السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كثير من الناس يطلب السعادة، ويلتمس الراحة وينشد الاستقرار وهدوء النفس والبال، كما يسعى في البعد عن أسباب الشقاء والاضطراب، ومثيرات القلق، ولا سيما في البيوتات والأسر.
وليعلم أن كل ذلك لا يتحقق إلا: بالإيمان بالله وحده، والتوكل عليه، وتفويض الأمور إليه، مع الأخذ بما وضعه من سنن وشرعه من أسباب.
أهمية بناء الأسرة والاُلفة في بيت الزوجية
وإن من أعظم ما يؤثر في ذلك على الفرد وعلى الجماعة: بناء الأسرة واستقامتها على الحق؛ فالله سبحانه بحكمته جعلها المأوى الكريم الذي هيأه للبشر من ذكر وأنثى، يستقر فيه ويسكن إليه، يقول جل جلاله وتقدَّست أسماؤه- ممتنًا على عباده: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون {الروم: 21}.
نعم، ليسكن إليها، ولم يقل ليسكن معها، مما يؤكد معنى الاستقرار في السلوك والهدوء في الشعور، ويحقق الراحة والطمأنينة بأسمى معانيها؛ فكلٌّ من الزوجين يجد في صاحبه الهدوء عند القلق، والبشاشة عند الضيق.
إن أساس العلاقة الزوجية: الصحبة والاقتران القائمان على الودّ والأُنس والتآلف. إنَّ هذه العلاقة عميقة الجذور بعيدة الآماد، إنها أشبه ما تكون صلة للمرء بنفسه، بينها كتاب ربنا بقوله: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن {البقرة: 187}.
فضلاً عما تُهيئه هذه العلاقة من تربية البنين والبنات وكفالة النشء، التي لا تكون إلا في ظلِّ أمومة حانية وأبوةٍ كادحة.
وأي بيئة أزكى من هذا الجو الأسري الكريم؟
دعائم بناء الأسرة المسلمة
هناك أمور كثيرة يقوم عليها بناء الأسرة المسلمة وتتوطَّد فيها العلاقة الزوجية، وتبتعد فيها عن رياح التفكك، وأعاصير الانفصام والتصرم:
1- الإيمان بالله وتقواه:
وأول هذه الأمور وأهمها: التمسك بعروة الإيمان الوثقى، الإيمان بالله واليوم الآخر، والخوف من المطلع على ما تكنه الضمائر، ولزوم التقوى والمراقبة، والبعد عن الظلم والتعسف في طلب الحق.
ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه {الطلاق: 2، 3}.
ويقوى هذا الإيمان: الاجتهاد في الطاعة والعبادة والحرص عليها والتواصي بها بين الزوجين، تأملوا قوله صلى الله عليه وسلم : "رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء- يعني رش عليها الماء رشًا رفيقًا- ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء". {أحمد في المسند 2-250، 436}.
إن العلاقة بين الزوجين ليست علاقة دنيوية مادية، ولا شهوانية بهيمية، إنها علاقة روحية كريمة، وحينما تصح هذه العلاقة وتصدق هذه الصلة، فإنها تمتد إلى الحياة الآخرة بعد الممات: جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم {الرعد: 23}.
2- المعاشرة بالمعروف:
إن مما يحفظ هذه العلاقة ويحافظ عليها: المعاشرة بالمعروف، ولا يتحقق ذلك إلا بمعرفة كل طرف ما له وما عليه، وإن نُشْدان الكمال في البيت وأهل البيت أمر متعذر، والأمل في استكمال كل الصفات فيهم أو في غيرهم شيء بعيد المنال في الطبع البشري.
دور الزوج في الحفاظ على بيت الزوجية والمعاشرة بالمعروف:
ومن رجاحة العقل ونضج التفكير توطين النفس على قبول بعض المضايقات، والغض عن بعض المنغصات، والرجل- وهو رب الاسرة- مطالبٌ بتصبير نفسه أكثر من المرأة، وقد علم أنها ضعيفة في خَلْقها وخُلُقها، إذا حوسبت على كل شيء عجزت عن كل شيء، والمبالغة في تقويمها يقود إلى كسرها، وكسرها طلاقها، يقول المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم : "استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن خُلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا". {البخاري 5186، ومسلم 1468}، فالاعوجاج في المرأة من أصل الخلقة، فلابد من مسايرته والصبر عليه.
