الخيانات ثلاث:
خيانة خجولة..
وخيانة تحت التمرين
.. وخيانة مرفوعة الرأس
. والاخيرة هي الاكثر وقاحة.. والابرز تجلياً للزمن الرديء
خيانة خجولة
اشهر خائن في التاريخ هو يهوذا الاسخريوطي حيث باع السيد المسيح بثلاثين فضية.. وعندما اكتشف جريمته انتحر بان شنق نفسه..
الخائن الخجول هو ذلك الذي فجع بهزيمة مبادئه القديمة فاراد ان ينتقل الى مبادىء »السوق« الرائجة.. فيبحث بخجل عن مرحلة انتقالية يكمل بها دورته 180 درجة.. قد يكون يسارياً فيتجه عن طريق الدين ليصبح اصولياً.. او يتجه نحو الليبرالية ليصبح يمينياً.. واذ يخجل من البوح بيمينيته فيطلق عليها اسم الدلع: الواقعية..
الخائن تحت التمرين هو ذلك الذي لم يعمل بالسياسة طيلة شبابه وكان يشعر بالخوف والنقص تجاه العمل الحزبي والمناضلين.. وعندما هزمت حركة التحرر الوطني باطيافها المتعددة افراداً وجماعات.. مدنيين وعسكريين.. احزاباً ونقابات برز منددا بجميع المناضلين مدعياً انه منذ البداية كان يعرف خطأهم متنبئا بهزيمتهم مسبقاً فلم يشاركهم العمل منذ البداية.. ومن هنا ركب قطار الهزيمة وبدأ يتدرب على مغازلة المحتلين والغزاة وترويج مقولاتهم في الاحتلال ومزاياه.
.. قد يكون عضوا في جمعية مشبوهة تتلقى اموالاً اجنبية لبث ثقافة الهزيمة في المجتمع..
.. قد يكون استاذاً باحثاً في خدمة جهة اجنبية معادية تحت ستار معهد دراسات علمي تحت ستار لقمة العيش.
قد يكون عضوا مفاوضاً مع جماعة وتوافق على الغاء حق العودة امام العدو الصهيوني..
قد يكون صاحب قرار في دويلة قُطْرية بائسة يمهد شعبه للتطبيع مع اسرائيل..
قد يكون فقيهاً دينياً يُفتي للحاكم الصلح مع العدو الاسرائيلي
خيانة تحت التمرين
من السهل الانتقال من مرحلة »خيانة خجولة« الى »خيانة تحت التمرين« خاصة عن طريق الاقتصاد والمصالح المشتركة.. فبيع الاسمنت للعدو ومساعدته في بناء جدار الفصل العنصري في فلسطين.. والمشاركة التجارية في السلعة الواحدة بنسبة الحد الادنى كي يسهل بيعها في الولايات المتحدة.. وتكوين منطقة حرة تجري فيها الشراكة التجارية مع العدو.. كل ذلك ضمن مقولة: »اذا لم افعل انا فسيفعل غيري« اما مصافحة العدو »بالصدفة« فلا تدخل في هذا الباب الا اذا كانت مدروسة ومتعمدة كمقدمة لمصالحته لاحقاً..
خيانة مرفوعة الرأس
»الخائن العصامي« هو ذلك الذي تدرج من خائن خجول الى خائن مرفوع الرأس عبر فترة تمرين انتقالية. فاستحق وسام العار من الدرجة الاولى..
احدث الامثلة, هم اولئك الذين جاءوا فوق دبابة امريكية لغزو بلادهم في العراق وقد بُحَّتْ اصواتهم في الخارج وهم يحرضون امريكا على »تحرير وطنهم من حاكم طاغية مستبد.. فذهب الصعب وبقي الاصعب: هم والاحتلال.. فكانوا مثل ذلك الدب الذي اراد ان يطرد ذبابة عن وجه صاحبه النائم فحطم جمجمته بصخرة عاتية.. هناك صحافة واعلام خائن مرفوع الرأس ومدفوع الاجر يعتبر الاحتلال الامريكي للعراق تحريراً.. والتقسيم فيدرالية.. والغاء الهوية القومية مساواة.. وبروز الطوائف تعددية.. والقواعد العسكرية استقرارا.. ونهب النفط مكافأة..
في لبنان دعا البعض الى العفو عن الخونة المتعاونين مع العدو الصهيوني وتكريمهم.. الفجور له اقارب..
هل الخيانة نسبية.. وهل يتغير مفهومها مع الزمن?
اقصر الجسور الى الخيانة هي الانتهازية.. ولكن يظل الانتهازي افضل من الخائن بكثير شرط ان لا يعبر الجسر الى الضفة الاخرى.. وذلك ضمن مقولته الذهبية: (افضل ان اكون انتهازياً وأعوم.. على ان اغرق ومبادئي ملتفة حول عنقي«.
في الحروب الوطنية تظل كلمة بطل التحرير اللاتيني خوسيه مارتي ساطعة:
(مجرم من يخوض حرباً يمكن تفاديها
ومجرم من لا يخوض حرباً لا يمكن تفاديها)
حقاً.. كلما ازدادت معرفتي بالخونة, كلما ازداد احترامي للكلاب.