لماذا نعارض قانون الأحوال الشخصية...؟
تشهد السّاحة البحرينية هذه الأيام جدلاً حاداً حول ما يسمونه (قانون الأسرة) أو (قانون الأحوال الشخصية)، وهذا الموضوع أصبح حديث الصحافة، وحديث المنتديات والمحاضرات وحديث المساجد والمآتم وحديث الشارع والبيوت والمجالس. في بداية هذا اللقاء أود أن أضع تعريفاً مبسطاً لمعنى (الأحوال الشخصية): الأحوال الشخصية: هي مجموعة المسائل التي تتعلق بالزواج والطلاق والنفقة والحضانة والوصايا والمواريث. فإذا قالوا (قانون الأحوال الشخصية): فهم يقصدون الأحكام التي يضعها القانون لجميع مسائل الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والوصايا والمواريث.
وإذا قالوا (قانون الأسرة): فهم يقصدون الأحكام المتعلقة فقط بالزواج والطلاق والنفقة والحضانة ولا تشمل الوصايا والمواريث٭.
٭ لأن المواريث خارجة بنص الدستور، مادة (5) د: (الميراث حق مكفول تحكمه الشريعة الإسلامية).
ونقطة أخرى يجب أن تكون واضحة عند الأخوات وهي: الفرق بين الحكم الشرعي والقانون الوضعي:
٭ الحكم الشرعي: وكالحكم الذي جاءت به الشريعة الإسلامية (مصدر الحكم الشرعي هو الله سبحانه ويبلغه رسول اللّه صلى الله عليه وآله).
٭ القانون الوضعي: والذي يضعه الإنسان (قد يصدر عن الحاكم، أو المجلس التشريعي) قد يتطابق القانون الوضعي مع الحكم الشرعي وقد يختلفان: أمثلة للتطابق:
ــ لو صدر قانون يمنع بيع الخمور، هذا القانون مطابق لأحكام الشريعة الإسلامية.
ــ لو صدر قانون يمنع ممارسة الزنا، هذا القانون مطابق لأحكام الشريعة الإسلامية. ــ لو صدر قانون يمنع المعاملات الربوية، هذا القانون مطابق لأحكام الشريعة الإسلامية.
أمثلة للاختلاف:
ــ لو صدر قانون يفرض على المرأة التخلي عن الحجاب الشرعي (كما حدث في إيران أيام والد الشاه السابق) هذا القانون مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، وقد يفرض القانون على المرأة أن تتخلى عن الحجاب الشرعي في بعض المواقع (كالوظيفة والجامعة مثلاً) فهذا القانون مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية. ــ لو صدر قانون يفرض الإختلاط في الدراسة، هذا القانون مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية.
ــ لو صدر قانون يسمح بفتح أماكن خاصة للدعارة، هذا القانون مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية.
ــ لو صدر قانون يسمح للفنادق أن تقيم حفلات المجون والفسوق والخمور، هذا القانون مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية.
وما أكثر الأمثلة للقوانين الوضعية المخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، وذلك في البلدان الإسلامية والتي تنص دساتيرها وأنظمتها أن (دين الدولة الإسلام). من هنا يجب أن تعلمن (الخطاب موجه للنساء) لماذا وقف العلماء الأفاضل موقفاً متشدداً من مسألة السماح للبرلمان أن يتدخل في شؤون الأحوال الشخصية لأن أحكامنا الشرعية الخاصة بزواجنا وطلاقنا وأنسابنا ووصايانا ومواريثنا إذا تحولت إلى قوانين وضعية يشرع لها أعضاء في مجلس نواب أو في مجلس شورى، بدأ العبث والتلاعب بهذه الأحكام كما حدث في البلدان أخرى، ففي تونس صدر قانون الأحوال الشخصية فيه الكثير من المخالفات الصريحة لأحكام الإسلام.
وقانون الأحوال الشخصية في مصر كذلك وكما تعلمن أن الذين يناقشون ويشرعون في مجلس النواب أو في مجلس الشورى هم أناس لا يملكون تخصصاً في الفقه والشريعة، فكيف يحق لهم أن يعطوا آراءهم في مسائل الحلال والحرام والصحة والفساد، هنا الكارثة الكبيرة على الدين والشريعة وعلى كل واقع أسرنا وأجيالنا ومستقبلنا.
