سعد فهد الحرمل
أزمة تطفو على السطح في كل مرة يقترب موعد الاقتراع لانتخابات مجلس الأمة في الكويت، وفي ظل الحل الدستوري المتكرر فإنه من الطبيعي أن تتكرر هذه الأزمة تزامناً مع كل انتخابات تعقبه.
تلك الأزمة كما يطلق عليها من يجرمها وهي الانتخابات الفرعية، وفي رواية أخرى الفرعيات والتي لم تكن مجرمة طوال تلك الفترة التي حازت خلالها على اليوبيل الفضي منذ عام 1971 حتى عام 1998 الذي تم تجريمها فيه، مع العلم أن هذه الانتخابات كانت تقام بشكل علني وتحت اشراف وزارة الداخلية.
فما الذي طرأ فجأة لتصبح جريمة؟ ولمصلحة من؟ وبالرغم من صدور القانون المشبوه بتجريمها إلا ان الحكومة لم تطبقه خجلا ولعدم الاقتناع، ليظل ذلك القانون خاملا لعدة سنوات تلت صدوره، الى أن وصل بعض مثيري الفتنة والجيل الثاني المطور لمن سعوا في استصداره في المرة الأولى الى كرسي البرلمان وعملوا على تنشيطه وإثارة الفتنة وبث الفرقة في المجتمع الكويتي من جديد.
وقبل أن نشرع في مقالنا هذا يستلزم علينا توضيح ماهية الانتخابات الفرعية وذلك لتتضح الصورة أمام العديدين ممن اتبع سياسة القطيع وركب موجة التجريم وأصبح بوقاً يردد كلاماً لا يفقه.
فالانتخابات الفرعية ما هي إلا تصفيات تقوم بها العائلة الكبيرة أو الطائفة أو الحزب أو التكتل أو القبيلة لتزكية بعض أبنائها لخوض الانتخابات العامة ولتوحيد الصف والجهد ورفع نسبة النجاح في الحصول على مقعد في البرلمان.
وهي أي، الفرعيات، وبشهادة المنصفين والمحايدين ما هي إلا ممارسة اصيلة وتفعيل للديمقراطية، حيث إن أعرق الدول ديمقراطية تجري هذه الانتخابات الفرعية كالولايات المتحدة وبريطانيا، الا اذا كنا اعرق من هذه الدول بالديمقراطية فهذا شيء آخر.
أما عن سبب ربط تلك الانتخابات بالقبائل فهو علانيتها في اجراء تلك الانتخابات ووضوحها عن غيرها بسبب كبر حجمها، فالقبيلة ما هي الا عائلة كبرت بمرور الزمن، إلا ان القيامة لا تقوم إلا عند اجراء القبيلة لتلك الفرعية، وما عدا ذلك مباح بالرغم من أن القبيلة ليس لها امتداد سياسي من الخارج كما هو الحال بالنسبة لبعض الأحزاب، كما انها لا تتحكم ولا توجه النائب كما هو الحال في الأحزاب السياسية والتي تحرك النائب وفقاً لمصالحها الحزبية والسياسية، في حين أن أهداف القبيلة اجتماعية فما المشكلة إذا، ولماذا التجريم بعد أن كانت علنية كما اسلفنا؟! هذا ما سنتطرق اليه تفصيلاً.
اذا ما أردت ان تتعافى من علة ما أو مرض، فإنه ينبغي عليك أن تكشف عن جميع الأعراض التي تشعر بها وتتحدث صراحة للمعالج عن جميع التفاصيل وأدقها ليسهل عليه تشخيصها ويتمكن من تقديم العلاج الناجع لها، وفي قضيتنا هذه التي تناولها العديدون، ولكن من منطلق (ولا تقربوا الصلاة) ومنعتهم أهواؤهم من الوصول الى (وأنتم سكارى)، سنتطرق بها إلى أدق التفاصيل ونكون أكثر صراحة وإنصافا ونذكر ما لم يذكره الآخرون، لنضع الأمور في نصابها الصحيح، فأينما وجد الحسد وجدت العنصرية والأنانية، والحسد غريزة بشرية موجودة في كل إنسان تفتك به قبل الآخرين، إن تملكته ولم يسيطر عليها، وفي الكويت نتميز عن بقية بلدان العالم بأننا بلد منتج للحسد بجانب النفط، وكما تعلمنا في الجيولوجيا أن النفط عبارة عن بقايا أحافير وكائنات تحللت على مدى القرون السابقة لتقدم لنا شيئا نافعا وهو النفط، فإن لدينا أيضا كائنات وطحالب وطفيليات لم تتحلل ولكنها أنتجت لنا هذه المرة شيئا ضارا وهو الحسد، ولا نزايد على شفافية صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد، حفظه الله ورعاه، حينما أعلنها بكل صراحة أن الحسد الموجود في الكويت يغطي الصين، فأساس العملية كلها إذا هو الحسد وهو سبب رئيسي للسرطان الاجتماعي وجميع الأمراض الاجتماعية الأخرى.
