نهاية مرة للعام 2005 شهدها النظام السوري بعد الحدث غير المسبوق الذي صنعه نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام عن سابق تصور وتصميم، إذ لم يسبق أن شهدت سوريا حديثاً تلفزيونياً بهذه الإثارة والخطورة.
حديث خدام شكل انقلاباً «إعلامياً» على نظام قضى على مسلسل الانقلابات التي شهدتها سوريا ما بين عام 1949 وعام 1970 تاريخ وصول حزب البعث إلى السلطة، كما أنه شهد على نظام مهدد في وجوده في لحظة قاتلة، غير أن أهمية هذه «الشهادة» تكمن في أنها صادرة عن الرجل الثاني في النظام في سوريا وأحد أركانه حتى وقت قريب.
دور مفقود
مع وفاة الأسد الأب في العام 2000 بدأ دور عبد الحليم خدام بالتراجع، ثمة من كان يوحي لبشار بأن هذا الرجل خطر على النظام، وفي ظل أجنحة النفوذ المتعددة من داخل الطبقة الحاكمة، كانت خطورة خدام محل إجماع، لغاية تلك اللحظة كان خدام الرجل الأقوى في سوريا، فهو من أركان النظام منذ قيامه، وقد شغل منصب وزير الخارجية في العام 1975، ثم صار نائباً للرئيس في العام 1984، وقد مكّن الأسد الأب من تثبيت دعائم حكمه، فضلاً عن بسط سيطرته على لبنان لأكثر من 25 سنة. ثمة اعتبارات طائفية أخرى جعلت من وسائل الإعلام السورية ومن خلفها أجهزة الأمن في حالة توجس منه، وقد أُسمع كلاماً قاسياً حول علاقته المالية والسياسية برفيق الحريري كاد أن يصل إلى حد التخوين، وشيئاً فشيئاً جرى تجريده من الملفات الحساسة وأهمها الملف اللبناني، الذي انتقل إلى اللواء «المنتحر» غازي كنعان لغاية العام 2002، وقد بدأ الكلام حينها عن سعي بشار للتخلص من الحرس القديم في إطار خطة إصلاحية، وكان المقصود بالدرجة الأولى من ذلك عبد الحليم خدام، بعد أن أحيل حكمت الشهابي على التقاعد عام 1998، وأقصي غازي كنعان عن الملف اللبناني عام 2002.
.. مراقباً في فرنسا
معايشة خدام للنظام منذ نشأته، وخبرته بشؤون الحكم والدولة، فضلاً عن تهميشه المستمر منذ الأيام الأخيرة للأسد الأب، كانت عوامل أهّلته ليقرأ الواقع بشكل مختلف، وقد وضع كتاباً نقدياً لواقع الحزب والدولة في سوريا قبل مغادرته دمشق دون أن يشكل له ذلك مشكلاً، لكنه كان مؤشراً دفع بعض رجال الحكم في سوريا لنصح بشار الأسد بعدم السماح له بمغادرة البلاد، لكن الأخير قدّر أن المنع قد يفاقم الحالة، فوافق على المغادرة.
في فرنسا كان خدام تحت عين المخابرات السورية، وقد تبين أن الرجل لم ينقطع للكتابة كما ادعى قبل مغادرته سوريا، وأنه قد وثّق علاقاته مع آل الحريري، وزوّج كريمته لابن الرئيس الشهيد، وأن زوجته نجاة مرقبي على علاقة شبه يومية مع نازك الحريري، وأن استثماراته المالية مع الحريري تعمقت أكثر، وأن ثمة شكوكا في علاقات سرية مع الأميركيين، لكن الأهم هو اكتشاف المخابرات السورية أن خدام أفضى بمعلومات حول جريمة اغتيال الحريري في الأسبوع الأول من شهر تشرين الثاني الفائت، دون علم أو ترتيب مع القيادة السورية، ما يوحي بأنه قد شهد ضد نظام بلاده، الأمر الذي جر عليه وعلى عائلته ضغوطاً وصلت إلى حد التضييق على الحركة التجارية والمالية لجمال عبد الحليم خدام الموجود في سوريا، وبهدف تخفيف الضغوط عليه وعلى أسرته كان خدام يوحي للنظام الحاكم في سوريا بأنه سيعود قريباً إلى بلده.
