إن الإعتداد بالرأي وضيق الصدر عن سماع النصح أو الإقتراحات لهو مشعر للآخرين بوجود حواجز كبيرة بينك وبينهم مما يؤدي الى انقباضهم عنك في الحديث وربما عدوا فيك شيئاً من الكبر..... فتتولد كراهيتهم لك في نفوسهم
حتى لا يطيقوا صحبتك بعد ذلك....... فاحذر من انتقاص أعمال الآخرين وخصوصاً
إخوانك ، ومن تجاهل آرائهم واقتراحاتهم وقابل ذلك بالتشجيع والأدب وسعة الصدر لاسيما من لم يكن منهم مفرطاً في ذلك .
فهاهو صلى الله عليه وسلم مع نبوته وفضله يشير الصحابة عليه بالخروج في أحد فيخرج ولم يكن يميل الى ذلك ، وهاهي أم سلمة في الحديبية تشير عليه صلى الله عليه وسلم أن يبدأهو بحلق رأسه ونحر هديه حتى يخف على أصحابه فيقتدوا به فعمل بقولها ، ولما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين في الحديبية على أن من أسلم منهم رده إليهم ومن ارتد لم يردوه إليه ، قال عمر رضي الله عنه : يارسول الله أولسنا بالمسلمين ؟ ؟ فلا يضيق صلى الله عليه وسلم بهذا السؤال التقريري ذي الإجابة البدهية المعلومة ، بل يجيبه في هدوء : (( بلــى )) فيقول عمر رضي الله عنه : أوليسوا بالمشركين ؟ ؟ فيسترسل معه صلى الله عليه وسلم ويجيبه : (( بلــى )) فيقول عمر رضي الله عنه : فلم نعط الدنية في ديننا ؟ ؟ فيبين له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر الله وأن الله لن يضيعه....... راوه البخاري
فإذا كان هذا شأنه صلى الله عليه وسلم مع الناس مع مكانته ونبوته وفضله فكيف بما ينبغي للأخ مع أخيه وللقريب مع قريبه وللصديق مع صديقه وللجار مع جاره وللزوج مع زوجته والعكس وللمسلم مع إخوانه المسلمين من التواضع وتحمل المراجعة والإقتراحات ونحو ذلك .
بل تأمل حلمه العظيم صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما توفي عبدالله بن أبي بن سلول(رأس المنافقين) جاء إبنه عبدالله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه ؟ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما خيرني ربي فقال

( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرةً فلن يغفر الله لهم )) وسأزيده على السبعين ) قال : إنه منافق . فلما صلى عليه نزلت الآية (( ولاتصل على أحد منهم مات أبداًولا تقم على قبره )) .
ولما أتاه الأعرابي فجذبه من ردائه وقال : يا محمد أعطني من مال الله فإنه ليس مال أبيك ولا مال أمك لم يزل صلى الله عليه وسلم يعطيه حتى رضي . متفق عليه
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحمل ممن هو دونه كل هذا فكيف بنا مع أحبتنا وإخواننا ، فحالنا أدعى للتحمل والتواضع دون كبر أو إعتداد .
ولم أذكر أمثلة لغير النبي صلى الله عليه وسلم لأن غيره دونه ، ولديه ماليس عند غيره فلا أحد يساميه في الدواعي ومع ذلك كان هديه أتم هدي وأكمله فتربت يدا من لم يكن له فيه أسوة حسنة .
ولينأبنفسه أن يصير به الحال كحال الذي حاج إبراهيم في ربه . أو كحال الذين يقولون : (( ما جاءنا من بشير ولا نذير )) .
إخواني ليس عيباً أن نخطىء فكل بني آدم خطاء ولكن أن نعود من أول الطريق خير لنا من أن نعود من منتصفه أو آخره .
وليكن شعارنا الحكمة ضالة المؤمن وسلاحنا رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي .