قال لصديقه القديم حين رآه بعد عشرات السنين.. تصدق يا أخي أنه من أول وهلة رأيتك فيها بعد كل تلك السنين ظننتك ليبرالي الأفكار والتوجه.! فرد عليه صاحبه.. وما الذي جعلك تظن ذلك؟.. قال: مظهرك الخارجي إضافة إلي أني كنت اعلم مسبقا انك درست سنوات ليست بالقليلة في الولايات المتحدة.. فرد عليه متسائلاً: وما الذي جعلك تغير رأيك إذاً؟ قال.. حديثي معك ومعرفة أفكارك التي تنم عن شخص ملتزم ومحافظ هي التي جعلتني اعرف أني جانبت الصواب بحكمي.. فقال له صديقه.. ولكن اسمح لي أن أقول لك ان الصواب جانبك أيضا هذه المرة.. فانا ليبرالي، ولكني ملتزم بتعاليم ديني!.. أرى علامات الدهشة بادية عليك يا صاحبي.. نعم أنا ليبرالي ملتزم.. فبما أنك سمحت لنفسك بتصنيف الناس على حسب مظهرهم الخارجي، فجعلت هذا ليبراليا وهذا ملتزما.. وذاك طالب علم ينادى بالشيخ حتى ولو أن عمره لا يتجاوز السادسة عشرة والآخر متحررا علمانيا بسبب انه لم يتقيد بهيئة معينة في اللباس، ولم يعف لحيته ويحف شاربه، وفي الجانب الأخر حكمت على أشخاص بأنهم رجعيون متزمتون بسبب مظهرهم الوقور البسيط آخذين نفس آليات تصنيفك الغريب.. لذلك يسرني ويسعدني أن أزف لك بزوغ نجم طبقة جديدة وسطى كما هو ديننا الإسلامي الحنيف.. منفتحة على الآخر.. تؤمن بالحوار ومقارعة الرأي بالرأي.. ملتزمة بتعاليم الدين الحنفيف عن قناعة وايمان راسخ ، وليس من باب التعود والعادة.. تكره التطرف المقيت والانفتاح العقيم.. تتفاءل بمستقبل زاهر ولا تندب حظها العاثر.. تعمل العقل بدون تقليل من شأن النقل.. تنظر نظرة شاملة للمشروع الإسلامي الكبير وتؤمن أن الشيطان يكمن في التفاصيل.. فلا تخطئ من ضم يديه الى صدره في الصلاة ولا من أسبلهما فالكل عند الله مقبول.. وأن الاختلاف في هذه الأمور رحمة..
ألا تعلم يا صاحبي أن من العلامات الصحية في تطور المجتمعات هو زيادة عدد الطبقة الوسطى، التي ينتمي لها المعلم والطبيب والمهندس والعسكري، لذلك أجد انه من علامات صلاح مجتمعنا هي زيادة القاعدة الوسطية التي لا تحتاج الى الالتزام بمظهر معين يحدد انتماءها، بل هي القناعة والإيمان بالمبادئ..
فما أروع التوسط في كل الأمور التي لنا فيها خيرة.. والالتزام بالتعاليم الدينية التي لا خيرة لنا فيها..
والتوكل على الله في كل شيء.. والأخذ بكل ما هو جيد لدى شعوب الأرض ، ونبذ كل ما هو سيىء لدينا.. بدون عصبية أو تعصب..
لذلك فانا ليبرالي حر منفتح على الأخر، ملتزم معتدل وسطي.. باختصار أقول لك.. أنا ليبرالي
موضوع لي نزل في صحيفة الرياض أمس الجمعة حبيت تتطلعون عليه تحياتي لكم