فعلى الرجل ألا يسترسل مع ما قد يظهر من مشاعر الضيق من أهله وليصرف النظر عن بعض جوانب النقص فيهم، وعليه أن يتذكر جوانب الخير فيهم، وإنه لواجدٌ في ذلك شيئًا كثيرًا.
وفي مثل هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة- أي لا يبغض ولا يكره- إن كره منها خلقًا رضي منها آخر". {مسلم 1469}، وليتأن في ذلك كثيرًا فلئن رأى بعض ما يكره فهو لا يدري أين أسباب الخير وموارد الصلاح.
يقول عز من قائل: وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا {النساء: 19}.
وكيف تكون الراحة؟ وأين السَّكن والمودة؟ إذا كان رَبُّ البيت ثقيل الطبع، سيئ العشرة ضيّق الأفق، يغلبه حمق، ويعميه تعجُّل، بطيء في الرضى، سريع في الغضب، إذا دخل فكثير المنّ، وإذا خرج فسيئ الظن، وقد عُلم أن حسن العشرة وأسباب السعادة لا تكون إلا في اللين والبعد عن الظنون والأوهام التي لا أساس لها، إن الغيرة قد تذهب ببعض الناس إلى سوء ظنٍّ.. يحمله على تأويل الكلام والشك في التصرفات، مما ينغص العيش ويقلق البال من غير مستند صحيح.
قال تعالى: ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن {الطلاق: 6}. كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم : "خيركم، خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". {رواه الترمذي: 3892، وابن ماجه 1977، وابن حبان
في صحيحه 1312}.
دور الزوجة في الحفاظ على بيت الزوجية والمعاشرة بالمعروف:
أما المرأة المسلمة: فلتعلم أن السعادة والمودة والرحمة لا تتم إلا حين تكون ذاتَ عفةٍ ودين، تعرف ما لها فلا تتجاوزه ولا تتعداه، تستجيب لزوجها؛ فهو الذي له القوامة عليها يصونها ويحفظها وينفق عليها، فتجب طاعته وحفظه في نفسها وماله، تتقن عملها وتقوم به وتعتني بنفسها وبيتها، فهي زوجة صالحة وأمٌ شفيقة، راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، تعترف بجميل زوجها ولا تتنكر للفضل والعشرة الحسنة. يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا التنكر ويقول: "أُريت النار فإذا أكثر أهلها النساء، يَكْفُرن"، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "لا، يَكْفُرن العشير؛ لو أحسنت لإحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط".
فلابد من دَمْح- أي غفران- الزلات والغض عن الهَفَوات، لا تسيء إليه إذا حضر ولا تخونه إذا غاب.
بهذا يحصل التراضي وتدوم العِشرة ويسود الإلف والمودة والرحمة. و"أيُّما امرأةٍ ماتت زوجها عنها راضٍ دخلت الجنة". {رواه الترمذي: 1161 وحسَّنه، وابن ماجه: 1854}.
فاتقوا الله، واعلموا أنه بحصول الوئام تتوفَّر السعاة، ويتهيأ الجو الصالح للتربية، وتنشأ الناشئة فى بيتٍ كريم مليء بالمودة عامر بالتفاهم، بين حنان الأمومة وحدب الأبوة، بعيدًا عن صخب المنازعات والاختلاف، وتطاول كل واحد على الآخر، فلا شقاق ولا نزاع ولا إساءة إلى قريب أو بعيد.. ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما {الفرقان: 74}.
فرَحِمَ الله رجلاً محمود السِّيرة، طيِّب السَّريرة، سهلاً رفيقًا، ليِّنًا رؤوفًا، رحيمًا بأهله حازمًا في أمره، لا يكلف شططًا ولا يرهق عُسرًا، ولا يهمل في مسئولية.
ورحم الله امرأة لا تطلب غلطًا ولا تكثر لغطًا صالحةً قانتةً حافظةً للغيب بما حفظ الله.