اتصل بنا البحث up a3ln usercp home
 


العودة   ::. مـنتدى قبيلـة العجمـان .:: > الـمنتديات الادبيــــــة > :: مـنتدى القـــصص والروايـــات ::

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 23-08-2004, 12:31 PM
الصورة الرمزية هند
هند هند غير متواجد حالياً
 عضو vip
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 29,801




( الجزء الرابـــــع )

في الطريق

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي :
قال أبو الحسن الورَّاق : لقد صدق حبيب بن مسعود حين قال :
إن دون الوصول إلى يسار سبعة أبواب ، عليها سبعة أقفال من حديد ، ولكن هل تستطيع هذه الأبواب أن تثبت أمام الطَرْق الكثير ؟ والمحاولات المتواصلة في التغلب عليها ؟
كان من عادة يسار عندما يعود إلى البيت بعد صلاة الفجر والاستماع إلى حديث الشيخ ، أن يقضي فترة مـن الوقـت في قراءة جـزء كامـل من القرآن الكريم ، ثم عددٍ من الأدعية المأثورة عن النبي - e - وبعدها يأخذ قسطًا من الراحة بانتظار طعام الفطور ، حتى إذا حان موعده ، تناول فطوره مع أمه ، التي تبدو موفورة النشاط ، ضاحكة متفائلة ، لا تكل عن الحركة .. وأخته الصغيرة سناء ، التي يحاكي وجهها استدارة البدر ، ببشرة بيضاء نقية ، وعينين بلون البن وصفاء السماء . ولم تكن قِطَّتها الكبيرة ذات الشعر الطويل تفارقها ساعة من الزمان ، فهي تتبعها كظلها أينما ذهبت ، ولا تفارقها إلا ساعة النوم .
أما أبوه فكان يخرج من البيت قبل أن يعود يسار من المسجد ثم يتبعه يسار بعد تناول الفطور ، فيساعده في عقد الصفقات ومراجعة الحسابات ومتابعة الديون .
وعندما ارتفعت الشمس في ذلك الصباح الدافئ ، خرج يسار في طريقه إلى السوق ، ولمَّا سار في بعض الطرق ، وقعت علينه عليها .. التقى بها وجهًا لوجه ..
كانت تسير إلى جانب خادمها مريد ، وكانت تبدو عليها الحشمة والوقار ، فلم تلتفت يمينًا أو شمالاً ، ولكنها عندما رأته ألقت عليه نظرة غريبة ، لم يستطع يسار تفسيرها ، فيها الجرأة والحزن والحياء ، وما لم يعرفه من معان أخر .
وأبعدها عن خاطره ، وخاصة عندما احتواه السوق ، وانشغل مع أبيه في أمور التجارة .
ودهش عندما صادفها في اليوم الثاني أيضًا .. كان يتحدث إلى أبي الفداء الماوردي ، وقد سأله عن سبب انقطاعه عن المسجد في صلاة الصبح فأجاب هذا ، وقد ناء بحمل حاجات كثيرة ، وأخذ يتحدث عن بيته وزوجه وطفله المريض وكم مرة في الشهر يأخذه إلى الطبيب .. دهش يسار عندما سمع صوتًا كتغريد البلابل .
فالتفت ..
فإذا .. هي ..
هي .. الجارية .. بكل ما فيها من فتنة وجاذبية وسحر أخَّاذ .. وذهبت بعد أن مسَّت قلبه بكسرة من عينها اليسرى .. فغضَّ بصره في الحال ، وراح يستغفر الله في سرِّه ..
ثم مضى في طريقه .
وأخذ في اليوم الثالث يستعجل أمه في إعداد الفطور ، وفي كل مرة يخرج إلى ساحة الدار ينظر إلى الشمس .. أين وصلت ! وانتبه إلى صوت أخته الصغيرة التي كانت تركض وراء قطتها التي يشبه لون شعرها لون الحناء ، سألته وهي تركض دون أن تنتظر الجواب :
- هل لديك موعد مع أحد ؟
وشعر كأن الصغيرة أيقظته ، فأخذ يلوم نفسه ، ويستغفر الله في سره ، ويحاول أن ينفض ما علق بقلبه من البكر من غبار ..
فكثيرًا ما يعنى المرء بغسل ثوبه وملابسه ، ولكنه يهمل غسل قلبه !
هكذا قال الشيخ .. عندما كان يتحدث بهدوء وتؤدة ، فيجذب إليه القلوب والآذان .. ولكن القلب لا يغسل بالماء والصابون ، إن له غسلاً آخر .. ليس من مادة هذه الأرض .. بالتوبة والاستغفار والإقلاع عن الذنب .
وتعمَّد يسار أن يتأخر أكثر من أي يوم .. ولاحظت أمه أنه بينما كان يحثها على إعداد الفطور بسرعة ، إذا به يسكت فيتركها تعده على مهل .
كانت البيوت تقف على جانبي الطريق متصلة ببعضها ، إلا فتحات قليلة تؤدي إلى النهر ، وتطل الأصص بالأزهار الملونة من الشرفات ، وتبدو الستائر ذات الألوان الزاهية عندما تفتح البيوت التي تواجه النهر نوافذها تستقبل الشمس .
ومضى يسار في الطريق ، وكان مرتاح القلب مسرورًا ؛ لأنه انتبه إلى نفسه ، فعالجها وغسل قلبه من صورة الجارية وصوتها و.. وكان معظم المارة يسلِّمون عليه ، ويسلِّم عليهم ، والتقى في طريقه بالعم عثمان .. وكان هذا شيخًا تجاوز المائة من العمر ، أبيض شعر الرأس واللحية ، أحمر الوجه ، احتفظ باعتدال قامته وشيئًا من نشاطه ، وكان يستند بيده اليمنى على عصا غليظة ، وكان قد قضى ما يزيد على الثمانين من عمره يعمل في البحر .. تاجرًا وبحارًا وربانًا .. حتى لقب بحق ، بأبي البحر .
وقف العم عثمان يسأل يسارًا عن حاله وعن والده ووالدته وعن أخته الصغيرة .. ثم مضى يحدثه دون مقدمات عن إحدى رحلاته إلى بلاد الصين ، عندما غرقت السفينة وقذفه الموج إلى الشاطئ . ثم لجأ إلى قرية ، لما علم أهلها أنه مسلم وأنه من بلاد العرب ، وأنه رأى مكة والمدينة وأدى فريضة الحج ..
هنا أخذ العم عثمان يسعل بشدة ، حتى تحول لون وجهه إلى مثل لون الدم .. فلما هدأ ضرب الأرض بعصاه وقال :
- أتدري ماذا فعلوا ؟ لقد هجموا علي ومزقوا ملابسي ووزعوها على أهل القرية قطعة قطعة يتبركون بها .. ثم طلبوا إليَّ الإقامة عندهم ، فلما أخبرتهم بأني أريد العودة إلى أهلي وبلادي ، جاءوا بجميع فتيات القرية ، وعرضوا عليَّ اختيار من أريد لكي أتزوجها وأقيم عندهم ..
لكني رفضت ، وأخبرتهم بأني متزوج ولي أولاد ..
وسكت العم عثمان ليسترد أنفاسه ، ثم ليخرج من خزانة عمره الطويل ما حوت من أخبار .. ثم قرب رأسه وهو ينحني وقال :
- أتدري ماذا كان قرارهم ؟ أرادوا قتلي ..
وهتف يسار :
- أرادوا قتلك ؟ لماذا ؟ هل أسأت إليهم ؟
فهزَّ العم عثمان رأسه وقال :
- كلا .. لقد أرادوا تكريمي على ما يزعمون .. فعندما رأوا إصراري على عدم البقاء عندهم ، تشاوروا فيما بينهم . وقالوا إن هذا الرجل مبارك ، وذهابه يعد خسارة لنا ، وأنه من الأفضل قتله وإقامة بناء يليق بمكانته على قبره ، فيكون بركة لنا وللقرية على ممر الزمان ..
