امريكا وابن لادن : الحلفاء الأعداء !! ...
د. شاكر النابلسي
كان من الصعب على ابن لادن في بداية التسعينات ولما يتجاوز عمره وقتها الثالثة والثلاثين، وقد مارس حلاوة السلطة طيلة عشر سنوات في أفغانستان، وكان هو الأمير في السلطة وفي المال وفي السياسة وفي إطاعة الآخرين له، أن ينسحب بسهولة من كل هذه المغريات وينـزوي في الظلام، ويتحوّل إلى مجرد رجل أعمال كباقي اخوته الخمسين الآخرين الذين رغم غناهم وعزّهم لم يذوقوا ما ذاقه أسامة من طعم السلطة اللذيذ، وصولجان القوة المبهر، ورنين الذهب النادر في آن واحد.
فقد كان أسامة طيلة عشر سنوات خلت (1979-89) هو الذي وُضعت تحت تصرفه كل إمكانات التكنولوجيا العسكرية والمخابراتية والإتصالية الأمريكيـة. وكان هو رجل الاستخبارات الأمريكية الأول ليس في أفغانستان وحدها، ولكن في وسط آسيا كلها.
الأمير المطلق وصاحب الصولجان
وكان أسامة يتحكّم بصندوق "دعم دوّار" لأفغانستان، فيه باستمرار 500 مليون دولار حصيلة التبرعات الخليجية والعربية والإسلامية والمساعدات الأمريكية والأوروبية. ويصرف من هذا الصندوق ما يشاء وكيفما شاء على المجاهدين وعلى المخابرات المدنية والعسكرية الباكستانية التي أصبحت هي الأخرى طوع بنانه. وكان أسامة هو الأمير المطلق على ما يقارب من خمسين ألف شاب جاءوا من كافة أنحاء العالم العربي والإسلامي على مدار عشر سنوات، من طلبة وعمال ومهندسين وأطباء ودعاة وهُداة دينيين وسياسيين، ليتدربوا على حمل السلاح والجهاد لإخراج السوفييت "الكفار" من أرض الإسلام.
فكيف نريد من أسامة بعد كل هذا أن يهجع ويخشع، ويعود أدراجه إلى ذهبه وعنبه؟
فكيف يمكن لجذوة السلطة والقوة بعد كل هذا أن تنطفئ هكذا وبهذه السرعة؟!
وبماذا سيشير الناس إليه غداً في السعودية وخارج السعودية؟
مجاهد سابق في سبيل الله!
أم رجل المخابرات الأمريكية الأسبق!
لذا، فقد قرر ابن لادن أن لا يلقي السلاح، وأن لا يركن إلى الذهب والعنب، وأن يظل ممتشقاً سيف الغضب، وأن يبحث له عن عدو سمين سُمنة الدب الروسي السابق، يُشهر في وجهه سيف الغضب هذا، فلم يكن أمامه غير أمريكا التي خبِرها وخبِر أجهزتها ويعرف عنها الشيء الكثير.
فقفز، وشهر سيف الغضب في وجه أمريكا.
لماذا أمريكا بالذات؟!
والسؤال الآن هو:
لماذا أمريكا بالذات؟
الكل من الشمال ومن الجنوب ومن الشرق ومن الغرب من داخل أمريكا وخارجها، يتساءل لماذا عناقيد الغضب البنلادني (نسبة إلى ابن لادن) انصبّت وتنصبُّ على أمريكا الصديقة الوفية للبلد والولد على هذا النحو العنيف؟
- فإذا كان السبب أن الأمريكان هم من النصارى الكفرة غير المسلمين فإن أوروبا كلها على هذا النحو واليابان والصين والفلبين كذلك وجزءاً كبيراً من إفريقيا، فلماذا أمريكا؟
- وإذا كان السبب أن الأمريكان هم من يقف خلف إسرائيل ويدعمها، فإن أوروبا تدعم إسرائيل أيضاً وبمستوى أقل. ولكن متى كانت القضية الفلسطينية في صُلب الخطاب السياسي لابن لادن. إنها لم تظهر إلا بشكل مختصر وعاطفي وعام وسطحي إلا بعد كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001. لقد كان شُغل الخطاب السياسي والقتالي الشاغل لابن لادن وتنظيم "القاعدة" هو أفغانستان بالدرجة الأولى والأخيرة ومحاربة الشيوعية كانت على رأس أوليات ابن لادن في أفغانستان وفي اليمن الجنوبي بعد ذلك.
