منذ أن انتقلت إلى الحي لفت انتباهها ذلك الشاب الوسيم...
لا تعرف عنه شيئاً سوى انه يعني لها اكثر مما تستطيع تجاهله...
شاب في مقتبل العمر... هادئ الطباع جاد الملامح وجتهد في عمله...
الجميل في الأمر انه يسكن في ذات البناء الذي انتقلوا إليه، ليس معه سوى والدته...
مكان عمله أيضا لم يكن بعيداً، حيث كانت نافذتها تشرف على "ورشه الموبيليا" التي يعمل فيها...
من هنا أصبحت تستمتع بمراقبته... كانت تعيش معه الساعات والدقائق حتى يغادر...
أعجبت به أيما إعجاب... أعجبت بحركاته و سكناته أعجبت بأسلوب كلامه وابتسامته... أعجبتها حتى تلك اللحظات التي يغضب فيها...
المشكلة انه لم يكن يعرف عن ذلك الإعجاب شيئاً ...
لم تصادفه إلا مرة واحدة. حين كانت عائدة من السوق وقابلته عند مدخل البناء... توترت فتعثرت وسقطت...
مازالت تذكر كلماته:"يا ساتر" حين ابتدر إليها يسندها وهو يردد " خير إن شاء الله"
لم تجبه فقد كانت تستنشقه عالماً آخر غير الذي تحياه...
حمل معها ما تناثر ورافقها إلى باب الشقة... وقبل أن يغادر أسعدها حين قال: حماكِ الله... مازال للكلمة في قلبها صدى...
أصبحت اشد قوة في إعجابها به... أصبحت تعيشه كل مساء... فتطفئ أنوار غرفتها، وتفتح نافذتها بحيث لايراها...
تحضر كوبي شاي تسكب لنفسها في أحدهما وتترك الآخر فارغاً...
كقلبها الفارغ... تتمنى أن يملؤه هو و ليس شخصاً سواه...
في أوقات راحته، ترشف من كوبها وتجلس هنااااك تراقبه...
يحب الشعر فأصبحت تهواه معه...
يخرج ديواناً يقراه فأحضرت ذات الديوان في اليوم التالي... كان ديواناً جميلاً وقصائده رائعة...
أصبحت تقرأ شفتيه...
تعرف ما يقول من حركاتهما وتدريجيا أصبحت خبيرة في لغة الشفاه يكفي أن تنظر إلى المتكلمين لو من بعيد لتعرف ماذا يقولون...
أصبحت تعرف بعض أسراره من حديثه مع صديقه المقرب...
لم تعد تشك في أنها باتت تشاركه حتى أسراره ...
اجمل اللحظات حين يقرا قصيده ما همساً... تشعر أنها موجهة إليها... تشعر انه يتغزل بها... تنتقل إلى عالمه بأكوابها فتسكب لنفسها كوباً وتظل تنظر إلى وجهه وتداعب شاربه...
ظلت على هذا الحال طويلاً ولا يؤرقها سوى انه لا يعرف عن هذا الحب شيئاً...
حين حاز على شهادته الجامعية أيضاً كانت هناك... كانت أول من عرف... قرأت نتيجته على شفتيه... كانت تلتقط الكلمات منه قبل أن تسقط في أذني صديقه... يتكلم فرحاً مسروراً...
اصعب ما قرأت كان مفاجأً...
كان حواراً مباغتاً...
بعثر حلمها... شتتها...
كان يقول لصديقه:
- الآن بعد الشهادة سأتزوج...
نعم, سأذهب لخطبه محبو بتي...
كم سهرت معي نتجاذب أطراف الحديث و نتذوق الشعر...
كان قلبها يسأل مع كلمات صديقه:
- وهل لك حبيبة؟
- نعم, فتاة جميلة كم تمنيتها...
نظر باتجاه نافذتها... وعلى ما تذكر كانت تلك أول مرة يرفع رأسه باتجاه نافذتها...
نظر لبرهة ثم سرح بفكره قليلاً...
عاد بنظره إلى صديقه الذي علت ملامحه علامات التعجب...
تابع قائلاً وهو ينظر إلى نافذتها من جديد:
- محبوبتي تقطن هناك!!! خلف تلك النافذة...
تراجعت للخلف قليلاً... غطت وجهها بيديها...
شعرت أن مشاعرها كانت مكشوفة...
عادت تسترق النظر... رأته و قد تابع حديثه...
عرفت أنه لم يكن يعلم بوجودها خلف تلك النافذة...
ارتمت على سريرها مبتسمة قبل أن تعود لمقعدها من جديد...
سكبت لنفسها كوب شاي... و... سكبت له...
نظرت إلى كوبه مبتسمة...
وضعت يدها على قلبها...
أغمضت عينيها و تنفست ببطء...
ابتسمت بدلال...
" أخيراً... امتلأ الكوب الفارغ"...
منقول
حبيسه الحــزن