فالمسؤولية كبيرة وكبيرة في التصدي لهذا المشروع الخطير، مسؤوليتنا جميعاً علماء ومثقفين وخطباء وأفراداً في كل المواقع وعلى كل المستويات رجالاً، نساءً، شباباً، شابات. وإن أيّ تقصير أو تهاون أو استرخاء في مواجهة هذا الخطر الذي يهدد الدين سيضعنا أمام العقاب الإلهي الشديد، وأمام المحاسبة الأخروية الصعبة. وهنا ــ وفي هذا السياق ــ أود أن أؤكد على خطورة دور المرأة في التصدّي والمواجهة، لماذا أخص المرأة؟
إنَّ دعوات التقنين الوضعي للأحوال الشخصية تتزعمها جمعيات نسائية، وتدعمها قوى أخرى، فإذا كان النساء الداعيات لهذا القانون ــ وفيهن المتأثرات بالفكر الغربي ــ قد استنفرن كل الإمكانيات والقدرات والطاقات والوسائل، فلماذا لا تستنفر النساء المؤمنات كلّ ما لديهنَّ من إمكانات وقدرات وطاقات ووسائل في التصدّي لمشروع الهيمنة على أحكامنا الشرعية، وإذا كان الأخريات يعشنَّ الحماس الشديد لأهدافهنَّ ومشروعاتهنَّ فلماذا لا نجد الحماس الكبير عند النساء المؤمنات غيرةً على الدين والقيم والأخلاق.
أنتنَّ أيتــّها المؤمنات لترجو الواحدة منكنّ من عطاء اللّه سبحانه وثوابه وجزائه ما لا ترجو الأخريات وتخاف من عقاب اللّه وغضبه ما لا تخاف الأخريات، فحذارِ حذارِ من التقصير والتهاون حتى لا يعمنا اللّه بعذاب شديد، وبفتنة تصطلينا جميعاً إذا سكتنا: "واتقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة".
أيتها الأخوات المؤمنات:
هذه مجموعة كلمات قالها دعاة التقنين الوضعي من أجل التأثير على الناس وخاصة النساء نقف معها بعض الوقت:
الكلمة الأولى:
قالوا: إنهَّم حينما طالبوا بقانون الأسرة أو بقانون الأحوال الشخصية إنمّا من أجل حماية الأسرة، ومن أجل الدفاع عن حقوق المرأة، وإنصاف المرأة وإنقاذ المرأة، إنَّ صدور هذا القانون هو الذي سوف يحمي الأسرة، وسوف يحرر المرأة البحرانية من هذا الوضع السيء الذي تعاني منه منذ قرون.
أتعلمون ماذا يعني هذا الكلام؟
إنّه يعني الاتهام للإسلام ولأحكام الإسلام، وهذا ما يروّج له أصحاب الثقافات العلمانية. وقد إنخدع به بعض الناس في مجتمعاتنا.
نسأل هؤلاء: هل أنّ الأحكام المدوّنة في الشريعة الإسلامية غير قادرة على تنظيم شؤون الأسرة، وتحقيق العدالة في العلاقات، وحل المشاكل، وغير قادرة أن تنصف المرأة، وأن تمنحها حقوقها، حتى يأتي القانون الوضعي للأحوال الشخصية فيحقق كلّ ذلك؟
إن قالوا: بأنّها غير قادرة فهذه جرأة كبيرة على شرع اللّه وإتهام صريح لدين اللّه. وإن قالوا إنّها قادرة، إلا أن القانون الوضعي أكثر ملائمة لحاجات هذا العصر، فهذا أيضاً إتهام آخر للدين بأنــّه عاجز عن مواكبة حاجات العصر.
ربّما يقولون: إنَّ التقنين لا يعني مصادرة أحكام الشريعة وإنّما هو تنظيم لهذه الأحكام وإستنباط منها.
والجواب:
أولاً: أنكم لا تملكون صلاحية الإستنباط وفرض رأي معين. ثانياً: من يضمن لنا أنكم لن تصادروا أحكام الشريعة الإسلامية، وتجارب البرلمانات أكبر شاهد على هذه المصادرات، وخاصة وأنَّه لا توجد ضمانات تحمي التشريعات من الإنحراف.
ثالثاً: إنَّ المشكلة فيما هي الأزمات في أوضاع الأسرة، وفيما هي أوضاع المرأة ليست ناشئة من غياب القانون، فأحكام اللّه واضحة وصريحة فأين تكمن المشكلة؟
المشكلة في التطبيق:
٭ التطبيق علـى مستوى الجهاز القضائي.
٭ التطبيق على مستوى المكلفين أنفسهم.
ثم الأوضاع العامة الفاسدة في مجتمعاتنا والتي تتحمل مسؤوليتها الأنظمة الحاكمة هي من أهم أسباب إرتباك الأسر وضياع الحقوق، وإذا كانت المشكلة في غياب القانون، فهذه القوانين المدنية والتجارية والجنائية متوفرة ومدوّنة فأين هي العدالة في تطبيق القوانين، وهل انتهت الأزمات والمشاكل؟
الكلمة الثانية: قالوا إنَّ الوقوف ضد قانون الأحوال الشخصية هو وقوف ضد المرأة، وضد مستقبل المرأة.
هذا كلام لا أساس له من الصحة، وإنّما يقال من أجل المتاجرة بقضايا المرأة، كفى دجلاً وزيفاً وكذباً، وكفى خداعاً وتضليلاً، وكفى شعارات وعناوين لا تحمل مضموناً.
من الذي يقف ضد قضايا المرأة وضد حقوق المرأة؟
هل هم دعاة الإسلام، ودعاة الفضيلة؟ ودعاة عفة المرأة، وكرامة المرأة؟!
أم هم أولئك الذين يريدون للمرأة أن تتمرد على الدين والقيم والأخلاق، ويريدون للمرأة أن تتغرب وأن تتعلمن.
يكذبون حينما يقولون أننا وقفنا ضد المرأة، وضد حقوق المرأة، وضد تعلم المرأة، نعم نحن أردنا للمرأة أن تكون العفيفة الطاهرة، وأردنا للمرأة أن تكون الملتزمة بدينها وقيمها، وأردنا للمرأة أن تكون الواعية البصيرة، وأردنا للمرأة أن تكون العاملة الداعية إلى اللّه، المجاهدة في سبيل دين اللّه، وأردنا للمرأة أن تعيش العزة والكرامة متوفرة على كل حقوقها المشروعة.
أن نقف ضد مشروع يحاول أن يعبث بأحكام اللّه ليس وقوفاً ضد المرأة، وضد حقوق المرأة، وقفنا ضد قانون يصدر عن مؤسسة وضعية خوفاً على حقوق المرأة الشرعية.
خوفاً أن يشرّع هذا القانون في يومٍ ما حكماً يسقط شرطاً شرعياً في عقد الزواج فتكون المرأة تحت رجل بلا عقد شرعي.
وخوفاً أن يشرّع هذا القانون في يومٍ ما حكماً يسقط شرطاً شرعياً في الطلاق، فتنتقل المرأة إلى رجل آخر وهي لا تزال زوجة للأول.
وخوفاً أن يشرّع هذا القانون في يومٍ ما حكماً يبيح الإجهاض فيحدث العبث بما في الأرحام.
وخوفاً أن يشرّع هذا القانون في يومٍ ما حكماً يبيح التبنّي فيحدث العبث بالأنساب. وخوفاً أن يشرّع هذا القانون في يومٍ ما حكماً يسمح للبنت أن تتمرد على ولاية الأب المشروعة فيحدث العبث في الأعراض.
وخوفاً أن يشرّع هذا القانون في يومٍ ما حكماً يسقط حقاً شرعياً للمرأة أو للرجل فترتبك العلاقات الزوجية.
وخوفاً.. وخوفاً... وخوفاً....
فهل في هذا الوقوف ضد هذا المشروع وقوفاً ضد المرأة، وضد حقوق المرأة؟! الكلمة الثالثة: قالوا إنَّ الرفض لقانون الأحوال الشخصية يمثل مصادرة لتاريخ طويل من نضال المرأة.
ما أكثر المغالطات، وما أكثر العناوين الكبيرة الخاوية من المضامين، وما أكثر الشعارات الكاذبة المطروحة في سوق المزايدات.
أيّ نضال هذا الذي يتحدثون عنه؟
قالوها في الصحف المحلية في يومٍ ما: أننا ندعو المرأة البحرانية إلى استلهام نضال المرأة التونسية ممثلة في حركات منظماتها النسائية، فما هو الإنجاز الكبير الذي حققته المرأة التونسية من خلال نضالها الطويل؟
إستطاعت المرأة التونسية أن تفرض قانوناً للأحوال الشخصية فيه الكثير من المخالفات لأحكام الشريعة الإسلامية.
فلا ندري ماذا يقصد المتحدثون عن نضال المرأة البحرينية وتاريخه الطويل؟ أننا نفخر أنَّ المرأة المسلمة في البحرين لها تاريخ طويل من النضال استطاعت من خلاله أن تحافظ على هويتها الإيمانية، وأن تحافظ على إنتمائها الإسلامي، وأن تبقى الملتزمة بقيمها الدينية، وأن تبقى الصائنة لعفافها وسترها وحجابها وكرامتها وعزتها.
وأن تكون الصوت القوي المدافع عن الحقوق الشرعية المهدورة في كلّ المجالات الإيمانية والروحية والأخلاقية والثقافية والاجتماعية والسّياسية. هذا تاريخ من نضال المرأة البحرينية يجب أن نفخر به، ويجب أن تفخر به المرأة، ويجب أن يفخر به كل الأجيال.
إذا كانوا يتحدثون عن هذا التاريخ الطويل من نضال المرأة في البحرين، فإنَّ الوقوف ضد قانون الأحوال الشخصية الصادر عن المؤسسة الوضعية ليس مصادرة لهذا التاريخ الطويل من النضال بل تكريس لإنجازات هذا النضال، ودفاع عن هذا التاريخ.
