مر الأصمعي بجدار كتب عليه:
أيا معشر العشاق بالله خبروا
إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع ؟
وأعجب الشاعر بالسؤال فكتب له الجواب التالي :
يداري هواه ويكتم سره
ويصبر في كل الأمور ويخشع ...
وقرأ الفتى فكتب تحت الشعر :
وكيف يداري والهوى قاتل الفتى
وفي كل يوم قلبه يتقطع ؟
فأجاب الأصمعي بقوله :
إذا لم يجد الفتى صبرا لكتمان سّره
فليس له عندي سوى الموت أنجع ...
وإذا مر الشاعر بعدئذ ليستطلع الأمر ، وجد فتى ناحلا ميتا تحت الجدار ، وقد كتب :
سمعنا أطعنا فبلّغوا سلامي
إلى من كان للوصل يمنع ُ .....
وترقرقت عيناي بالدمع لما قرأت هذه لسيرة الحزينة ، وقلت في نفسي : لعل في موت هذا الفتى تأكيدا للحديث الشريف القائل :
من أحب فعفٌ فكتم فمات ، مات شهيدا ......
كان هذا من زمان ..
وكان للحب قدسيته ومجده ... وكان العاشق إذا م اغرم بفتاة سهر الليل وساهر النجوم وسأل السماء إن تمن عليه فقط برؤية طيفها يمر إمام عينيه الحزينتين مرور النسمة ....
وكانت الفتاة إذا ما هامت بفتاها تحفظت وتسترت وخافت من إن تمس يده يدها .....
وكان الحرمان هو وقود الحب وسعيره المتأجج ودموعه المنهمرة حتى إذا عز الوصل مات العاشق شهيدا ......
اجل ، كان هذا من زمان ...... والزمان ليس قصي البعد ، بل استمر حتى اليوم فترجمه الشعراء أغنيات لا تناجي إلا العذاب ، ولا تتحدث إلا عن الشجن ، ولا ترسم إلا الدموع .....
إما اليوم وما أقساه من يوم ، فان الحب قد فقد معناه العظيم بعدما تحررت الدنيا المعاصرة من كل القيود وانجرفت وراء الحريات ، ورفرت إعلام المساواة ......
وإذ تسألني عن أحب أغنيات ام كلثوم إلي ّ اليوم لقلت لك :
(لسَّه فاكر) ذات المطلع القائل :
لسَّه فاكر قلبي يديلك أمان
والا فاكر كلمة حاتعيد اللي كان
والا نظرة توصل الشوق بالحنان
لسَّه فاكر كان زمان ، كان زمان