قال العم عثمان وهو في حالة الانفعال الشديد :
- لم أمكنهم من نفسي .. هربت .. هربت في نفس الليلة التي علمت أنهم سيقتلوني فيها ..
وبينما كان يسار في انسجام تام مع العم عثمان ، وهو يستمع إلى قصته العجيبة ، التي لولا العم عثمان ومكانته لما صدقها .. بينما هو في هذه الحالة من الانسجام إذ سمع صوتًا كاللحن الشارد يقول :
- إنه لا يريدنا ..
والتفت بحركة لا إرادية سريعة .. ورآها ، في ابتسامة مليحة ووجه متورِّد وعينين فيهما الكثير من العتاب .. ثم حوَّلت نظرها إلى الخادم بعد أن ألقت بشواظها على قلب الفتى ( العذراء ) .. قلب يسار ..
ما الذي جاء بها في هذه الساعة ؟ ألم يتأخر في الخروج من البيت حتى ارتفعت الشمس .. هل تأخرت هي أيضًا .. كيف حدث هذا ؟
ومضى ذلك اليوم ، وعندما عاد يسار في المساء ، وبلغ المكان الذي كان يتحدث به مع العم عثمان ، تذكر تلك القصة ، وتذكر الجارية .. فخفق قلبه ..
وتلفت حوله ..
وشعر كأنه يسمع صوتها العذب يردد بدلال وإغراء :
- إنه لا يريدنا ..
وتطلع إلى النهر الذي خيَّم عليه الظلام ، وكانت الريح ساكنة ، والنهر ساكتًا ، وليس هناك من يضرب بمجدافه ويغني .. وبقي واقفًا لحظات تهجم عليه خواطر شتى ..
كيف هجمت هذه الفتاة على قلبه ؟!
كيف تسلَّلت إليه ؟
لقد أصاب قلبه ما كدَّر صفاءه ، لقد تلوث قلبه ، إنه لا يحق له أن يذهب بعد اليوم إلى المسجد ، أو يجلس بين يدي الشيخ .
إنه لم يعد ذلك الفتى الطاهر النقي الثوب ..
إن قلب العابد الموصول بالله يجب أن يخلو من الصور .. لا يدع فيه مكانًا لمثل هذه الجارية ..
كيف سمح لها أن تلوث بساط قلبه بأقدامها ؟!
كيف سمح لها .. إنه لولاه لما طمعت فيه ..
ولكن لا ..
سيذهب غدًا ..
وسيحدث الشيخ بكل ما حدث ، فعنده الدواء ..
ولم لا يحدثه ؟
إنه لا يفضي لأبيه .. ولا لأي إنسان قريب بما يفضي به للشيخ ، إنه يشعر بأن الشيخ منه بمنزلة الأب والأخ الكبير والصديق .. بل أكثر من ذلك كله .. إنه المربي ..
ووقف في غرفته المطلة على النهر ، وأخذ يتطلع من النافذة كان الجو باردًا ولكن ليس شديد البرودة ، وعلى الجهة الثانية من النهر يبدو بصيص بعض الفوانيس .. وأرسل طرفه إلى السماء .. إلى الكون الكبير الساجد .. في ذلك الليل البهيم ، ونظر إلى النجوم التي تطرز ثوب السماء .. وأخذ يردد مع نفسه :
- سبحان الله .. سبحان الله ..
ثم أخذ يرددها بهمس ، وأحس بلذتها وعذوبتها ، فرفع بها صوته وشعر كأنها أخذت تكبر وتكبر حتى عاد الكون كله يستجيب لهتافه .. سبحان الله .. سبحان الله ..
ولم يدر كم بقي واقفًا ، مستغرقًا ، محلقًا بروحه ، منصتًا إلى هتاف الكون ، الذي هو صدى هتافه النابع من أعماق قلبه .
ثم أغلق النافذة وسوى الستائر ، وألقى بنفسه على الفراش وراح يردد مع نفسه أدعية النوم ، ويفكر في معانيها الكثيرة المتجددة .. ثم لفه النوم الهادئ بين أحضانه ..



