السلام عليكم
من روائع القصص ( بر الوالدين )1
كتاب فضل بر الوالدين ( لإبراهيم الحازمي ) ص ( 51 )
توفي رجل منذ فترة من الزمان و كان عليه دين لتاجر من التجار يقدر بحوالي سبعة الآلاف ريال ، و لم يورث أو يترك أمولا لتسديد ذلك الدين . فقيل لذلك التاجر ( صاحب الدين ) : لو ذهبت إلى أولاده - كان له عدد من الأبناء و أحوالهم لا بأس بها فلعلهم أن يسددوا عن و الدهم دينه . ذهب الرجل إلى الابن الأكبر و أخبره بما له عند والده من المال ، و لكن الابن قابله بفتور و جفاء ، و قال اذهب إلى إخوتي و ليس عندي شيء. فقال الرجل : انه مبلغ بسيط بالنسبة لك و يمكن أن تبحث الموضوع مع إخوتك و تتقاسموه فيما بينكم فأحوالكم ما شاء الله لا بأس بها و أنتم بخير ؛ فلديكم محلات تجارية و عقار يُؤجر .... فتطاير الشرر من عيني ذلك الابن و قال - بكل قسوة - : تريد أن تحاسبنا و تقاسمنا لأملاكنا قلت لك : ما عندي شيء ، اذهب إلى إخوتي و لا تقف علي مرة أخرى . ذهب الرجل إلى الابن الثاني و لقي منه أكثر ما لقي من الأول من التعنت و القسوة .
ثم ذهب إلى الثالث و كذلك لقي كما لقي في المرتين السابقتين من ألفاظ نابية .
يئس الرجل من حقه و أصيب بخيبة أمل من أبناء هذا الرجل و أسف على هؤلاء الأبناء و عقوقهم لوالدهم الميت بعدما أخبرهم أنه لن يسامح أباهم عن حقه .
قال له أحد أقارب الميت بعدما سمع ما حصل مع أولئك الأبناء: إن هؤلاء الأبناء لا خير فيهم ، و لكن اذهب إلى أختهم ، و زوجها فلان ، و كلمه في الأمر و اشرح له ما حصل بينك و بين إخوتها و أنهم رفضوا أن يسددوا ما على والدهم من دين لعل الله أن يجعل فيها خيرا و تكون هي صاحبة الحظ السعيد بالدنيا و الآخرة .
و فعلا ذهب الرجل و أخبر زوج تلك البنت ليقوم هو بإبلاغها بما على والدها من دين و رفض إخوتها أن يسددوا هذا الدين .
فغرغرت عيناه بالدموع عندما سمعت ذكر، والدها و انه مدين بالآلاف من الريالات .
ذهبت إلى غرفتها ، و جمعت جميع ما لديها من ذهب و مجوهرات ،
و وضعته في علبة ، و قالت لزوجها : خذ هذا الذهب و الحلي ، و أعطه الرجل ، و قل له : يبعه و يأخذ حقه، و إن بقي لنا شيء يعيده و إلا يخبرنا بالباقي نسدده إن شاء الله .
فاخذ الرجل الذهب و الحلي و لكنه لم يطمئن لهذا التصرف من ابنة الرجل فقد يكون هذا المال لا يحل له .
ذهب الرجل إلى الشيخ صالح الخريصي ( رحمه الله ) و أخبره الخبر
و سال : هل يحل لي هذا أخذ هذا الذهب و التصرف فيه كما قالت المرأة ؟
فما كان من الشيخ صالح إلا أن أخرج من جيبه كامل المبلغ و أعطاه للرجل و قال : غفر الله له ، هذا حقك الذي على والدها ،و اذهب و أعط صاحبة الذهب ذهبها و حليها. ثم أخذ الشيخ يدعو لتلك المرأة بان يرزقها الله ببرها لوالدها .
القصة الثانية :
( من كتاب قصص من الواقع عن العقوق و الحقوق بتصرف يسير )
قال أحد الإخوة :
كانت لنا جارة تعيش مع زوجها الذي أنجبت منه ولدين ( ابنا يبلغ 12 من عمره ، و بنتا تبلغ 10 سنوات ) .
قالت هذه الجارة :
كانت والدتي تعيش مع أخي الوحيد حيث كانت والدتي من النساء النشيطات اللاتي يحببن أن يكون أولادهن في أحسن حال .
فكانت تعمل في محل تجاري صغير في سوق للنساء و تغدق على أخي و زوجته المال الكثير، و لم تكن تحضر إلى البيت إلا خلال وقت القيلولة بعد صلاة الظهر ، و تعود إلى محلها قبيل صلاة العصر ، و لا تعود إلى البيت إلا في المساء بعد العشاء حيث تكون متعبة و مرهقة .
