واجهة أحد معابد الهندوس في عدن 2003

سنة 1861، كان الهنود، بغالبيتهم المسلمة، يشكلون أوسع جالية في عدن. ولا شك أنّ أفراد كتيبة المشاة المستقرة حينئذٍ في عدن، قد أسهمت في توسيع هذه الجالية. لكن الباحث الفرنسي لويس سيمونان يفسر كثرة الهنود المسلمين في عدن بأسباب أخرى تتجاوز السياسة البريطانية، حيثُ يكتب: "لقد توقف الهنود في هذه المدينة العربية في طريقهم إلى الكعبة، أو عند عودتهم من الحج الذي هو واجب على كل المسلمين. وتبدو عدن محطة مريحة وجذابة لمسلمي الهند، فينصرف كثيرٌ منهم إلى الأعمال المربحة فيها وينسون تمامًا الكعبة والرسول". ومع ذلك يتكوّن جزء لا بأس به من الهنود في عدن من الهندوس "البانيان" الذين يعملون في التجارة، بينما نجد أنّ معظم الهنود الذين يعملون جنوداً أو موظفين في الجيش البريطاني من المسلمين. وقد أثار ارتفاع عدد الهنود في مدينة عدن التي تقع في شبه جزيرة العرب دهشة الرحالة الفرنسيين. فعالم الاجتماع آرثر دي غوبينو، مثلاً، بعث برسالة لأخته في 5 مايو 1855، كتب فيها: "في عدن شــاهدنا مدينة هندية فوق أراضٍ عـربية، وســط الصخور".
وفي الحقيقة، منذ أربعينات القرن التاسع عشر، اكتسبت عدن بعض سمات المدينة الهندية التي تميزها عن بقية المدن في الجزيرة العربية. وقد أسهب عالم الاجتماع آرثر دي غوبينو في تقديم مختلف فئات الهنود في عدن من منطلقات أثنولوجية، فهو يقول: "لقد كنّا نعتقد أننا في الجزيرة العربية، لكن كم كانت دهشتنا كبيرة! فعند دخولنا أحد الشوارع وجدنا أنفسنا وسط الهند، لا شيء هنا يشبه ما سبق أن شاهدناه في جدة. لا أدري إذا كنت أحسن التعبير إذا قلت إنّ إحساسنا بالأشياء بدأ يتغيّر: فعلى الرغم من أنّ البيوت في عدن وجدة هي البيوت أنفسها، والخشب هو الخشب نفسه، والأحجار هي الأحجار أنفسها، فمن الواضح أمام أعيننا أنّه توجد طرق مختلفة لاستخدام تلك المواد وتنظيمها. فقطعة الخشب المطلي باللون الأحمر لا تأخذ الشكل نفسه واللون نفسه في كل مكان. واللون الأحمر الذي نراه مثلاً فوق واجهات حاناتنا ليس اللون الأحمر الذي ترتديه البيوت التركية. وهذه الأخيرة لا تبحث في الألوان عن تلك الصبغة الشاحبة التي تفضلها العيون الهندية. وفي شوارع عدن الهندية، لا توجد تلك البيوت الكبيرة البيضاء التي تشبه القلاع وتحمل بعناء المشربيات الضخمة الجميلة. المرء هنا، لا يستطيع أن يشاهد إلا مساكن صغيرة مظلمة، مفتوحة من الأمام كالمتاجر. وتوجد أمام كل منها منصة خشبية تستخدم كصالون وقاعة طعام وغرفة نوم ، وهذا يتيح للسكان الاستفادة من الأملاك العامة والنوم وسط الشارع"
ونتيجة لهذا الطابع الهندي يؤكد بول موراند، في كتابه "طريق الهند"، أنّ المسافر القادم من أوروبا لا يكتشف الشرق إلا عند وصوله إلى عدن "فسوقها يقدّم للمسافرين القادمين من أوروبا عيّنات - فاتحة للشهية- من عجائب الهند، ويسمح للعائدين بشراء ما لم يتمكنوا من شرائه هناك. فقاعات البيع الكبيرة التي يمتلكها الفارسيون في التواهي تضاهي تمامًا الدكاكين الضخمة في بومباي".
والهنود الفارسيون (Les Parsis) هم أولئك الزرادتشيون الذين يتحدثون الأردية ويعبدون النار، وقد فروا من إيران بعد الفتح الإسلامي مباشرة إلى الهند. لهذا السبب يدخلهم الفرنسيون ضمن العدد الإجمالي للهنود في عدن. ونتيجة لإعجابهم الشديد بهم يكرسون صفحات طويلة لتقديمهم والحديث عنهم. فغوبينو وسيمونان يقدّمان تفاصيل دقيقة عن مختلف عاداتهم ومعابدهم وملابسهم. "ما زال الفارسيون، يكتب لويس سيمونان، يعبدون النار والشمس كما كانوا يفعلون في عصر زرادتش. فهم، في عدن مثلما هو الحال في بومباي وبقية أنحاء الهند، لم يتركوا ديانة أجدادهم ويرون في العناصر الأربعة، لاسيما في النار، مصدر الكائن الأزلي. كما أنهم لا يدفنون موتاهم، بل يتركونهم لفعل الهواء والطيور الجارحة، إذ يتم وضع جثث الموتى وسط برج شُيّد بالقرب من تحصينات عدن. وهناك لا تكف الغربان عن التحليق. أما العظام فتجمع وترمى في حفرة جماعية تقع تحت البرج. ويوجد أيضاً في عدن معبد خاص بالفارسيين. لكني لم استطع زيارته، ولم أتمكّن أن أعرف إذا كانت النار التي يحافظون عليها جيدًا بداخله قد أحضرت من النار نفسها التي أوقدها زرادتش قبل أربعة آلاف عام. ولم استطع كذلك أن أسأل التاجر الفارسي كواسجي حول هذا الموضوع. لكنه لم يقبل أبدًا أن يقدم لي نارًا لأشعل سيجاري، ولم أره يدخن أو يطفئ بنفسه الأنوار الساطعة في دكانه. وأخبرني خادمه أنّه بالرغم من ثروته لا يحتفظ بأي سلاح ناري في بيته. ويسكن الفارسيون الأغنياء في منطقة التواهي داخل شقق تم تأثيثها بالطريقة الأوروبية. فكواسجي، مثلاً، كي يوفر سبل الراحة للمسافرين الذين يزرونه، قام بتوفير عدد كبير من الكنبات والكراسي المريحة. وزيّن صالونه باللوحات والمرايا الضخمة. وتوجد كذلك مكتبة ومراوح معلقة في السقف. ويمكن أن يقدم كواسجي أفضل أنواع الشمبانيا للزائر الذي يرغب في ذلك".
منقــــــــــــــــــــوله .. لعلم فقط ؟؟؟؟؟؟؟؟