- وإذا كان السبب أن الأمريكان هم أغنى دول العالم، فإن سويسرا وسنغافورة مثلاً قياساً لعدد السكان أغنى من أمريكا ودخل الفرد فيهما أعلى من دخل الفرد الأمريكي السنوي. وتقترب اليابان من كل هؤلاء في دخل الفرد السنوي.
- وإذا كان السبب أن الأمريكان هم الذين سيطروا على تجارة العالم واقتصاد العالم، فهم لم يسيطروا من خلال الاستعمار الذي شهدنا مثيلاً له من بريطانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا وغيرها غداة الحرب العالمية الأولى. وما جنوه الأمريكان وما حققوه من عظمة اقتصادية كان بجدهم واجتهادهم ودأبهم وعلمهم الغزير ومناهجهم السياسية الديمقراطية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وإذا كان هناك بعض الأخطاء وبعض الظلم الذي حاق ببعض الشعوب نتيجة لسياسات بعض الحكومات الأمريكية المتعاقبة، فهذا الظلم لا يصل إلى ما وصل إليه الظلم أثناء هيمنة الإمبراطورية البريطانية والسوفياتية وغيرها من القوى العالمية الأخرى على أجزاء كثيرة من العالم، وهيمنة الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي وسوريا ولبنان.
- وإذا كان السبب أن الأمريكان هم الذين يضطهدون المسلمين ويناصبون الإسلام العداء، فهذه مغالطة كبرى. فلا يوجد مسلم يعيش بحرية تامة كما يعيش المسلم في أمريكا. ولا توجد حقوق اجتماعية وسياسية وتعليمية مضمونة للمسلم كما هي مضمونة في أمريكا. أما الإسلام نفسه، فقد فُتحت الجامعات الأمريكية في وجهه، واستُقبل استقبالاً علمياً وأكاديمياً يليق به كدين عظيم. وفي الجماعات الأمريكية يوجد عدد من مراكز الدراسات الإسلامية لا يوجد مثيل لها في أي منطقة من العالم بما فيها العالم العربي والإسلامي من حيث عدد المتخصصين والأموال المرصودة لها ومستواها الأكاديمي. والمرأة المسلمة في أمريكا تتمتع بحرية واحترام وإتاحة فرص علم وعمل لا تتوفر في أي بقعة من العالم العربي والإسلامي الآن ولا في المستقبل القريب. وهي تنال حقوقها السياسية والاجتماعية والثقافية كاملة، وتدافع عن هذه الحقوق بشكل لا مثيل له في أي مكان في العالم الإسلامي والعالم العربي. وأنا لا أقول هذا الكلام من خلال ما سمعت وقرأت، ولكن من خلال ما شاهدت وعشت خلال إقامتي الطويلة في أمريكا. وهو ما يشهد عليه ألد أعداء أمريكا من اليساريين العرب الذين يقول بعضهم: "من الإنصاف الإقرار بأن المسلمين في المجتمع الغربي يحظون بحرية في بناء مساجدهم وأداء مشاعرهم والتعبير عن آرائهم ومواقفهم، لا يجدونها في أغلب الأحيان في أوطانهم" كما قالت أمينة النقاش، الكاتبة اليسارية المصرية.
- وإذا كان السبب أن الأمريكان هم الذين يدعمون الحكام الديكتاتوريين في العالم العربي من العشائريين والقوميين والدينيين، فمن الذي كان يدعم ديكتاتوراً كعبد الناصر مثلاً، أو بومدين أو القذافي أو صدام حسين أو النميري أو البشير، وغيرهم من الديكتاتوريين الآخرين الذين طواهم الموت.
وهل الديكتاتورية العربية صناعة أمريكية حقاً، وليست صناعة قومية عربية صميمة منذ أكثر من خمسة عشر قرناً؟
أما إذا كنا نعني بأن أمريكا تدعم حكاماً في الخليج العربي والسعوديـة على وجه الخصوص، فهذا الدعم هو حماية لمصالحها هناك إذا كان هذا الدعم قائماً فعلاً، ومحافظة على استقرار المنطقة التي تعتبر المنتج الرئيسي للبترول عصب الصناعة الأمريكية وعصب الحياة الأمريكية بشكل عام.
ثم أين هي البدائل لهذه الأنظمة القائمة وهذه السلطات الحاكمة؟
المعارضة السعودية الهزيلة
إن بدائل الحكم السعودي المتوفرة على الساحة السياسية مثلاً هي المعارضة السعودية الإسلامية الأصولية المتشددة جداً (على نمط طالبان) والتي تتواجد في لندن (محمد المسعري وسعد الفقيه وغيرهما) وفي أفغانستان (أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة) والتي هي متخلفة تخلفاً كبيراً عن السلطة السعودية الحاكمة الآن في خطابها الفكري والسياسي.
بل أكاد أجزم بأن السلطة الحاكمة في السعودية وفي غيرها من بلدان الخليج العربي متقدمة في وعيها السياسي والاجتماعي على وعي الشعوب نفسها، وأنها ليست طاقية مناسبة لهذا الرأس فقط، ولكنها طاقية أكبر من هذا الرأس كما يقولون!
فكلنا يذكر أن السلطة السعودية هي التي فرضت قبل سنوات مشاريع لم تكن المؤسسة الدينية السعودية راضية عنها كمحطات التلفزيون وتعليم البنات وغيرها. وأن السلطات السعودية لو سمحت للمرأة بكشف وجهها وإزالة الحجاب لما كشفت المرأة السعودية عن وجهها ولما أزالت الحجاب، لأن الحجاب تقليد وعُرف، بل وقانون اجتماعي بيتي تربوي سعودي شعبي. ولو سمحت السلطات السعودية للمرأة بالعمل والاختلاط بالرجال وبقيادة السيارات – وهو مطلب الآن من بعض النساء في الشارع السعودي - فلن تجد كثيراً من نساء السعودية من يقدن هذه السيارات، كما قال مرة الشاعر والسفير السعودي غازي القصيبي. ذلك أن المنع والسماح هنا ليس حكومياً رسمياً يصدر بمرسوم، ولكنه تقليد وقانون اجتماعي ينبع من البيت السعودي والتربية السعودية، وليس من الديوان الملكي السعودي.
وكلنا يذكر بعد كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 عندما اجتمع ولي العهد السعودي مع النخب السعوديـة المثقفـة لكي يسمع رأيها بما يجري في هذا العالم ويجسَّ نبض الشارع السعودي لمختلف القضايا المطروحة بمبادرة فريدة لم يسبق لها مثيل من السلطة السعودية الحاكمة، فكانت النتيجة "أن اكتفت هذه النُخب بما قاله ولي العهد ولم تُفصح له عن شيء ، ثم انخرطت هذه النخب بعد ذلك في ترديد أسطوانة الإشادة والمديح المعروفة. وكذلك حدث نفس الشيء مع علماء الدين"، كما قال الكاتب السعودي خالد الدخيل. وهذا دليل آخر على أن بعض الحكام العرب كانوا أكثر وعياً سياسياً من بعض الشعوب، وأن بعض الشعوب العربية عندما تُتاح لها فرصة العمل والكلام لا تعمل شيئاً ولا تقول شيئاً.
فأين البدائل المنفتحة والمتقدمة أكثر من السُلط الحاكمة في دول الخليج؟
وهل أمام أمريكا أحزاب وكوادر سياسية خليجية ذات مستوى عالٍ من التجربة والخبرة والوعي والعقلانية السياسية أكثر من النخب الحاكمة الآن، ورغم ذلك تعارض هذه الكوادر وهذه الأحزاب، وتحول بينها وبين ممارسة الحكم؟
ومن هنا يبدو موقف "العداء" لأمريكا موقفاً شديد الالتباس يناهز حالة "الفصام" أو "الشيزوفرانيا" لدى العديد من الأشخاص.
فهل صحيح أن السياسة الأمريكية الخارجية ووجود القوات الأمريكية في منطقة الخليج هو سبب تحويل ابن لادن من جامع لعناقيد الذهب إلى باحث عن عناقيد الغضب؟
لم يكن ابن لادن في مقتبل حياته ذلك الشاب الثوري. وما موقفه من الغزو السوفياتي لأفغانستان إلا جزء من موقف بلاده الرسمي التي قدمت ضد هذا الغزو أكثر بكثير مما قدم ابن لادن. وهو ما يمكن تسميته المطابقة سياسياً Politically Correct مع الموقف الرسمي، حيث أن عائلة ابن لادن تعتبر من عظام الرقبة الحاكمة في السعودية، أي أنه ينتمي إلى عائلة هي في صميم السلطة السياسية السعودية التي لم تعانِ من التهميش والفقر والنبذ. ولولا هذا الموقف الرسمي السعودي من الغزو السوفياتي لما استطاع ابن لادن أن يفعل شيئاً ذا قيمة في أفغانستان ضد الروس.
التحول من البحث عن الذهب إلى امتشاق سيف الغضب
لقد تحوّل ابن لادن من جامع لعناقيد الذهب في السودان إلى باحث عن عناقيد الغضب في السودان ثم في أفغانستان وذلك من خلال الوقائع التالية:
- من المعروف أن ابن لادن عندما دخل السودان لأول مرة بدعوة من صهره حسن الترابي لم تكن في نيته أن يصبح في السودان حاملاً للسلاح في وجه أعدائه. وكانت أقصى أمانيه أن يصبح سياسياً مرموقاً يقوم ربما بالتحريض على عمليات إرهابية هنا وهناك للتنبيه وللتحذير. ومن هنا فقد دخل السودان واتجه أول ما اتجه إلى الأعمال الإنشائية كفتح الطرق والأعمال التجارية كإنشاء الشركات والأعمال الإنسانيـة كبناء المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال وخلاف ذلك. ولكن في نهاية "المرحلة السودانية" تغلّبت عناقيد الغضب على عناقيد الذهب.
- وإن كان ابن لادن معجباً بحسن الترابي وفكره إلا أنه كان يتوجس منه ولا يوافقه على كثير من آرائه التي هي في مجملها آراء وفكر الإخوان المسلمين، وهم الجانب اللين الهين اليسير المطواع من الجماعات الإسلامية الأصولية الأخرى . فقد كان حسن الترابي بالنسبة له ممثلاً للوسط الإسلامي، في حين أن ابن لادن كان يمثل أقصى اليمين المتشدد وذلك نتيجة لأن الترابي درس في الغرب وفي السوربون. وكان يقول إنه يطمئن للطبيب الغربي الكافر أكثر من اطمئنانه لرأي النبي في المسائل الطبية، وأنه يفضل الموسيقا الكلاسيكية الغربية على الموسيقا السودانية الشعبية. "وبلغت به المرونة مرونة السمسار الذي يتمطى بين براجماتية فهد بن عبد العزيز ودونكيشتية الخميني من خلال لغة مبهمة ولزجة، تتفادى القطيعة وتحتمل أكثر من تفسير وتأويل" . ومن هنا لم يكن لحسن الترابي تأثير كبير في تحويل ابن لادن من مزيج من رجل أعمال ودين وسياسة هادئ وطموح يسعى إلى امتلاك القوة عن طريق المال والسلطة السياسية، إلى حامل سلاح وإرهابي شرس وعنيد في وجه أعدائه على النحو الذي أصبح فيه فيما بعد. وكانت نهاية المرحلة السودانية بفضل عوامل كثيرة أن تغلّبت عناقيد الغضب على عناقيد الذهب.