يتبع ..

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 24-08-2004, 12:21 PM
السياسي السياسي غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: May 2004
المشاركات: 2,570

حكايات عجيبه يا السؤدد وخاصه التي مع يسار لا هنتي على القصص المثيره




السياسي

__________________

قيمة الإنسان بأهدافه . . . ومنزلته بأقرانه
وذوقه باختياره . . . وثروته بما يملك من قلوب
وقوته بما يحط من هواه . . . وانتصاره بما يهزم من رذيلة
وكثرته بما يثبت معه عند الشدائد

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 24-08-2004, 02:59 PM
الصورة الرمزية هند
هند هند غير متواجد حالياً
 عضو vip
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 29,801




مرحبا بالأخ القدير ( السياسي )
أسعدني حضورك



الســـؤدد




رد مع اقتباس
  #14  
قديم 24-08-2004, 03:23 PM
السلاطين السلاطين غير متواجد حالياً
 عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Apr 2004
المشاركات: 2,738

الســـــــؤدد

أمتعتـــينا أمتعــــــك اللـــــه

بأنهـــــــــــار الجنــــــــــة

__________________
إذا المـرء لا يرعـاك إلا تكلـفـاً ** فدعـه ولا تكثـر عليـه التأسـفـا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحـة ** وفي القلب صبر للحبيب ولـو جفـا
فما كل مـن تهـواه يهـواك قلبـه ** ولا كل من صافيته لـك قـد صفـا

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 24-08-2004, 04:22 PM
عادل الشمري عادل الشمري غير متواجد حالياً
 عضو ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2004
المشاركات: 710

شكرا السؤدد على روائعج اللي تعودناها منج...

لكن الحكايـة تحت إلى وقت طويل لقرائتها....

نقـرأها لاحقا إن شاء الله في الوطن ،،،

تحـياتي لج ،،،

__________________


وتطلبهم عيني وهم في سوادها ...
....ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي

بنتي ديمـه راحت ضحية التلوث البيئي في الكويت...
هي أول القافلة..... ياترى كم يبلغ عدد قافلة ضحايا التلوث إن لم نتحرك؟؟؟

رد مع اقتباس
  #16  
قديم 24-08-2004, 04:26 PM
الصورة الرمزية هند
هند هند غير متواجد حالياً
 عضو vip
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 29,801




مرحبا بأخي القدير ( السلاطين )
ولك مثلها جنةً وأنهارا

جزاك الله خير



الســـؤدد


رد مع اقتباس
  #17  
قديم 24-08-2004, 04:31 PM
الصورة الرمزية هند
هند هند غير متواجد حالياً
 عضو vip
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 29,801




يا مرحبا بأخي القدير ( عادل الشمــرى )
العفو .،
أسعدني حضورك وإطلاعك
أنا قريتها في يوم واحد

عوداً حميداً لأرض الوطن بإذن الله
حينها تنجز وعدك .. فتقرأها

الســـؤدد


رد مع اقتباس
  #18  
قديم 24-08-2004, 04:41 PM
الصورة الرمزية هند
هند هند غير متواجد حالياً
 عضو vip
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 29,801



( الجزء الخامس )

