنطقة كنا نتوقع منهم الاستبسال من أجل البقاء فيها ولكن أراد الله إلا أن ينصر عباده , فبعد أن بدأت المعركة كانت قذائف المجاهدين وطلقاتهم تنزل على الخنادق الصربية مثل الحمم البركانية , وحاول الصرب جهدهم في صد الهجوم ولكن المعركة وبحمد الله لم تدم سوى عشرة دقائق حتى كان الشباب مسيطرين على جميع خنادق الصرب متمركزين فيها , وقد قتل الإخوة في هذه المعركة الكثير من الصرب وأسروا الكثير أيضاً , وفي نفس الوقت فقدنا في هذه المعركة عدداً ليس بالقليل من الشباب بل وكانوا صفوة من الشباب الذين أراد الله لهم الشهادة في هذا النصر الكريم فقد قتل في هذه المعركة أبو ثابت المصري رحمه الله المسئول العسكري في كتيبة المجاهدين ذلك الرجل البسيط المتواضع بالهمة العالية , رجل عظيم في حقيقته بسيط أمام إخوانه رحمه الله وأسكنه جنات النعيم , وقتل أخرين أذكر منهم أخي الحبيب الغالي فياض اليمني رحمه الله وهو أحد الإخوة من مجموعة الزبير في توزلا , رجل حافظاً للقرآن عابداً لله رقيق النفس طيب المعشر , وأخي الحبيب الغالي خطاف البحريني ذلك الرجل العجيب الذي ما حمل يوماً ضغينة لأحد رجل كثير الفكاهة ما يجلس مجلساً إلا ويدخل السرور على قلب إخوانه وكان محبوباً من كل من عرفه وحق لمن بكوا عليه حين مقتله أن يكثروا من الدموع عليه رحمهم الله جميعاً وأسكنهم فسيح جناته .
بعد هذه المعركة بالذات توالت الفتوحات وسقطت مدينة ماقلاي أحد معاقل الصرب وبدأ الإخوة يتجهون باتجاه مدينة بنيالوكا حتى أصبحوا يبعدون عنها بما يقارب الثلث ساعة مسيراً بالسيارة , في هذه المرحلة جن جنون الإتحاد الأوربي والعالم الغربي عموماً وبدئوا في تحركاتهم السياسية في محاولة لوقف هذا الزحف الجهادي الذي يرون أنه نذير شؤم عليهم ولم يطل الأمر كثيراً حتى رضخت الحكومة البوسنوية للضغوط عليها وأعلنت وقف العمليات العسكرية وأعلن عن توقيع اتفاقية ( دايتون ) والتي كان من ضمن شروطها إخراج المجاهدين العرب من البوسنة .
في تلك الفترة تباينت الآراء لدى الإخوة هناك بين مستسلم للأمر الواقع وبين رافض لوقف العلميات القتالية ولكن في نهاية المطاف اضطروا للاستسلام لأن المسألة كانت جدية في الضغط على الحكومة البوسنوية وتهديدها فكانت إن استسلمت وألزمت العرب بوقف القتال , وأذكر أنه تلك الفترة حصل حدث رهيب كاد أن يقلب الأوراق على الطاولة في الواقع البوسنوي وذلك حين تم اغتيال الشيخ ( أنور شعبان ) رحمه الله المسئول الشرعي في كتيبة المجاهدين وقتل معه مجموعة من القيادات أذكر منهم أبو الحارث الليبي الأمير السابق لكتيبة المجاهدين وأبو زياد النجدي وأبو همّام الشرقي رحمهم الله أجمعين , وكان اغتيالهم في منطقة كروات البوسنة التي كان يعبرونها متوجهين إلى مدينة فزوتشا التي فتحت أثناء المعارك الأخيرة , ثار الشباب وقتها مطالبين بالثأر والهجوم على تلك المناطق الكرواتية وكثر اللغط حتى كادت أن تكون فتنة بين المقاتلين العرب بسبب ذلك , فتدخلت الحكومة البوسنوية طالبة من الكتيبة عدم القيام بأي عمل عسكري قد لا تكون عواقبه حميده على الصعيد العام , وبعدها كان قرار قيادة كتيبة المجاهدين نسيان ما حدث وكأن شيئاً لم يكن وهو القرار الذي سيظل يلاحقهم مذكرهم بالعار الذي ارتكبوه بهذا القرار والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل .
في هذه الأجواء قرر الكثير من الشباب الخروج من البوسنة وكنت أنا أحدهم والبعض الأخر قرر البقاء بعد أن منحتهم الحكومة البوسنوية الجنسية البوسنوية فاستقروا هناك كمواطنين .

وللحديث بقية

رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 04:23 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Design And Develop By DevelopWay

تصميم : طريق التطوير
لحلول الإنترنت والتصميم DevelopWay.com