- كان لقرار السعودية في العام 1992 تجميد أموال ابن لادن في السعودية أثره الكبير على نفسية ابن لادن سيما وأن السعودية على هذا النحو كانت تسحب من ابن لادن واحداً من أهم عناصر قوته وطموحاته المستقبلية وهو المال. وقد استعملنا في السابق عبارة أن ابن لادن قد "هَبَق" عندما قامت السعودية بهذا الإجراء. ومعناها بلغة أهل الحجاز - وهو منهم - أنه "جُنَّ جنونه". ولعل ذلك كان بدء تفكير ابن لادن في تغيير مسار حياته من مستثمر ومن مزيج من رجل أعمال ودين وسياسة هادئ إلى حامل سلاح شرس في وجه أعدائه الذين بدأوا بالمواجهة والصدام المؤذي بسلاح المال. وفي هذه الفترة كان قد التقى في السودان بأيمن الظواهري العقل العسكري والسياسي المخطط لاغتيال السادات ومحاولة اغتيال الرئيس مبارك بعد ذلك في أديس أبابا في العام 1995 والمسؤول عن الهجمات المسلحة المختلفة داخل مصر وخارجها. ولا بُدَّ أن الظواهري كان يبحث عن ابن لادن كممول لعلميات "الجهاد الإسلامي". ولا بُدَّ أن ابن لادن كان يبحث عن الظواهري كمخطط لعلميات عسكريـة جريئة، ولا بُدَّ أن قطبين أحدهما سالباً والآخر موجباً قد التقيا ليشعلا عدة حرائق قادمة كان أولها تفجير فندق في اليمن قيل أن أمريكيين ينـزلون فيه لهم علاقة بالغزو الأمريكي للصومال. وكان ثانيها ما قيل عن مسئوليته في قتل 19 جندياً أمريكياً في الصومال في العام 1993. وكان ثالثها ما قيل عن مسئوليته في تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك في العام 1993. وكان رابعهـا ما قيل عن مسئوليته في التخطيط لتفجير 11 طائرة ركاب أمريكية في آسيا. وكان خامسها تفجير الرياض في العام 1995 وتفجير الخبر في العام 1996 وهما التفجيران اللذان كانا سبباً في حمله على مغادرة السودان بأمر من عمر البشير نفسه وبضغط أمريكي - سعودي - مصري. وكانت نهاية المرحلة السودانية أن تغلّبت عناقيد الغضب الدامية على عناقيد الذهب.
- وكانت الدَفعة الثانية نحو طريق اللاعودة من مجرد أن يكون ابن لادن مستثمراً من مزيج من رجل أعمال ودين وسياسة هادئ فقط، إلى إرهابي شرس، هو قرار السعودية سحب الجنسية السعودية منه في العام 1994، وضغط الحكومة السعودية على أهلة لإعلان براءتهم منه، وحرمانه لحقوقه في تركة والده، وهي التركة التي قدرتها مصادر غربية بنحو 300 مليون دولار. وكان أول ردّ على هذه الإجراءات، قيام ابن لادن بتشكيل جبهة معارضة سياسية للدولة السعودية في لندن تحت اسم "هيئة النصيحة والإصلاح" وعيّن لها مسؤولاً سعودياً هو خالد الفواز. وواظبت هذه الهيئة على نشر بيانات تنتقد فيها سياسات وتصرفات الحكومة السعودية. والى هذا التاريخ نلاحظ أن مقاومة ابن لادن للدولة السعودية وقراراتها نحوه، بقيت في حدود العمل السياسي بـ "النصيحة والإصلاح"، وليس بـ "العمل الإرهابي المسلح". ولكن بعد ذلك سرعان ما حمل ابن لادن السلاح وبدا متصدياً للحكومة السعودية بالعنف وليس بالنصيحة والإصلاح فقط. وهو ما تمثّل بانفجاري الرياض والخبر في العامين 1995، 1996. ثم ما تمثّل في البيان الذي صدر عنه في آب/أغسطس من العام 1996 وبعد وصوله إلى أفغانستان قادماً من السودان والذي أعلن فيه الجهاد المقدس لإخراج الكفار من جزيرة العرب. وقال فيه: إن وضع الجزيرة العربية بوجود القوات الكافرة فيه، وضع لم يمرَّ على الجزيرة العربية منذ عهد الرسول. وهذه مغالطة تاريخية واضحة، وجهل صارخ بالحقائق التاريخية . فمن المعلوم أن الاستعمار البريطاني ظل يحتل أجزاء متفرقة من الجزيرة العربية وكانت له قوات عسكرية فيها حتى العام 1970 عندما نالت آخر دولة في الجزيرة العربية استقلالها وهي الإمارات العربية المتحدة. وقبل ذلك كانت بريطانيا وقواتها قد لعبت دوراً عسكرياً وتاريخياً في مساعدة الملك عبد العزيز على محاربة خصومه السياسيين في نجد والحجاز على السواء. وكان يتواجد في نجد والحجاز كبار القـادة العسكريين البريطانيين للقتال إلى جانب الملك عبد العزيز ومنهم الكابتن الذائع الصيت شكسبير. وفي العام 1944- 1946 أنشأ الأمريكيون قاعدة جوية في الظهـران لاستقبال قاذفـات القنابـل الثقيلة وذلك لخوض الحـرب ضد اليابان. وأصبحت الظهـران بعد ذلك مركزاً أمامياً للقدرة الحربية الأمريكية في الخليج العربي بغية تهديد الاتحاد السوفياتي والحركات الوطنية التحررية في أجزاء مختلفة من الجزيرة العربية. كما شرعت البعثات العسكرية الأمريكية تتوالى على السعودية بدءاً من العام 1944. وفي 14/2/ 1945 جرى لقاء بين الملك عبد العزيز آل سعـود والرئيس الأمريكي روزفلت على ظهر الطـراد "كوين سي" وتم الاتفـاق على= = استخدام الموانئ السعودية من قبل الأسطولين البريطاني والأمريكي، واستخدام قاعدة الظهران الجوية من قبل سلاح الطيران الأمريكي المقاتل ضد اليابان. وهو ما يذكرنا اليوم بهذا الاستخدام ضد العراق والذي يحتج عليه ابن لادن.