وفي كل الأحوال لم تكن تطالب أخي أو زوجته ؛ لا بغداء ، و لا بعشاء ، بل كان كل حديثها معهم يدور حول : خذ يا ولدي اشتري لأولادك ، و خذ اشتري لزوجتك .
و لذلك كانت هي الغالية المحبوبة .
و في ذات يوم من الأيام و أثناء عودتها من السوق مع أحدى سيارات الأجرة ، حصل لها حادث تصادم بين سيارة الأجرة و سيارة آخري ، نتج من جرائه لوالدتي ارتجاج في المخ ، و شلل نصفي ، ولذلك جلست في المنزل لا تستطيع خدمة نفسها ، بل تريد من يخدمها .
و صارت تحتاج إلى من يساعدها في الأكل و الشرب ، و كذلك في تنظيفها و رعايتها الرعاية التامة .
و في حالتها هذه ضاقت زوجة أخي بها ، فطالبت أخي أن يخرجها من البيت لأنها لا تستطيع خدمتها ، و أشارت عليه أن يضعها عندي لأنني ابنتها ، و أقرب الناس لخدمتها و القيام عليها .
و فعلا أحضرها أخي إلى بيتي ، و فرحت بها لأنني سوف أرد إليها و لو بعض فضلها علي عندما كنت صغيرة .
صرت أعتني بها و أنظفها و أطعمها ، حتى صرت لا أهتم بزوجي ، و لا أعطيه ما يريد من الحقوق علي .
و في ذات يوم من الأيام ضاق به الوضع ، و وضعني أمام اختيارين أحلامها مر : طلب مني أن اختار بينه و بين أمي .
و بدون تردد اخترت أمي لأنني أعلم انه سوف يجد البديل عني ، و لكن والدتي لن تجد من يخدمها غيري .
وتم الطلاق بيننا و جمعت ما أملك من مجوهرات و حلي و بعتها و استأجرت بيتا صغيرا سكنت فيه أنا و والدتي و ابني و ابنتي ، و صرت أصرف على هذه الأسرة مما تبقى من قيمة مجوهراتي حتى نفد،
و أصبحت لا أدري ماذا أفعل ؟
وجاء صاحب البيت يطالب بالإيجار، و لكن لم أجد ما املك ما أشتري به قوت يومي فكيف بقيمته الإيجار؟
و طلبت منه مهلة لعل الله أن يفرجها و لكن إلى متى ؟
نفذ صبر الرجل فقام بإخراجي من المنزل ، فقمت بجمع ما تبقى من عفشي و أخذت والدتي و أطفالي و خرجنا إلى أين ..؟
إلى الشارع .
نعم فليس هناك من يتحمل أسرتي الصغيرة ، حتى أخي الذي هو شقيقي ، و والدتي هي والدته .
عندما ذهبت إليه لأخبره بوضعنا، طردتني زوجته ، و قالت إن أخاك غير موجود ، و لا يريد أن يقابلك .
و أخي منذ أن وضع والدتي عندي ، لم يحاول حتى زيارتها فكيف يتحمل السكن عنده ، وهو الذي لم يتحمل والدتي لوحدها ، فكيف يتحمل أربعة أشخاص في السكن معه و الشرب و الأكل و اللباس .
جلست في أحد الشوارع الفرعية ، تحت شجرة ، و على الرصيف ، لا نجد ما نأكله إلا ما يتبرع به أهل الخير من المارة الذين يشفقون علينا عندما يرون منظرنا .
و في احد الأيام جاء رجل و قام بالتصدق علينا بمبلغ من المال ثم عاد في اليوم التالي
و قال :ألا تزالون في هذا المكان ؟
أليس لديكم بيت تسكنون فيه ؟
فأجبته: أنه لا يوجد لدينا بيت نسكن فيه إلا هذا الرصيف .
قال : ألا يوجد لكم أقارب تسكنون معهم ؟
فقلت له : تخلى عنا أقرب الناس إلينا ، فكيف نذهب للآخرين .
سكت الرجل ، وعيناه تذرفان الدمع من منظرنا ، و لكن دار برأسه ليواري دمعته .
ذهب الرجل في طريقه ، و بعد ساعة من الزمن ، عاد الرجل مرة أخرى.
قال : احملي أطفالك و والدتك وعفشك و تعالي معي.
فأجبته قائلة : و لكن إلى أين ؟
قال: إلى مكان مهما كان ، فهو أفضل من هذا المكان .
شكرت الرجل و أركبت أطفالي و والدتي و عفشي في سيارته .
ذهب بنا إلى بيت صغير ، و فتح لنا الباب ، و مع فتح الباب ؛ فتح لنا باب السعادة و الاستقرار و الراحة من عيون الناس الفضوليين .