منازل السائرين


قال محمد بن إسحاق الموصلي :
مع الخيط الأول من الفجر ، استيقظ يسار على صوت المؤذن ، وكان صوته نديًا ، رقيقًا ، فيه الهدوء والسكينة والجلال .. وظل يستمع إليه بكل حواسه ، دون أن يغادر فراشه ، وشعر لكلمات الأذان بمعان جديدة قوية مؤثرة .. فالصلاة دائمًا مقرونة بالفلاح .. فكيف يفلح من لا يصلي ؟!
وترك هذه المعاني تتسرب مع الصوت الهادئ الذي ترفرف به أجنحة الملائكة ، إلى أعماق قلبه ، وتسري مع دمه إلى منافذ جسمه فيشعر بدبيب حياة جديدة ، تصاحب حياة اليوم الجديد ، والفجر الجديد .. ويردد باستغراق إيماني عجيب ، الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ..
حتى إذا انتهى الأذان ، انتفض قائمًا ، وأسرع فتوضأ ، ثم ارتدى ملابسه وغادر البيت ..
وبعد صلاة الفجر ، تحلَّق المصلون حول الشيخ يستمعون إلى حديثه .
وتحدث الشيخ عن منازل السائرين ..
كان يستعين في تجسيم المعنى وتوضيحه وتقريبه إلى أذهان مريديه ، بالأمثلة الواضحة اللامعة ، كما يستعين الملاَّح بالنجم الثاقب في الليلة الظلماء .
كانت كلمات الشيخ تسطع في النفس كما تسطع النجوم في السماء ، وتتصل بالروح تمد لها بسبب إلى التقوى ، وهي بعد ذلك أشبه بالماء الزلال عصرته العيون ، فخرج خالصًا سائغًا شرابه ، يرف بندى الحياة ..
وضرب مثلاً للسائرين إلى الله ، كجماعة أرادوا الصعود إلى جبل ، فمنهم من تخلَّف من أول الطريق ، وقد هاله ارتفاع الجبل ، فانهارت عزيمته . ومنهم من أدركه التعب وهو لم يبلغ ربع المسافة . ومنهم من وصل إلى نصفه ، لكنه عثر فتدحرج .. فقد يقوم هذا المتدحرج ليعاود تسلق الجبل .. وقد تقعد به الهمة فيبقى في مكانه الذي انتهى إليه .
والسعيد السعيد من استطاع أن يبلغ القمة .
كان الشيخ يتحدث والجماعة المحيطة به تصغي إليه إصغاء تامًا وقد أخذ بعضهم يكتب على لوح أحضره معه ، حديث الشيخ لكي لا ينساه .. وكان بعضهم يتنهد بحرارة وهو يقارن حاله بما يسمع .
وكان مما يزيد من تأثير حديث الشيخ ، أنه لسان حاله .. وحاله ظاهر في لسانه . وكان عفيفًا عابدًا ناسكًا ، صوامًا قوامًا ، ذاكرًا لله تعالى في كل أمر وعلى كل حال ، رجَّاعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال ، وقَّافًا عند حدود الله تعالى وأوامره . لا تكاد نفسه الكبيرة تشبع من العلم ولا تروي من المطالعة ولا تمل من الانشغال ، مع تصوُّن تام ، وتعبد واقتصاد في المأكل والملبس .
وتنهد يسار وهو يتصور حاله .. إنه لا يدري أي مسافة قطع فاعترضته هذه الجارية .. وسدت عليه الطريق ، فهو يعمل جاهدًا على تنحيتها عن طريقه ، والسير إلى الأمام ..
ونظر إلى الشيخ كالمستغيث ، وأراد أن يتكلم ..
ما ضر لو سمعه الحاضرون ..
ولكن لا ..
إنه لا ينجو من تعليقات أبي أنس ، الفتى الذي يحب الدعابة ، ويتقصدها أحيانًا ..
هل يستطيع الشيخ أن يقرأ ما فيه نفسه ؟
لقد قال له مرة وهو يربت على كتفه :
- اتق الله يا يسار ..
وكان في ذلك اليوم قد استرق النظر إلى فتاة من بنات الجيران ..
تلك كانت نظرة واحدة ..
واحدة فقط ..
فكيف وهو اليوم صريع غانية لعوب .. ليست ..
وعض على شفته عندما وصل إلى هذه النقطة .
آه لو كانت نقية الثوب .. لما ترددت لحظة عن خطبتها .. ولكن .
ولم يشعر إلا والجماعة ينهضون ، ويد أبي أنس فاضل بن أنس يضرب على كتفه الأيمن وهو يقول :
- اصح يا شيخ ..
لقد انتهى الشيخ من حديثه اليوم ، فأين كان سارحًا وشدَّ الشيخ على يد يسار .. وغض هذا بصره تحاميًا لعيني الشيخ .. وخشي أن يقرأ الشيخ ما فيه نفسه ..
ولم يحدث الشيخ يما يريد .
لماذا لم يحدثه ؟
أيخشى أن يسمعه أحد ؟!
وعاد إلى البيت وهو ينقل الخطو بتثاقل ، وكان الجو باردًا والرياح بدأت تشتد ، وبرزت طلائع سحب في السماء ، وقد تكشَّفت الدنيا ، وزال الظلام .. وأخذت الريح تضرب بعض أوراق الأشجار اليابسة المتساقطة على الأرض فتسوقها أمامها ..
ولم يلتفت إلى النهر الهائج ، ولا إلى صف البيوت على الجانبين ، ولا إلى الذين يغادرون بيوتهم طلبًا للرزق ..