عودة مرة اخرى الى الفرعيات وأسبابها والقائمين عليها، وأسباب تجريمها وكيفية القضاء عليها، فكما تقدم فإن الجميع يجري هذه الفرعيات، ولكن الأمور لا تتأزم الا عند اجراء القبيلة لها، فهناك من يتحسس من ذكر القبيلة ويعكف على محاربتها آناء الليل والنهار لعقد وتراكمات نفسية متأصلة لديه، وبما ان الأمور تبدأ بالكليات وتنتهي بالفرعيات أو لنقل بالجزئيات حتى لا يتم تجريمنا، وبسبب الحسد، كما أشرنا، فإن أساس الصراع في الكويت يبدأ من مناطق داخلية ومناطق خارجية ثم يتفرع إلى حاضرة وقبائل ثم يتفرع الى سنة وشيعة إلى أن يتفرع الى بيسري وابن عائلة أصيل الى أن يصل الأمر بين أفراد العائلة الواحدة ما لم يتم إيقافه.
وبما القبيلة وجدت نفسها وبفعل فاعل في دوائر ومناطق خارجية كبيرة جدا مقارنة بالمناطق الداخلية، من حيث المساحة وأعداد الناخبين وبسبب إحساس أبنائها بالظلم وعدم المساواة مقارنة بغيرهم عند التقدم للوظائف ولو كانوا الأجدر وكأنهم في سباق قفز للحواجز يقفزون فيه على العوائق والعراقيل التي تنصب لهم، لذا فإن القبائل تجد نفسها مضطرة لإجراء الانتخابات الفرعية لإيصال من يمثلها إلى البرلمان ليكون صوتا لها يطالب بحقوق أبنائها وخدمات مناطقهم الخارجية التي عادة ما تكون ناقصة أو أقل جودة من تلك الموجودة بالمناطق الداخلية حتى في نوعية الدواء المتوافر في المستوصفات والمراكز الصحية، وخير مثال على ذلك هو ذلك التعميم الذي أصدره عبدالرحمن النيباري مدير عام مؤسسة الموانئ سابقاً إبان توليه للمنصب، واستطاع النائب السابق مفرج نهار الحصول على نسخة منه وتم نشره في الزميلة "الوطن" الذي ينص صراحة على: عدم تعيين أبناء القبائل والمناطق الخارجية، وهو غيض من فيض، والغريب في الأمر أن معظم هؤلاء ينكرون ما يضمرون ويتبجحون بالمساواة والوحدة الوطنية والعمل الوطني. ولو ان شخصا غريبا عن الكويت قرأ ذلك الكلام لتوقع ان مساحة دولة الكويت بمشاكلها تلك تماثل مساحة الولايات المتحدة الأمريكية او الاتحاد السوفييتي قبل (الصرف) والتفكك، لكنه الحسد وعدم المساواة.
كان ذلك عن الفرعيات وأسبابها والقائمين عليها طوال ربع قرن ونيف من الزمان، ويبقى السؤال معلقا ما الذي طرأ ليتم تجريمها فجأة؟ والجواب هو: لأن مخرجات الفرعيات لم تعد تتناسب مع أهوائهم، وبما أن القبائل مشهورة بولائها لحكوماتها كانت الفرعيات بالسابق تخرج نوابا لا يحملون شهادات عليا قلما عارضوا الحكومة، لذلك كانوا دائماً ما يوصمون بالحكوميين والمهادنين وأنهم سبب تأخر البلاد بسبب عدم معارضتهم للحكومة لأن الحكومة لا تعمل لصالح البلاد في نظرهم، ولكن بعد ان أخرجت الفرعيات حملة الدكتوراه والشهادات العليا والمفكرين من ابناء القبائل والذين عارض بعضهم خط الحكومة ولكنه لم يوافق اهوائهم، استاؤوا منهم وقاموا هم بالتفادي عن الحكومة والدفاع عنها، ليت شعري!! إذا ما عارض أبناء القبائل اصبح الأمر قلة أدب وتطاولاً، وإذا لم يعارضوا اصحبوا مهادنين، اما البقية اذا ما عارضت اصبح عملاً وطنياً واذا ما هادنت أصبح ولاءً، والأمر في حقيقته ليس الا حسدا وعدم توافق الأهواء.
من الأمور المضحكة أن هؤلاء يدعون أنهم يحاربون الانتخابات الفرعية كونها قد تظلم الكفاءات في القبيلة وانها على أساس عرقي وليست على أساس فكري محاولين ايهامنا بأنهم حريصون على القبيلة وأبنائها (يا حرام قلبك عليهم)، ولكن ما المانع، لنتغابى قليلاً ونحاول تصديق ذلك، بيد أن الواقع يقول عكس ذلك فمعظم مخرجات الفرعيات كانت أهل الفكر وحملة الشهادات ولم يعد الأمر يقتصر على الفخذ الأكبر من القبيلة والنتائج خير برهان، ثم من أعطاكم الحق لتقيموا الكفاءات حسب أهوائكم، وهل يريد هؤلاء أن يقنعونا بأنهم من الكفاءات؟
طيب، لننزع عقولنا مرة اخرى، ثم دعونا نطرح عليهم هذا السؤال، اذا كان الانتخاب على اساس عرقي مرفوض وأنه يجب مراعاة الكفاءة، فهل الانتخاب على أساس طائفي مقبول كما حدث في فرعية الدعية الشهيرة؟! أم أنه يجوز لكم ما لا يجوز لغيركم؟ أفتونا جزاكم الله خير.
