قرأت خبراً صحفياً يثير الطرافة والاستغراب في آن واحد، يقول الخبر «اعلنت وزارة التعليم الدنماركية تدريس القرآن الكريم في مدارسها في المرحلة الثانوية. وحسب وكالة الانباء الدنماركية فان القرار سوف يطبق اعتباراً من الموسم الدراسي المقبل عام 2005 وصرحت وزيرة التعليم الدنماركية، اولى تورناس، بأن تدريس الاسلام لطلبة المرحلة الثانوية جاء بعد ان اشارت الدراسات الى ان معظم الطلاب ذوي الاصول الدنماركية لديهم اصدقاء من المسلمين ويعيشون في المجتمع الدنماركي، وان هناك اهتماما متزايداً لدى الطلاب الدنماركيين لتعلم الاسلام كدين، مما سوف يساعد على فهم الدين الاسلامي في البلاد، خاصة ان عدداً كبيراً من المسلمين يعيشون في الدنمارك يذكر ان الحكومة الدنماركية طبقت العام الماضي ايضاً تدريس مادة اللغة العربية في المدارس الحكومية». أ . هـ
الطريف ان هذه الدولة الغربية، والتي يفترض فيها انها تقف في وجه الثقافة الاسلامية، تحاول في فهم الاسلام وذلك بمحاولة التعرف عليه عن طريق التعامل معه مباشرة وتعليمه لابنائهم، وليس باستبعاده ومحاربته مباشرة كثقافة وكدين! بينما بعض كتابنا من بني جلدتنا ينادي باغلاق المعهد الديني والغاء كلية الشريعة وتعديل المناهج التعليمية وبالذات مادة التربية الاسلامية!!
الدنمارك تقترب من الاسلام لكي تفهمه جيداً باعتباره ديناً وثقافة موجودة، ولا يمكن تجاهلها، بينما يكتب بعضهم محتجاً على برنامج تفسير القرآن الذي يقدمه الشيخ الفاضل عبد الرحمن عبد الخالق، ويقترح منعه! بينما البرنامج يبث في وقت تكون فيه نسبة المشاهدة ضعيفة جداً، وكان الاولى تغيير موعده لكي يستفيد منه اكبر قدر ممكن من الجمهور!
البعض يرى في اللجان الخيرية مشكلة وأراها هي الحل! وآخرون يعتقدون ان الجماعات الاسلامية المعتدلة داء، وانا اراها هي الدواء! الشباب الملتزم منحة وليس محنة، والارهاب حصل ويحصل ليس بسبب الاسلام او المناهج الدينية او تجمعات المساجد، بل بسبب التضييق على التيار الوسطي المعتدل، والذي يدين به السواد الاعظم من المسلمين!
اتابع ما يكتبه بعض الزملاء حول دور اللجان الخيرية والجماعات الاسلامية والتطرف الذي يحدث في العالم الاسلامي، وبالاخص في منطقتنا العربية. والذي ازعجني هو استماتة البعض في محاولة الربط وبقوة، بين الانشطة التي تقوم بها اللجان الخيرية والجمعيات الاسلامية (على اختلاف انشطتها وتوجهاتها) وبين ما يفعله بعض الشباب المتطرف في السعودية والعراق وغيرهما! ولو محصت هذه المقالات لكي تجد دليلاً واحداً يثبت صحة هذا الاتهام الخطير، فلن تخرج سوى بعموميات وعبارات انشائية واستعداء واضح للسلطة والحكومة لضرب الاسلاميين بحزم وقوة!! ومما زاد في استغرابي ان بعض الكتاب يتصف (او يحاول) بالامانة العلمية والحيادية في الطرح، ومع ذلك نجده مغرقا في التطرف في الرأي، واستبعاد الاخرين، والقاء التهم جزافاً يمنة ويسرة!اللجان الخيرية والجمعيات الاسلامية ليست وليدة اليوم، بل لها تاريخ ناصع البياض ومشرق الجنبات من العمل الدؤوب والمستمر لخدمة المنطقة العربية والاسلامية. هذه المؤسسات الاسلامية (داخل الكويت وخارجها) مضى عليها سنون وهي تعمل بشكل رسمي وواضح، وحتى قبل احداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن ما نقرأه من مقالات الضرار هو مجرد سد الشمس بمنخل! وهيهات ان يحدث ذلك!
لن تستطيع الدول الاسلامية، ومنها الكويت، ان تحارب الارهاب الا بتشجيع الجمعيات الاسلامية واللجان الخيرية وزيادة الجرعة الدينية في اعلامنا العربي! والترويج للعلماء والمشايخ والدعاة ذوي التوجه المعتدل والوسطي وما اكثرهم... هذا هو الحل بكل بساطة، وبدون الدخول في جدال عقيم لا طائل من ورائه! وهذا ما استعصى على بعض الكتاب فهمه! يفجر متطرف نفسه في العراق او في روسيا، فيخرج علينا في صحافتنا من يطالب باغلاق الجمعيات الاسلامية هنا في الكويت لأنها سوف تفرخ الارهاب أليس ذلك ارهاباً يا سادة! يغضون الطرف عن الفساد، ومخيمات المخدرات، ومزارع الليالي الحمراء، وكلهم همهم هو المخيمات الدعوية التي تقيمها جمعيات الاصلاح والتراث (وغيرها) في وضح النهار، وباعلانات تملأ الصحف والشوارع! بل في بعض الدول العربية تغدو تهمة المتاجرة بالمخدرات اخف جرماً من تهمة اعفاء اللحية او التردد على المساجد!
ان للاسلام طبيعة مختلفة جداً (ومتميزة كذلك) عن باقي الديانات والمذاهب! ان الدين الاسلامي يتغلغل في النفوس والعقول، وفي الحياة بكل انشطتها ومناحيها! الاسلام ليس قيد جدران المسجد، وان كان ينطلق منه! والاسلام ليس رهين قراءة بضع آيات من القرآن، وان كان القرآن هو أساس الاسلام! الاسلام كل هذا وأكثر... الاسلام منهج حياة!
د.خالد القحص
مقال اعجبنى وودت ان تطلعو عليه .