و قال : هذا بيتكم، منذ هذا اليوم لا ينازعكم فيه أحد و لا يشارككم فيه أحد ، و لن يطالبكم فيه أحد بالإيجار ، و سوف أحضر لكم بقية
ما تحتاجونه من عفش بعد قليل ، فقد فضلت أن دخلكم من الشارع قبل أن أحضر العفش ؟
نزلنا في هذا البيت الصغير و الذي أصبح في نظري كأنه قصر لأنه وقاني من حرارة الشمس ، و حفظني بعد حفظ الله تعالى من عيون الفضوليين ؟
و أحضر الرجل الكريم بقية العفش ، و لم يدخر وسعا في إحضار كل ما يتطلبه البيت من ضروريات و كماليات .
وأصبح يحضر كل أسبوع ما يكفينا من أكل شرب و فاكهه حتى الملابس صار يحضرها لنا ، و صارت زوجته تزورنا كل أسبوعين أو ثلاثة لتتعرف على ما نحتاجه إليه .
كان يعطينا بعض المال لنشتري خلال الأسبوع من غير الموجود عندنا ، و تفرغت للاهتمام بأمي ، و أدخلت ابني و ابنتي إلى المدرسة.
و بعد مرور أربع سنوات على هذا الحال ، ماتت والدتي .
أرسلت إلى أخي ، و أخبرته بذلك لكي يقوم بما يقوم به الرجال في مثل هذه الحال .
و فعلا حضر أخي و معه مجموعة من الأقارب ، و قاموا بتغسيلها و تكيفينها ، و هم يعزون أخي على مصابه الجلل ، و يدعون الله أن يصبره على مصابه ، و ذهبوا بها للصلاة عليها و دفنها .
و لم يعد بعد ذلك ليسألني عن حالتنا أو عن سبب حضورنا هنا للعيش أو مما نعيش ، بل ذهب كما حضر و لم أشاهده بعد ذلك حتى انه لم يقم بتعزيتي في والدتي وهو يعلم أنني أحق بالعزاء منه .
نسيت أن أخبركم أن زوجي لم يكلف نفسه الحضور لرؤية ولديه أو السؤال عنهما أو حتى يرسل أحدا يطمئن عليهما .
عاد الرجل الكريم كعادته كل أسبوع و أحضر ما يحضره .
أخبرته عن موت والدتي فقام بتعزيتي ، و أحضر زوجته ، و عزتني كذلك و أعتذر عن التأخر في القيام بواب التعزية بعدم علمه بذلك .
شكرتهما على ذلك ، فأخبرني أن الوضع سيبقى على ما هو عليه .
شكرت الرجل على كرمه معنا طوال السنوات الماضية ، ثم طلبت منه أن تبقى زوجته لبعض الوقت .
تركها و انصرف ، فأخبرتها أنني أريد أن أعمل و أصرف على أولادي من عرقي ، فقد كنت لا استطيع الخروج من البيت و ذلك لرعاية أمي ، أما الآن فإن أولادي قد كبروا ، وأصبحوا في المدارس و لا أحب الجلوس لوحدي دون عمل .
فوعدتني بعرض هذا الموضوع على زوجها و أن تخبرني بالنتيجة في الأسبوع القادم .
و بعد أسبوع جاء الرجل و اخبرني انه و جد لي وظيفة ( مستخدمة ) في إحدى المدارس القريبة، إذا وافقت عليها .
وفعلا على الفور وافقت ، بل لا أخفيكم سرا إذا قلت أنني قد فرحت لأنها في نفس المدرسة التي تدرس فيها ابنتي و التي لا تبعد عن بينتا إلا خطوات قليلة .
أكملت إجراءات التوظيف و باشرت عملي في هذه المدرسة بنشاط و حيوية و جدية ، جعلتني محبوبة من مديرة المدرسة و المدرسات أيضا و أصبحت المدرسات يغدقن علي من كرمهن حتى إن الواحدة منهن تحضر لي ثوبا لولدي و الأخرى فستانا لابنتي.
و لكي لا يحرجنني يعتذرن بأنه صغير على ابنها أو بنتها ، مع أنني أعلم انه لم يلبس بعد ، أو انه قد اشتري من الأصل لولدي أو ابنتي خاصة .
مرت الأيام و نحن على الحب و العطف من الناسي لأنني كنت بارة بأمي
( و لله الحمد ) .
أما أخي فقد جاءني ذات يوم من الأيام يعتذر مني .
سألته عن سبب هذا الاعتذار فأخبرني انه ندم على ما قام به تجاه أمي و تجاهي .
أخبرني أن حريقا شب في مخازن محلاته التجارية أودي بجميع ما يملك و أن زوجته عندما علمت ما حصل له ، وأنه أصبح فقيرا ، تخلت عنه
و طلبت الطلاق و ذهبت إلى بيت أهلها ) ا هـ.
هذا جزاء البر و هذا جزاء العقوق .