- وكانت الدَفعة الثانية نحو طريق اللاعودة من مجرد أن يكون ابن لادن مستثمراً من مزيج من رجل أعمال ودين وسياسة هادئ فقط وأن يتحول إلى إرهابي شرس هو ضغط أمريكا والسعودية ومصر على السودان لطرد ابن لادن من أراضيها. وكان لطرده هذه خسارة مادية هائلة على استثماراته وديونه للحكومة السودانية التي لا نعلم مقدارها بالضبط، وإن كانت تقدر بأكثر من 500 مليون دولار بما في ذلك مشاريعه وشركاته وعقوده التجارية التي غادر السودان وتركها مُعلّقة. وهنا تيقن ابن لادن بعد هذا أن لا مستقبل تجاريـاً أو مالياً ينتظره، ولا مستقبل دينياً سياسياً سلمياً يمكن أن يحققه. وأن الطريق الوحيد أمامه لامتلاك القوة والسلطة لم يعد المال ولم تعد السياسة ولم يعد الدين، ولم تعد الطرق السلمية والشرعية، وإنما العنف، والعنف وحده. وهذا ما تحقق له في مستقبل الأيام، وفي العام 2001. وكانت نهاية المرحلة السودانية أن تغلّبت عناقيد الغضب الدامي على عناقيد الذهب المتوهج.
فلو لم تجمِّد السعودية أموال أسامة بن لادن داخل السعودية في العام 1992، ولو لم تسحب منه الجنسية السعودية وتُجبر أهله على التبرؤ منه وإنكاره، لظل ابن لادن في ظننا وتقديرنا مستمراً في تنمية أعماله الإنشائية والتجارية والزراعية في السودان .. هذا البلد الواعد تجارياً وزراعياً. ولفكَّر مرة أخرى بالعودة إلى السعودية التي قال أنه أحبها كوطن، وعمل فيها كرجل أعمال وداعية ديني في الوقت ذاته. وربما كان سيلتفت قليلاً إلى بعض الشؤون الدينية السياسية التي تمكنه من تحقيق طموحات تجارية ومالية أوسع. ولكن ذلك لم يتحقق. ومن هنا كان ابن لادن يبدو حزيناً يعاني من عقد نفسية وتسيطر عليه الرغبة في الانتقام. وقال بعض الاختصاصيين النفسانيين ككارولي موراي في
صحيفة "الديلي تلغراف" اللندنية من أن ابن لادن "يعاني من عقد تجاه المتفوقين وأنه إنسان عنيف وعدواني ومن المحتمل أنه عانى من صدمة نفسية". وقال أريك ريس وهو أستاذ في علم النفس لصحيفة "التايمز" اللندنية أن "ابن لادن يبدو حزيناً جداً، رغم ادعائه السعادة وقد فاقت معاناته قدرته على التحمل". وهكذا عاكست الرياح سفن ابن لادن ولم تأتِ بما كان يشتهي ويحب، وهو بالتأكيد ليس ما هو فيه الآن. فعلينا أن لا ننسى أن ابن لادن حضرمي الأصل كما هو معروف. والحضارمة بين عرب الجزيرة كاليهود بين الغربيين من حيث حرصهم على المال وبراعتهم وحذقهم ومثابرتهم على جمعه، وبخلهم في صرفه، وشطارتهم ودأبهم في الأعمال التجارية، وبعدهم عن السياسة والتحزب ووجع الرأس الذي يأتي من جرّائها. وهم إضافة إلى ذلك فئة متحررة ومنفتحة اجتماعياً وسلسة دينيـاً. ولا طمـع ولا طموحـات سياسية أو دينية لديهم. وكــــل وكل طموحاتهم أن يصبح الواحد منهم ثرياً. وهذا ما أثبتوه عندما خرجوا للتجارة والأعمال من حضرموت إلى السعودية والخليج وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وأمريكا الشمالية. وهكذا يبدو أسامة بن لادن نبتاً غريباً بينهم، وظاهرة غير مسبوقة، استطاعت عوامل سياسية معينة أن تُهجِّن هذه البذرة، وتنبتها على النحو الذي انتهت إليه.
