الحج ..
محبو الأدب التقليديون يحجون الى أماكن في العالم اختار معبودهم أن يقيموا أحداثا درامية فيها . الجسر الذي دفع فولكنز بطله كوينتن كومبسون الى القفز منه في نهر تشارلز ، جسر نيسو على نهر فال في نيميغين ، الكتدرائية الكائنة في روين حيث كان موعد إيما بوفاري مع حبيبها ليون ، قصر النبلاء في لوبيك حيث سقط آل بودنبروك ، البيت الكائن في إليير حيث تعرف بروست مذاق كعكة المادلين الاسفنجية ، هذه الجسور والكنائس والبيوت لا تختلف ، في الحقيقة ، بحد ذاتها أي اختلاف ، عن أبنية مماثلة في أماكن أخرى . والمواقع الفريدة حقا مثل أهرام الجيزة أو برج إيفل أو عمارة إمباير ستيت لا تظهر إلا في أفلام الدرجة الثانية .
الحج الأدبي ينطلق متوقعا ان يمنح صاحبه لحظة سحرية يردم فيها من خلال قوة التركيز الفجوة بين الواقع والخيال . وتبوء التجربة بالفشل بطبيعة الحال ، ولكن هنا بالتحديد بيت القصيد . فالحج كله ليس أكثر من حجه لتمديد الحلم بتجربة عزيزة أثيرة في القراءة . وبمعنى ما ، كان امرؤ القيس يفعل الشيء ذاته على الأطلال التي ترجل عندها من مطيته . فهو أيضا استسلم للحالة الرمادية بين الحياة اليومية العادية واللغز . وكما تقول الكلمات الأولى في سرد القصص العربية : كان يا ما كان . وهذا هو المكان الذي كان ، هذا هو الرمل الذي لامسته قدماها . ولكن حتى آثار الأقدام محيت كأنها لم توجد قط برغم أنها بدت في حينه باقية الى الأبد .