المريض الــجديد الذي جاءوا به مــن السـجن وأغلقـــوا
عـليه باب الــغرفة رقم ثلاثة بالمــستشفى العــسكري
لم يذق طعم النوم من شدة الحر
مرة عليه ســـاعات وهــو يذرع الـــغرفة ببصره
ويتأمل نافذتها الـعاليه التي تسـدها القضبان
فلا يجد فرقاً يذكر بينها وبين الزنزانة التي كان فيها
ربما كان السرير والطاولة والطبيب الذي يمُر عليه والمُمَرضة التي تعطيه الحقنة تؤلف :
نافذة اضافية يطل منها على الخارج
ولكنها : زنزانة في النهاية
وكل غرف السجون واحدة
وتلفت نحو شق في الحائط تدخل منه الشمس في خيط رفيع كذيل (البرص)
ثم عاد فركز بصره على النافذة التي تسدها القضبان
وكان وهج الشمس يلمع في النافذة والحر يجثم على المستشفى مثل خيمة من لهب
والمرضى يغطون في النوم وقد تراخوا على الأسرة مثل شرائح اللحم المسلوق
وقد فقدوا القدرة على الحركة إلا هو فقد ظل يتقلب في فراشه ..
وما لبث :
أن قام ..
وغادر الغرفة..
ومشى طويلا في الممر حتى بلغ الباب..ومن الباب كان يرى غرفة الضابط المناوب
وشاهد الحارس يدور كالنحلة في الخارج حول مبنى المستشفى وقد حمل (بندقيته) ..
وانتظر حتى اقترب منه الحارس ثم قال في صوت خافت :
يا عسكري .. عطني (سيجارة) ..
ممنوع.
طيب ..ممكن اكلم الضابط ؟
ممنوع.
طيب أقدر اطلع اقعد شوي على الباب ؟ أنا بموت هنا ..وأحس اني اختنقت
اقوللك : ممنــــــــوع
هو أنا اقدر اهرب !! انا جنبي مفتوح ومسوي عملية !!
انا ما يهمني .. مش شغلي..
وادخل داخل ممنوع الوقوف وراء الباب..
وكان وجه العــسكري جـامداً وهــو يتكلم عـن الأوامر
وكان التعب يبدوا من تحت ملامحه الجامده المرهقه
يتصــبب عـرقاً وعيناه تتألقان كــجمرتين مُـــلتهبتين
كان الحارس مريضاً !
ومضى يترنح ليكمل منــاوبته..بينما ظل السجين واقــفاً
يتأمل شبحه الطويل النحيل وهو يختفي عند المـنحنى
ويفكر في الـحر والـغبار الذي يـلـــسع ظــهره كالــكرباج
وظل واقفا في مــكانه مدة طـــويلة..لايدري كم من الزمن ربما ساعة أو أكثر
ثم أفاق أخيراً على صوت أقدام تقترب ..وشبح نفرين يحملان شيئاً في نقالة!
وحينما اقتربت الأشباح !!
استطاع السجين ان يميز الشئ المحمول :
كان هو الحارس بنفسه وهو يهذى من ضربة الشمس
.....
في المساء :
نزل السجين مرة اخرى ليقف خلف الباب وكان المنظر هو نفس منظر الصباح
لم ينقص منهُ شئ إلا الحارس الذي مات..والشمس التي
غــابت..وحــلة محــلها عباءة ســــوداء تــلف الصـحراء كلها
وكان الحارس الجديد يكنس الرمل من امام الباب وقد حمل بندقيته
فكر السجين لحضة .. ثم نادى بصوت خافت :
يا عسكري .. لو سمحت (سيجارة)
ممنـــوع ..
طيب ممكن اكلم حضرة الضابط ؟
ممنـــــوع..
طيب ممكن اطلع شوي قدام الباب ..بموت جوّه
اقوللك ممنوع..
ونا أقدر اهرب...أنا ...
مالي شغل ..الأوامر كذا
ومضت لحضه اخرى خُيل للسجين فيها أنه يرى الأشياء بالعكس..
حتى لقد بدأ يتساءل ..
من يكون سجين هذه الأوامر ومن الذي يذهب ضحيتها..هو..أم الحارس !!
لقد مات الحارس..أما هو فما زال حياً يتنفس ملء رئتيه !!
وخُيل إليه وهو يطل من القضبان أنه حر طليق في غرفته..
وأنهُ يطل على حارس جديد مسكين في العراء لايدري أحد متى تضربه الشمس هو الآخر فتقتله
.....
ثم عاد الى غرفته وهو يحمدالله..
انه لم يكن سجاناً بل سجيناً وهناك في العراء القريب من هو اتعس منه !!