يقول أبو علي الروذباري :
كان سبب دخولي مصر حكاية " بنان الحمال " وذلك أنه أمر به ابن طولون أن يلقى بين يدي سبع ..
فاستمع للقصة حيث صورها لنا مصطفى صادق الرافعي أروع تصوير قائلا على لسان الروذباري :
كنت حاضرا أمرهم ذلك اليوم ، فجيء بالأسد ، وكان الأسد الذي اختاروه للشيخ أغلظ ما عندهم ، جسيما ، ضاريا ، عارم الوحشية ، متزيل العضل شديد عصب الخلق ، هراسا فراسا ، يلوح شدقه من سعته وروعته كفتحة القبر ، ينبيء أن جوفه مقبرة ، ويظهر وجهه خارجا من لبدته ، يهم أن ينقذف على من يراه فيأكله ..
وأجلسوا الشيخ في قاعة ، وأشرفوا عليه ينظرون ، ثم فتحوا باب القفص من أعلاه ، فجذبوه فارتفع ، وهجهجوا بالأسد يزجرونه ، فانطلق يزمجر ويزأر زئيرا تنشق منه المرائر ، ويتوهم من يسمعه أنه الرعد وراء الصاعقة ثم اجتمع الوحش في نفسه واقشعر ، ثم تمطى كالمنجنيق يقذف الصخرة فما بقي من أجل الشيخ إلا طرفة عين ..
ورأيناه على ذلك ساكنا مطرقا ، لا ينظر إلى الأسد ، ولا يحفل له ، وما منا
إلا من كاد ينتهك حجاب قلبه من الفزع والرعب ، والإشفاق على الرجل .. ولم يرعنا إلا ذهول الأسد عن وحشيته ، فأقعى على ذنبه ، ثم لصق بالأرض يفترس ذراعيه ، ثم نهض نهضة أخرى ، كأنه غير الأسد فمشى مترفقا ثقيل الخطو ، تسمع لمفاصله قعقعة من شدته وجسامته ..
وأقبل الأسد على الشيخ يحتك به ، ويلحظه ويشمه ، كما يصنع الكلب مع صاحبه الذي يأنس به ، وكأنه يعلن أن هذه ليست مصاولة بين الرجل التقي والأسد ولكنها مبارزة بين إرادة ابن طولون وإرادة الله جل وعلا ..
قال : ونسي الشيخ نفسه ، فكأنه رأى الأسد ميتا ، ولو أن خطرة من همّ الدنيا ظهرت على قلبه في تلك الساعة ، أو اختلجت في نفسه خالجة من الشك ، لفاحت رائحة لحمه في خياشيم الأسد ،
قال : وانصرفنا عن النظر في السبع إلى النظر في وجه الشيخ ، فإذا هو ساهم مفكر ..
فمن قائل : إنه الانصراف بعقله عن الموت ..
ومن قائل : إنه الخوف أذهله عن نفسه ..
وثالث يقول : إنه سكون الفكرة ، لمنع الحركة عن الجسم ، فلا يضطرب
وزعم جماعة أن هذه حالة من الاستغراق يسحر بها الأسد وأكثرنا في ذلك ، وتجارينا فيه ، حتى سأله ابن طولون :
مالذي كان في قلبك ، وفيم كنت تفكر ؟؟
فقال الشيخ : لم يكن علىّ بأس ، إنما كنت أفكر في لعاب الأسد
أهو طاهر أم نجس ؟؟؟؟!!!!!
الســــؤدد