هي بسوس بنت منقذ التميمية خالة جساس بن مرة بن ذهل الشيباني قاتل كليب، وكان من حديثه أنه كان للبسوس جار من جرم يقال له سعد ابن شمس، وكانت له ناقة يقال لها سراب، وكان كليب قد حمى أرضاً من أرض العالية في أنف الربيع فلم يكن يرعاه أحد إلا إبل جساس لمصاهرة بينهما، وذلك أن حليلة بنت مرة أخت جساس كانت تحب كليباً، فخرجت سراب ناقة الجرمي في إبل جساس ترعى في حمى كليب، ونظر إليها كليب فأنكرها فرماها بهم فاختل ضرعها فولت حتى بركت بفناء صاحبها وضرعها يشخب دما ولبناً، فلما نظر إليها صرخ يا للذل، فخرجت جارية البسوس ونظرت إلى الناقة فلما رأت ما بها ضربت يدها على رأسها ونادت: وا ذلاه. ثم أنشأت تقول:
لعمرك لو أصبحت في دار منقـذ = لما ضيم سعد وهو جار لأبياتـي
ولكنني أصبحت فـي دار غـربة = متى يعد فيها الذئب يعد على شاتي
فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحـل= فإنك في قوم عن الجار أمـوات
ودونك أذوادي فـإنـي عـنـهـم = لراحلة لا يفقـدونـي بـنـياتـي
فلما سمع جساس قولها سكنها وقال: أيتها المرأة ليقتلن غداً جمل هو أعظم عقراً من ناقة جارك. ولم يزل جساس يتوقع غرة كليب حتى خرج كليب لا يخاف شيئاً، وكان إذا خرج تباعد عن الحي، فبلغ جساساً خروجه، فخرج على فرسه وأخذ رمحه وتبعه عمرو بن الحرث فلم يدركه حتى طعن كليباً ودق صلبه، ثم وقف عليه فقال: يا جساس أغثني بشربة ماء. فقال جساس: تركت الماء وراءك. وانصرف عنه ولحقه عمرو فقال: يا عمرو أغثني بشربة. فنزل إليه فأجهز عليه. فضرب به المثل فقيل:
المستجير بعمرو عند كربـتـه= كالمستجير من الرمضاء بالنار
قال: وأقبل جساس يركض حتى هجم على قومه فنظر إليه أبوه وركبته بادية فقال لمن حوله: لقد أتاكم جساس بداهية. قالوا: ومن أين تعرف ذلك؟ قال: لظهور ركبته، فإني لا أعلم أنها بدت قبل يومها. ثم قال: ما وراءك يا جساس؟ فقال: والله لقد طعنت طعنة لتجمعن منمها عجائز وائل رفضا. قال: وما هي؟ ثكلتك أمك. قال: قتلت كليباً. قال أبوه: بئس لعمر الله ما جنيت على قومك. فقال جساس.
تأهب عنك أهبة ذي امتناع= فإن الأمر جل عن التلاحي
فإني قد جنيت عليك حربـاً = تغص الشيخ بالماء القراح
فأجابه أبوه:
فإن تك قد جنيت عليب حجرباً = فلا وانٍ ولا رث الـسـلاح
سألبس ثوبهـا وأذب عـنـي= بها يوم المذلة والفـضـاح
قال: ثم قوضوا الأبنية وجمعوا النعم والخيول وأزمعوا للرحيل، وكان همام بن مرة أخو جساس نديماً لمهلهل بن ربيعة أخي كليب، فبعثوا جارية لهم إلى همام لتعلمه الخبر، وأمروها أن تسره من مهلهل، فأتتهما الجارية وهما على شرابهما، فسارت هماماً بالذي كان من الأمر، فلما رأى ذلك مهلهل سأل هماماً عما قالت الجارية وكان بينهما عهد أن لا يكتم أحدهما صاحبه شئياً فقال له: أخبرتني أن أخي قتل أخاك. قال مهلهل: أخوك أضيق إستاً من ذلك. وسكت همام، وأقبلا على شرابهما فجعل مهلهل يشرب شرب الآمن، وهمام يشرب شرب الخائف، فلم تلبث الخمر مهلهلاً أن صرعته فانسل همام. فرأى قومه وقد تحملوا، فتحمل معهم وظهر أمر كليب فقال مهلهل لنسوته: ما دهاكن؟ قلن: العظيم من الأمر قتل جساس كليباً. ونشب أشر بين تغلب وبكر أربعين سنة كلها يكون لتغلب على بكر. وكان الحرث بن عباد البكري قد اعتزل القوم فلما استحر القتل في بكر اجتمعوا إليه وقالوا: قد فني قومك، فأرسل إلى مهلهل بجيراً ابنك، وقل له: أبو بجير يقرئك السلام ويقول لك قد علمت أني اعتزلت قومي لأنهم ظلموك وخليتك وإياهم وقد أدركت وترك، فأنشدك الله في قومك. فأتى بجير مهلهلاً وهو في قومه فأبلغه الرسالة فقال: من أنت يا غلام؟ قال: بجير بن الحرث بن عباد. فقتله، ثم قال: بؤ بشسع كليب. فلما بلغ الحرث فعله قال: نعم القتيل بجير أن أصلح بين هذين الغارين قتله، وسكنت الحرب به. وكان الحرثث من أحلم الناس في زمانه، فقيل له أن مهلهلاً قال له حين قتله: بؤ بشسع كليب. فلما سمع هذا خرج مع بني بكر مقاتلاً مهلهلاً وبني تغلب، ثائراً ببجير، وأنشأ يقول:
قربـا مـربـط الـنـعـــامة مـــنـــي = أن بـيع الـكـريم بـالـشـســـع غـــال
قربـا مـربـط الـنـعـــامة مـــنـــي= لقـحـت حـــرب وائل عـــن حـــيال
لم أكن من جناتها علم الله وأني= بشرها اليوم صال
ويروى: والنعامة، فرس الحرث. وكان يقال للحرث فارس النعامة، ثم جمع قومه والتقى وبني تغلب على جبل يقال له قضة فهزمهم وقتلهم ولم يقوموا لبكر بعدها.
ص (163)