من ضمن الحيل الأخيرة التي لجأ اليها الشعوبيون أو محاربو القبائل هو التشكيك في ولاء القبائل من خلال اتهامهم بازدواج الجنسية ومن ثم المطالبة بملاحقة مزدوجي الجنسية، فإذا ما كنت احد ابناء تلك القبائل المنتشرة في شبة الجزيرة العربية على سبيل المثال لا الحصر كقبيلة عتيبة أو مطير أو العجمان أو الهواجر أو قحطان أو الدواسر أو حرب أو غيرها من القبائل الكريمة فأنت محل شبهة؛ لأن هناك من يحمل نفس اسم قبيلتك في بلدان شقيقة أخرى، فإذا كانوا يتعاملون مع القبيلة وكأن عدد أفرادها لا يتجاوز 50 فرداً وليس مع قبيلة يصل أعدادها بالملايين على امتداد المنطقة، وفي معظم الأحيان لا يعرف أفرادها بعضهم بعضاً، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في تلك القضية بالذات هو كيف سيكون تعاملهم مع العوائل الكبيرة والتي تحمل الاسم نفسه، وأيضا على سبيل المثال لا الحصر كالرومي والراشد والمدلج والبسام والعنجري أو العنقري والمجرن أو المقرن والعجلان والجلاهمة فهل هؤلاء مزدوجو جنسية أيضاً، ومع تأكيدنا الكامل باحترام جميع هذه القبائل والعوائل الكريمة، ولكنه من باب الاستشهاد بالشيء لا أكثر. ولا ضير في ذلك لدينا، ولكن بما ان القانون يجرم ازدواج الجنسية فإنه يجب ملاحقة جميع مزدوجي الجنسية من حملة الجنسيات الأخرى كالعراقية مثلا والامريكية والبريطانية والايرانية وبقية دول الخليج، وإن كنت متاكدا من أن السحر سينقلب على الساحر حينما يفتح هذا الملف خاصة اذا ما اتجهت شمال الرياض أو للدول الغربية، وفي رأيي أن الأمر بات جلياً.
وفي أحدث وآخر صيحة في محاربة القبائل هي تلك المحاولة المضحكة والبائسة في نفس الوقت، فبعد التجريم وبعد أن استصدروا قانونهم سيئ الذكر، ولان القبائل أقرب للفطرة والدين من غيرهم، لجأ أولئك الشعوبيون إلى البحث عن شيخ (نص كم) لاستصدار فتوى تقضي بتحريم الانتخابات الفرعية بحجة أن التعصب للقبيلة حرام، في حين أن التعصب للعائلة والفئة والطائفة والمنطقة حلال في شرعهم، وبشكل أوضح أي تعصب ضد القبيلة وأبنائها جائز شرعا وما عداه لا يجوز، ياسلام على دينكم.. تحت الطلب.
صراحة وقبل أن أختم، يحزنني أن أضطر الى هذا النوع من الكتابة ولكن كما يقال في المثل الشعبي "ما دون الحلق الا اليدين"، ومن أجل وضع النقاط على الحروف وكشف تلك الشعارات الكاذبة بعد أن أصبح التطاول على القبائل ذريعةً للإصلاح وفاحت رائحة الشعوبية التي قوضت أركان بني العباس يوما من الأيام وأزكمت الأنوف وأساءت للبلاد والعباد، وستبقى القبائل وأبناؤها الذين قال فيهم الفاروق: "إنهم أصل العرب ومادة الإسلام"، وما محاولة النيل منهم أو الانتقاص لتغير شيئا من أصالتهم ودورهم الذي سيستمر ويتواصل حتى اشراط الساعة وما سيواجه الامة في مستقبل نهضتها القادم بإذن الله.
ختاماً، نصيحة نسوقها لمحاربي القبائل من الفرعيات، إذا كنتم فعلاً تنشدون الاصلاح فإن أفضل طريقة لمحاربة الفرعيات هي إشاعة العدل والمساواة وتكافؤ الفرص والأمان الاجتماعي بين الجميع في الوظائف والخدمات وتعديل الدوائر الانتخابية وعدد المرشحين بالتساوي، حتى يشعر ابن القبيلة وغيره بأن الحقوق والواجبات متساوية للجميع، وعليه فلن يكون مضطراً للخوض في انتخابات فرعية من اجل شخص ما، وذلك لأنه لم يعد بحاجة اليه، وفي هذه الحالة تنتفي الحاجة الى الانتخابات الفرعية تلقائياً، وحتى ذلك الحين.. أنا فرعي حتى النخاع.