المقابلة على «العربية»
رتّب أبو جمال أوراقه جيدا لينتج ظهوراً مدوياً يعلن فيه على الملأ انكسار الجرة بينه وبين النظام الذي خدمه لأكثر من ثلاثين سنة، وهو بخبرته الطويلة يملك ما يكفي ليدرك أن النظام ماضٍ إلى النهاية في المواجهة، وأن ملفه سيفتح تحت عنوان مواجهة الفساد بهدف حرق ورقته نهائياً، كما يدرك أيضا أهمية التوقيت المباغت والمميت لتصريحاته، ما يفتح أفق الاستثمار الفرنسي أو الأميركي.
عبد الحليم خدام كان واضحاً في تهديده بكشف الكثير من المعلومات عندما تدعو الحاجة، ما يوحي أنه كان ينتظر ردة فعل قوية، وأنه قد اتخذ قراره، وأن مقابلة العربية لن تكون يتيمة، وأنه إذا كان غير قادر على دفع التهم عن نفسه، لكون تاريخه مصبوغاً بالفساد والقمع الذي تحدث عنه، فإنه بالتأكيد قادر على تسليط الضوء على الملفات المحرمة في سوريا، فضلاً عن فساد معظم الطبقة الحاكمة في الشام. وهو أشار في مقابلته إلى بعض من ذلك عبر حديثه عن أموال جميل الأسد، ومحمد مخلوف خال الرئيس السوري بشار الأسد وابنه رامي الذي بات يشكل حرجا شديدا للنظام، دفع لتقييد حركته التجارية ونقل الكثير من استثماراته إلى دبي.
هزات ارتدادية
مقابلة خدام «الزلزالية» لم تمر على سوريا دون هزات ارتدادية شديدة التأثير، ليس أهمها طلب لجنة التحقيق الدولية مقابلة الرئيس السوري بشار الأسد ووزير خارجيته فاروق الشرع، لأن هذا الجزء لا يمكن إخفاؤه، إلا أن العديد من المظاهر ذات الدلالة في سوريا وخارجها تجري بعيداً عن الأضواء، والتحركات المصرية - السعودية - الفرنسية تشي بخوف حقيقي من سقوط النظام في دمشق، ومن تداعيات ذلك على المنطقة، لا سيما بعدما نشرت صحيفة ليبراسيون الفرنسية صباح الثلاثاء3/1/2006معلومات حول تفكير أميركي جدي بتغيير النظام في سوريا، واستبداله بنظام يكون خدام على رأسه.
هذه الأجواء أرخت بظلالها بشدة على الداخل السوري الذي شهد جلسة غير مسبوقة لمجلس الشعب، وحركة مناقلات إدارية وأمنية في بانياس مسقط رأس خدام، وشروعاً في فتح ملفاته، وربما مصادرة أمواله، ومداهمة لقصوره في دمشق والزبداني وبانياس، وانتشاراً عسكرياً للقوات الخاصة، وتقييد حركة بعض الذين أُطلقوا بعفو رئاسي في الفترة الأخيرة، في ظل إشاعات تتعلق بمغادرة علي دوبا رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق إلى جهة مجهولة، وإشاعات أخرى حول مصير رستم غزالة، اضطرته إلى نفيها علناً على قناة الجزيرة.
حول خدام سيقال الكثير في قادمات الأيام، لا سيما أن ثمة من يعتقد أن تنسيقاً جرى قبل المقابلة بينه وبين المملكة العربية السعودية والفرنسيين، استناداً إلى اختيار «العربية» لبث المقابلة، ولعلاقات الرجل واستثماراته المالية في المملكة، لا سيما أن أبناءه وزوجاتهم يحملون الجنسية السعودية، لكن الأهم أن الإعلام سيكون زاخراً في الفترة القادمة بالكثير من الأخبار ذات الصلة بالنظام السوري، وبمجرى التحقيق في اغتيال الحريري.}
منقول