- ولعل الدَفعة الأخيرة التي دفعت ابن لادن نحو طريق العنف والتخلّي عن دور رجل الأعمال والسياسي الديني الهادئ هي نكبته المالية الكبيرة في السودان. والتي كان من ورائها أمريكا والسعودية اللتان ضغطتا على الحكومة السودانية لإخراج ابن لادن منها. فنُكِبَ ابن لادن نكبة مالية كبيرة وخسر مبالغ طائلة، بعد هذه السنوات الأربع التي قضاها في البناء المالي والاستثماري في السودان. ويقال أنه خرج من السودان بما عليه من ثياب فقط، كما قال شيخ الهدية زعيم "جماعة أنصار السُنَّة المحمدية" في السودان. وهو ما يفسر لنا كيف أصبح مركز التجارة العالمي في نيويورك ببرجيه الشهيرين هدفاً رئيسياً لابن لادن، الذي اعترف فيما بعد بأن الذين هاجموا هذين البرجين هم في الجنة خالدون. ولماذا لم يكن غيره من المباني التي تمثل القوة العسكرية الأمريكية – ماعدا البنتاجون – هي الهدف المراد؟
- ولو وافقت السعودية على تسلّم ابن لادن كما عرضت عليها حكومة السودان قبل أن يغادر ابن لادن السودان إلى أفغانستان محطته الثالثة، لتغير وجه التاريخ حتماً. "فلو بقي في السودان لما حدث كل الذي نراه اليوم". فقد قالت صحيفة "الواشنطن بوست" إن رفض السعودية تسلُّم ابن لادن في حال اعتقال السودان له وتسليمه للسعودية هو الذي جعل ابن لادن يفلت من أيديهم. ولو كان لدى الحكومة الأمريكية في العام 1996 أدلة واضحة لمحاكمة ابن لادن واتهامه بما قامت به "القاعدة" قبل العام 1996 لقامت أمريكا بتسلُّمه كما عرضت عليها الحكومة السودانية. ولكن أمريكا هي الأخرى رفضت تسلّم ابن لادن بحجة أنها لا تملك أدلة ثبوتية دامغة على إدانة ابن لادن فيما قام به من وقائع ضدها. في حين اعترفت أمريكا فيما بعد وفي منتصف العام 2000 من أن ابن لادن يخطط لإلحاق الأذى بالأمريكيين خلال احتفالات الألفية الثالثة. وطبقاً لعدة مصادر، فإن الاختلافات داخل الإدارة الأمريكية ساهمت في تفويت فرصة اعتقال ابن لادن في العام 1996. ولعل ترحيل ابن لادن إلى أفغانستان كان بموافقة الإدارة الأمريكية التي اشترطت على الحكومة السودانية ترحيله إلى أي مكان ما عدا الصومال، وهذا ما تمَّ بالفعـل. وكانت أمريكا تعلم بموعد رحيله، وكانت تعلم خط سير طائرته الخاصة المستأجرة. وكانت تعلم أن هذه الطائرة قد حطّت في أحد مطارات دولة من الدول في طريقها إلى أفغانستان للتزوّد بالوقود. وكان بإمكان أمريكا إسقاط هذه الطائرة أو اعتقال ابن لادن لو أرادت، ولكنها لم تفعل ذلك، حيث لم يكن لديها - كما صرَّح مسئولوها - الدليل القاطع على أن ابن لادن قد قتل أمريكيين بشكل مباشر. إضافة لذلك فقد كانت الإدارة الأمريكية تعتقد بأن خروج ابن لادن من السودان سوف يساعد على تفكيك تنظيم "القاعدة"، وتصفية ابن لادن. ولو تسلّمته أمريكا في ذلك الوقت وحاكمته لتغير وجه التاريخ أيضاً وقطعاً. وهكذا فلا السعودية قبلت تسلّمه خوفاً من الإحراج وسداً للباب الذي تأتي منه الريح لتستريح، ولا أمريكا قبلت تسلّمه لأنها لا تملك أدلتها على إدانته ومحاكمته. وكُتبت لابن لادن النجاة مرة أخرى لدورٍ أعظم من أدوار الغضب كان ينتظره!
