السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عــقـــلاء الــــمـــجانـــيــــن(1-3)
سعدون المجنون
قال يحيى بن أيوب: خرجت يوماً إلى مقابر باب خراسان, ثم جلست في موضع أرى منه
مَن يدخل المقابر, فنظرت إلى رجل دخل المقابر مقنعاً, فجعل في المقابر كلما رأى قبراً
محفوراً أو منخسفاً وقف عليه وبكى.
فقمت رجاء أن أنتفع به, فلما صرت إليه إذا هو سعدون المعتوه, وكان يكون في كوخ
مقابر عبدالله بن مالك, فقلت له: ياسعدون أيَّ شيء تصنع؟ فقال: يايحيى هل لك في
أن تجلس, فنبكي على بِلَى هذه الأبدان قبل أن تبلى, فلا يبكي عليها باكٍ؟ ثم قال: يايحيى
البكاء من القدوم على الله عزوجل أولى بنا من البكاء على بِلَى الأبدان, ثم قال: يايحيى:"
وإذا الصُّحُف نُشِرَت" ثم صاح صيحة شديدة وقال: واغوثاه بالله مما يقابلني في الصحف.
قال يحيى : فغشيّ عليّ, فأفقت وهو جالس يمسح وجهي بكمّه, وهو يقول: يايحيى من
أشرف منك لو مُتّ ؟
ــــــــــــــــــــــــ
قال الفتح بن سخرف: كان سعدون صاحب محبة لله , صام ستين سنة حتى خف دماغه,
فسماه الناس مجنوناً لتردد قوله في المحبة, فغاب عنا زماناً فبينا أنا قائم على حلقة ذي
النون رأيته عليه جبة صوف, وعليها مكتوب: لا تباع ولا تشتري , فسمع كلام ذي النون
فصرخ , وأنشأ يقول:
ولا خيرَ في شكْوى إلى غير مشتكي , ولا بدّ من سلوى إذا لم يكن صبر
ــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد بن عبدالله بن ميمون قال: سمعت ذا النون المصري يقول: خرج الناس إلى الإستسقاء
بالبصرة , فخرجت فيمن خرج , فبينا أنا مارّ بين الناس إذا بيديْن قبضتا على رجْلي , فقلت:
من أنت ؟ خلّ عني. فقال: أنا سعدون المجنون أين تريد يا أبا الفيض؟ قلت: أريد المصلّى
أدعو الله تعالى فقال: بقلب سماويّ أو بقلب جاف؟ فقلت: بقلب سماويّ. قال: انظر يا ذا
النون لا تُبَهْرج , فإن الناقد بصير. وقال: تدعو الله , وأؤمّن على دعائك , أو أدعو الله,
وتؤمّن على دعائي ؟ فقلت: تدعو أنت وأؤمن عليه.
قال: فصفّ قدميه , ثم قال: إلهي بحق البارحة , إلا أمطرْتَنا. قال ذو النون: لقد رأيت الغيوم
قد ارتفعت عن اليمين والشمال حتى التقت , فجاءنا المطر كأفواه العَزالي , فقلت له: بحق
معبودك أي شيء كان بينك وبين الله البارحة؟ فقال لي: لا تدخل بيني وبين قُرّة عيني. قلت:
لابد أن تخبرني , فأنشأ يقول:
أنستُ بهِ فلا أبغي سواهُ مخافةَ أن أضلّ فلا أراهُ
فحسبكَ حصرةً وضَنىً وسُقماً بطرْدِ ك عن مجالس أولياهُ
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ذو النون: رأيت سعدوناً في المقبرة في يوم حارّ , وهو يناجي ربه عزوجل بصوت عال,
ويقول: أحد أحد . فاتّبعته فسلمت عليه فرد علي السلام , فقلت له: بحق من تناجيه إلا
وقفت لي وقفة. فوقف وقال لي: قُل وأوجز. فقلت: أوصنِي بوصية أحفظها عنك , أو تدعو
لي بدعوة فقال:
ياطالَب العلم ههنا وهنا ومَعدنُ العلم بين جنْبيكا
إن كنت تبغي الجِنَان تدخلها فأذْرِف الدمعَ فوْق خديكا
وقم إذا قام كل مجتهد وادع لكيما يقول: لبيكا
قال ثم مضى , فقال ياغياث المستغيثين أغثني . قلت له: ارفق بنفسك , فلعله يلحظك بلحظة ,
فيغفر لك , فنفض يده من يدي وعَدا يقول:
أنستُ بهِ فلا أبغي سواهُ مخافةَ أن أضلّ فلا أراه
فحسبكَ حصرةً وضَنىً وسُقماً بطرْدِ ك عن مجالس أولياهُ
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الأصمعي: مررت بسعدون المجنون , فإذا هو جالس عند رأس شيخ سكران يذب عنه ,
فقلت له : سعدون مالي أراك جالساً عند رأس هذا الشيخ؟
فقال: إنه مجنون, فقلت: أنت المجنون أو هو؟ قال: لا بل هو. قلت: من أين قلت ذلك؟
قال: لأني صليت الظهر والعصر جماعة, وهو لم يصل جماعة, ولا فرادى. فقلت له: فهل
قلت في ذلك شيئاً, فأنشأ يقول:
تركت النبيذ لأهل النبيذ وأصبحت أشرب ماءً قَراحا
لأن النبيذ يذلُّ العــزيــزَ ويكسو الوجوه النضار الصّباحا
فإن كان ذا جائزاً للشبابِ فما العذر فيه إذا الشيبُ لاحا؟
فقلت: صدقت. وانصرفت
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صالح المري: قرأت بين يدي سعدون المجنون:"كأنهن الياقوت والمرجان". فصرخ,
ثم قال: مِلاّح والله. ثم أنشأ يقول:
إن في الخلد جارية هيَ حسنٌ كماهِيه
لو تراها على النما رق بالغُنْج ماشيهْ
لتمنّيت أنها لك ما عشتَ باقيه
كتبت في شقائق الخد سطراً بغاليه:
أنا للزاهد الذي عينهُ الدهر باكيَهْ
من كتاب صفة الصفوة(الجزء1 و2)
لإبن الجوزي
إذا هل لنا يا أعزائي أسوة في هذا المجنون؟؟
الذي لو أنه عاش في زماننا هذا
لعرفتم أنه والله
ليس فقط أعقل المجانين
بل وأعقل العقلاء
العقلاء الذين تخلوا عن آخرتهم لدنياهم
وسيكون لنا وقفة أخرى إن شاء الله
مع غير سعدون المجنون في أخبار عقلاء المجانين
دمتم بحفظ الرحمن
أختكم الثــــريــا