دخل سالم المطار قبل موعد رحلته ببضع ساعات فكان عليه الإنتظار ريثما يحين وقت الرحلة. أخذ يتجول بين محلات السوق ليروح عن نفسه عناء الإنتظار، إشترى علبه من البسكويت و كتاب رأى أن يبداء في قرأئته ريثما يحين وقت التوجه إلى مكاتب شركة الطيران لإيداع حقائبه و أخذ بطاقة دخول الطائرة.
بحث سالم لنفسه عن مكان منعزل يمنحه بعض من الخصوصية و الهدوء لكي ينغمس في قراءة الكتاب فلا يحس بضيق الإنتظار، و وجد ضالته في إحدى قاعات الإنتظار غير المكتضه فرمى نفسه على مقعد في إحدى زواياها. و فيما كان منغمسا في قراءة الكتاب إذ أحس بيد تمتد إلى علبة البسكويت و التي كانت على المقعد الذي بجانبه لتلتقط إحدى قطع البسكويت. نظر سالم إلى هذا السارق فوجده عجوز كبيرة في السن فإستحى من أن ينهرها و إن كان يغلى في نفسه من الغضب لقلة حياها، فهو لا يعرفها و هي يبدو عليها ملامح الثراء.
عاد سالم إلى قراءة كتابه و إن كان بتركيز أقل بكثير فقد كان يرقب بطرف عينه يد سارقة البسكويت التي كانت تمتد بين الفينة و الأخرى لتلتقط قطعة أخرى. تجاهلها تماما و أخذ في قراءة نفس الصفحة من الكتاب فيما هو حقيقةً في سباق مع سارقة البسكويت في القضاء على العلبة بالكامل. و كان بين الفينه و الأخرى يرميها بنظرة غضب في محاولة يائسة منه لإيقاظ حيائها لعلها تستحي و تتوقف عن ما تفعله، و لكنها لم تكن تزد على أن تبتسم له كل ما نظر إليها. مد يده ليلتقط قطعة أخيرة و لكن يد العجوز سبقته لتلتقط القطعه الأخيرة، فنظر إليها نظرة ملئها الغضب فما كان من العجوز الا أن قسمت قطعة البسكويت الأخيرة بالنصف فأخذت نصفاً و أعطته الآخر. لم يكن سالم حقيقة يريد هذا النصف و لكنه أخذه ليحرمها إياه، ثم قام ليبتعد عنها متجها نحو السوق و هو لا يكاد يصدق ثقل دم هذه العجوز.
بعد فترة و بعد أن صعد سالم على متن الطائرة و أخذ مكانه، فتح حقيبته ليخرج كتابه و يكمل القراءة التي توقفت بسبب تلك العجوز قليلة الأدب، و يال هول المفاجأة.
وجد سالم علبت البسكويت موجودة في داخل الحقيبة و قد كانت غير مفتوحة حتى. لم يدري من هول الصدمه ماذا يفعل، فقد أدرك أنه هو في الحقيقه حرامي البسكويت.. أنه هو من كان قليل الأدب.. و أن العجوز كانت تشاركه علبتها هي من نفس نوعية البسكويت.
كم مرة في حياتنا كنا متأكدين بل متيقنين من أن شيئاً ما حدث بطريقة ما، لنكتشف لاحقا أن ذلك لم يكن صحيحا أبداً؟ كم مرة في حياتنا أعمانا غرورنا و تزكيتنا المفرطه لأنفسنا من رؤية أن الحق مع الطرف الآخر؟
ينبغي علينا أن لا نتساهل في إطلاق الأحكام على الآخرين، يجب أن نتذكر أن المتهم بريء حتى (تثبت) إدانته، و أن من يبدو بريئا للوهلة الأولى قد يكون مذنباً و أن ذلك ينطبق على الكل بمن فيهم نحن.. أنا و أنت و أنتي.
قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى فيما معناه أن إذا أتاك المدعي و عينه مفقوءه فلا تحكم له حتى ترى خصمه، فقد يكون مفقوء العينين.