لِتشابُه إسمَيْهِما ؛ كانت المعلومات تتشابَكُ عندي في ( معَـن بن زائـده ) و ( قِـس بن سـاعِده ) .
ولكِن بعد اطلاعي على كُتُب الأدب والتاريخ والتراث العربي ؛ عرفت مَن هذا ومَن ذاك .
اليوم ؛ سنتحدّث عنِ الأولّ ، ولاحِقاً سنتكلّم عن الثاني .
كونوا جميعاً يا بَنِيَّ إذا اعترى *** خطْـبٌ ولا تفرّقُـوا أفــرادا
تأبى العِصِيُّ إذا اجتمعَت تكسُّراً *** وإذا افترقَت تكسّـرَت آحـادَا
وهُما مِن أشهَر وأجوَد الأبياتِ الدالّة على أنّ ( الإتحـادِ قُـوّة ) .. والبيتان لضيفِنا العزيـز : [ معَـن بن زائـده ] .
معَن بن زائده .. الوافرُ الحُـلم .. اللـيِّنُ الجانِب :
معَن بن زائده .. أميرَ العربِ أبو الوليد الشيباني ، أحَدُ أبطال الإسلام ،
وعين الأجواد . كان من أمراء متولي العراقين يزيد بن عمر بن هبيرة ،
فلمّا تملك آل العباس ، اختفى معَن مدّة ، والطلب عليه حثيث ،
فلما كان يوم خروج الريوندية والخراسانية على المنصور ، وحمي
وطيسُ القتال وحار المنصور في أمره ، ظهر معن ، وقاتل الريوندية ،
فكان النصر على يده ، وهو مقنع في الحديد ، فقال المنصور :
ويحك .. مَن تكون ؟ فكشف لِثامَه ، وقال : أنا طلبتك معن . فسُرّ به ،
وقدّمَهُ وعظّمَه ، ثم ولاّهُ اليمَـنَ وغيرَها .
قال بعضهم : دخل معن على المنصور ، فقال : كَبُرَت سِنُّك يا معن .
قال : في طاعتك . قال : إنك لتتجلّد . قال : لأعدائك . قال : وإنْد
فيكَ لبقية . قال : هي لك يا أمير المؤمنين .
ولمعن أخبار في السخاء ، وفي البأس والشجاعة ، وله نظم جيد .
ثم وُلِّىَ سجستان . وثبتَ عليه الخوارج وهو يحتجم ، فقتلوه ، فقتلهم
ابنُ أخيه يزيد بن مزيد الأمير في سنة اثنتين وخمسين ومائة ، وقيل :
سنة ثمان وخمسين .
تقولُ العـرَب : ( أجوَد مِن معن بن زائدة ) ، كما تقول عَن حـاتِماً
وابنُه ( شراحيل ) الذي فتح حِصن الصقالبة في عهد هرقـل ملِك الروم .
أرادَ رجُلٌ أن يختبِر حُـلْمَ إبنَ زائـدة فقال له :
أتذكُر إذ لحافُكَ جِلدَ شـاةٍ *** وإذ نَعلاكَ مِن جِلْدِ البَعيرِ !
قالَ معَن : أذكُر هذا ولا أنساهُ يا أخَ العرب .
قال الرجُل :
فسبحان الذي أعطـاكَ مُلكـاً *** وعلّمَكَ الجُلوسَ على السّريرِ !
فقال معن : سبحان الله !
فقال الرجل :
فلسْتُ مُسَلِّماً ما عِشتُ حيّاً *** على معنٍ بتسليمِ الأميـرِ
قال معن : إن سَلّمْتَ ردَدْنا عليكَ السّلام , وإنْ تركْتَ فلا ضَيْرٌ عليك .
فقال الرجل :
سأرحلُ عن بِلادٍ أنتَ فيها *** ولو جارَ الزمانُ على فقير
قال معن : إنْ أقمْتَ فعلى الرّحبِ والسِّـعَةِ , وإن رحلْتَ عنّا فمصحوباً بالسّلامة
فقال الرجل :
فجِد لي يا " بن ناقِصَـةٍ " بمالٍ *** فإني قد عزمْتُ على المَسِير
( يستبدِل ابن " زائـدة " بـ " إبنِ ناقِصة " .. ورغم ذلك يطلِبهُ مالاً ) !!
فقال معن : أعطُوهُ ألفَ دينارٍ
فأخذها وقال :
قليلٌ ما أتيتَ بهِ وإنـي *** لأطمَعُ منك بالمالِ الكثير
فثنّ فقد أتاكَ المُلْكُ عفواً *** بِلا عقلٍ ولا رأيٍ مُنيـر
فقالَ معن : أعطُـوهُ ألفاً ثانياً !
فتقدّمَ الرجُلُ إليهِ ؛ وقبّـلَ يديه ورِجلَـيْه وقال :
سألتُ الجودَ أن يبقيك ذُخراً *** فما لَكَ في البَريّةِ مِن نظير
فمِنكَ الجُودُ والأفضالُ حقاً *** وفيضُ يديْكَ كالبَحْر الغزير
فقال معن : أعطيْناهُ على هجائه ألفَـين ؛ فأعطوهُ على مَدحِنا أربعةَ ألاف .
قال الأعرابيُّ : جُعِلتُ فِداكَ .. ما فعلت ذلك إلا لمئةِ بَعير جُعِلَت على إغضابك .
فقال معن : لا خَوفَ عليك . ثم أمرَ له بمائتي بعير نصفها للرهان ، والنِصف الآخَر له .
فانصرَفَ الأعرابيُّ داعِياً وشاكراً لهذا الكريم .
والسؤال الذي يطرَحُ نفسَـه :
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
هل مِن ( معَـن ) اليوم ؟؟ وكـم مِنه يا تُرى ؟!!!