- وهل الملاحقة الأمريكية السعودية لابن لادن حتى العام 1998 كانت سبباً في انعقاد اجتماع "معسكر خوست" في 23/2/1998 الذي اشترك فيه تنظيم "القاعدة" و جماعة "الجهاد" الإسلامي برئاسة أيمن الظواهري ورفاعي طه ووفد عن الفصائل الكشميرية وأحد القيادات الباكستانية المعروفة والذي تقرر فيه " أن قتل الأمريكيين وحلفائهم سواء كانوا مدنيين أم عسكريين واجب على مسلم يستطيع القيام به في أي بلد"؟ وهو ما كان علامة تحوّل كبيرة في تشكيل عناقيد الغضب البنلادنية، نتج عنها مباشرة تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنـزانيا في آب/أغسطس 1998 وقتل 220 شخصاً.
- وهل كان يعلم ابن لادن بأن لا أمريكا تريده حياً ولا السعودية تريده حياً؟ ولو فكرت إحداهما بالقبض عليه ومحاكمته لتمّت فضائح سياسية كبيرة بالنسبة لجهاز المخابرات الأمريكية ولجهاز المخابرات السعودية ولجهاز المخابرات الباكستانية ISI أيضاً. وأن لا أحداً من هؤلاء يريده حياً أو ميتاً كما طالب الرئيس بوش فيما بعد، ولكنهم جميعاً يريدونه ميتاً فقط، حتى لا تتم محاكمته. رغم ما قيل مؤخراً على لسان الأمير تركي الفيصل رئيس جهاز الاستخبارات السعودية السابق من أن السعوديـة قبلت تسلُّم ابن لادن بشرط إخضاعه لمحكمة شرعية. وأن عمر البشير الرئيس السوداني كان قد اشترط لتسليمه للسعودية أن لا تقوم السعودية ضد ابن لادن بأي مطالبة شرعية، وهو ما رفضته السعودية وقالت بأن الشرع يسود فوق كل شخص ولا نستطيع إعطاء مثل هذه الضمانات. وقد كان ابن لادن بين أيدي الجميع في العام 1996 ولكن رفضه الجميع حياً. والجميع يعلم أن ما يمكن أن يقوله ابن لادن – لو قُدر لهم القبض عليه – معروف لدى أجهزة هذه المخابرات المختلفة، فهي التي صنعته وساعدته وأنشأته هذه النشأة، وأوصلته إلى ما وصل إليه عن قصد أو عن غير قصد. فالأعمال في هذا المقام ليست بالنيات ولكن بالنتائج. وأن لا جديد لدى ابن لادن يقوله عما يوجد لديهم، وفي ملفاتهم. ولن يظفروا منه أمام القضاء إلا بالفضائح السياسية التي ربما تهزُّ ممالكَ وتقود إلى المهالك، وتطيح بعروش وبأصحاب كروش. ومن هنا اشتطَّ ابن لادن بالغضب العنيف الدامي والمدمـر، وكان واعياً لأبعـاد اللعبـة وأسرارها، وأن لا أحداً يريده حياً، وأما قتله وموته فبيد رب العالمين متى جاء أجله لا يستقدم ساعة ولا يستأخر، سواء كان على رأس جبل عالٍ، أو في مخبأ في أعماق الأرض.
وهكذا بدأ العالم كله بعد ذلك يضْرس من عناقيد الغضب القاتلة التي أخذت تصكُّ أسنان هذا العالم، وتلقي في قلبه واقتصاده وأمنه الخوف والذعر، بل الموت.