لم يلتفت إلى هذا كله ..
لقد كان يلوم نفسه ..
يؤنبها ..
كيف سمح لنفسه أن تسير مع هؤلاء الفتية الذين اجتمعوا على طاعة الله وافترقوا عليه .
أيخدعهم ؟!
إنه لا يريد أن يخدع أحدًا ..
إذا خفي على هؤلاء أمره ، فهل يخفى على الله ؟
الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ..
قال أبو الحسن الورَّاق : وشعر يسار بالدموع تنزل على خديه .. ألا يستطيع أن يقف في وجه الفتاة ؟
فتاة ..
وتلفظ الكلمة باستهانة واحتقار ..
وعندما وصل إلى البيت .. هرع يستنجد بالقرآن ، وجلس يقرأ بصوتٍ كسير وجيع .. وكان يعمر على آيات العذاب فيرددها ويبكي .. ولمَّا انتهى من قراءته ، أقبلت أمه تقول :
ما هذه القراءة يا يسار ؟
ورفع إليها نظرة ، تجول فيها دمعة أخيرة متخلفة ..
وأضافت أمه تقول :
- لقد كنت تبكي ..
وسكتت قليلاً عندما رأته يخفض رأسه .. ثم قالت :
- ما هكذا تكون قراءة الخاشعين يا بني .
قال أبو الحسن الورَّاق : من أين لهذه الأم المسكينة أن تدري ما في قلب يسار .. وليتها درت ..
فهل تستطيع أن تعاونه ؟
إنه لا يخشى على شيء خشيته على قلبه الذي أمضى في مداراته عددًا من السنين حتى رقَّ ولان وأقبل على الله بكل حب وشوق ورغبة بما أعدَّ الله للمؤمنين الصادقين الصالحين ..
فما الذي قذف في طريقه بهذه الجارية ؟!
كيف دخلت في حياته ..
من أي باب تسللت إلى قلبه ؟
ولم ينتبه يسار عندما كان جالسًا على مائدة الفطور ، لم ينتبه إلى أخته سناء التي كانت تنظر إليه كعصفورة وجلة .. إلى شروده وسهومه .. لم ينتبه إليها وهي تقول :
- هل أنت مريض ؟
ولمَّا لم يجبها ، مدت يدها الصغيرة ، ووضعت كفها على ظاهر يده تتحسس حرارة جسده .. فالتفت إليها وقال :
- ما لك يا سناء ؟
فعادت تسأله دون أن ترفع يدها :
- هل أنت مريض ؟
فحوَّل وجهه وهو يغالب ابتسامة حزينة وقال :
- لا ..
ولمَّا ألحت عليه .. قال وقد ضاق بإلحاحها :
- ألا تريدين أن تسكتي ؟
فضربت بملعقتها على الصحن ، فرن رنينًا دافئًا امتزج بأنغام ضحكاتها المتقطعة ، وبرزت كحبات اللؤلؤ المرصوف وقالت :
- لا أسكت .
ونظر إليها بعتاب ، وكأنه ضبطها متلبسة بمخالفة ، وقال :
- لماذا ؟
فاسترسلت بضحكاتها وأسلوبها الطفولي وقالت :
- هل أنت مريض ؟
قال :
- نعم ..
قالت :
- ما الذي يوجعك ؟
وربت على شعرها الكستنائي وقال :
- قلبي ..
فنهضت وهي تنفر برأسها الصغير ، فتقفز ظفيرتها من على صدرها إلى ظهرها .. وقالت :
- سآتيك بالدواء الذي تستعمله أمي ..
وأمسكها من يدها وهو يقول :
- إنه لا يؤلمني بالمعنى الذي تفهمينه ..
وبعينين فيهما آيات البراءة والوداعة والصفاء ، نظرت إليه وقالت بحنان :
- كيف ؟
قال ، وهو يحاول أن يوضح لها ما يريد ؟
- إنه فقط .. فقط .. أصابه بعض الغبار .
وضحكت ضحكت بديعة وهي ترتد برأسها إلى الوراء ، وقالت ، وهي تحاول أن تخلص يدها من يده :
- بالله عليك خبرني .. كيف يستطيع الغبار أن يصل إلى القلب ؟
وترك يدها وهو يشاركها الضحك .. والقطة الكبيرة تدور في المكان وتموء .. وأمه .. بنشاطها المعتاد .. تروح وتجيء تضع صحون الطعام .. فلما تم إعداد المائدة ، أشار إلى سناء .. ومد يده وهو يقول : اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار ، بسم الله .



...

رد مع اقتباس
  #19  
قديم 24-08-2004, 05:17 PM
جالس بن مبارك جالس بن مبارك غير متواجد حالياً
 عضو خاص
 
تاريخ التسجيل: Jun 2004
الدولة: كويت العز
المشاركات: 7,851

شكرا لش يا السؤدد قصه ممتعه
وبانتظار البقيه
بشغف

رد مع اقتباس
  #20  
قديم 24-08-2004, 09:32 PM
الصورة الرمزية هند
هند هند غير متواجد حالياً
 عضو vip
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 29,801



مرحبا بالأخ ( لورنس )
العفو ،
والبقية تأتي إن شاءالله


لك تقديري
الســـؤدد


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 06:41 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Design And Develop By DevelopWay

تصميم : طريق التطوير
لحلول الإنترنت والتصميم DevelopWay.com