وإذا كانوا يتحدثون عن تاريخ آخر من النضال من أجل تغريب المرأة روحياً وأخلاقياً، ومن أجل تغريب المرأة فكرياً وثقافياً، ومن أجل تغريب المرأة اجتماعياً وسياسياً، فنحن نعترف ونفتخر أن يكون موقفنا ضد القانون المذكور مصادرة لهذا التاريخ من النضال.
الكلمة الرابعة: إنّهم يقولون: أن تزايد معدل الطلاق في البحرين بسبب غياب قانون الأحوال الشخصية.
نقول لهم:
أولاً: قبل ثلاثين سنة أو أكثر لم يكن هناك قانون للأحوال الشخصية، وما كان معدل الطلاق مرتفعاً، فارتفاع معدلات الطلاق في هذه الأيام ليس بسبب غياب قانون الأحوال الشخصية.
ثانياً: هذه كثير من الدول التي تملك قوانين للأحوال الشخصية، ترتفع فيها معدلات، أكثر مما هي عندنا، فمعدلات الطلاق في أمريكا مرتفعة جداً، ومعدلات الطلاق في مصر، في لبنان، مرتفعة جداً، فهل أن وجود قانون الأحوال الشخصية خفف من حالات الطلاق؟
ثالثاً: إنّ إرتفاع معدل الطلاق له أسباب يجب أن تعالج، من هذه الأسباب:
1ــ الأجواء الاجتماعية الفاسدة.
2ــ المستوى المعيشي لكثير من الناس.
3ــ الأزمات النفسية التي أنتجتها ضغوطات الواقع المعاصر.
4ــ عدم الإلتزام بأحكام الدين.
5ــ الخلل في القضاء الشرعي.
في هذه الأيام تتعالى في البحرين وتيرة الدعوة إلى ما يسمونه بتقنين الأحوال الشخصية من خلال المجلس النيابي، وقبل أن أتناول الموقف من هذه الدعوة والتي تتبناها هيئات نسائية، وتتبناها جهات رسمية، وشخصيات متعددة الاتجاهات وأعضاء في البرلمان، قبل هذا أود أن أمهد بمقدمة...
الإسلام عقيدة ونظام:
تعلمون أن الإسلام عقيدة ونظام، والنظام في الإسلام يمتد لكل مساحة الحياة فأحكام الشريعة شاملة متكاملة، تغطي جميع حاجات الإنسان ومنذ ان تأسس الكيان الإسلامي في عهد الرسالة كان الإسلام هو الحاكم، وكانت الشريعة هي أساس النظام. ورغم انحرافات الكيانات الحاكمة في مراحل لاحقة، فقد استمر عنوان الإسلام هو الحاكم وان كان بالصورة التي أرادتها أنظمة الحكم المنحرفة، واستمرت الشريعة الإسلامية هي أساس النظام في كل المجالات وان كانت بالصورة التي أرادتها الكيانات المتسلطة، وبقي الوضع هكذا إلى آخر أيام الدولة العثمانية التي تدعي أنها تمثل الخلافة الإسلامية، وبعد سقوط الدولة العثمانية، وخضوع بلدان المسلمين إلى هيمنة الغزو الكافر تغيرت الأوضاع، فلم يعد عنوان الإسلام هو الحاكم، ولم تعد الشريعة هي أساس الأنظمة،..
تشكلت دول متعددة في بلدان المسلمين، ووضعت حدود وحواجز، وسنت قوانين برعاية وأشراف بريطانيا وفرنسا وكان لهما النصيب الأوفر في اقتسام التركة العثمانية واستمرت الهيمنة الكافرة على بلدان المسلمين...
وفي ظل هذه الهيمنة انتهى دور الإسلام ودور الشريعة على مستوى الحكم والنظام وأن بقي هذا الدور حاضراً بنسبة ما في حياة المسلمين، وحتى لا تتمرد الشعوب الإسلامية على أنظمة الحكم التي صنعها المستعمر الكافر، وضعت هذه الصيغة الشكلية (الإسلام دين الدولة) واستمرت هذه الشكلية حتى بعد ما سمي بالاستقلال والتحرر...
(والإسلام دين الدولة) عنوان كان الهدف منه تدجين شعوب الأمة الإسلامية وإيهامها بأنّ الإسلام لازال هو الحاكم، وفي حين لا نجد لذلك أي مصداقية لا في هيمنة الاستعمار الكافر المباشرة، ولا في ظل الاستقلالات الوهمية الزائفة، هكذا سرق الإسلام من الأمة، وسرقت أحكام الشريعة، وعوض عنها بقوانين وضعية مستوردة تصطدم في كثير من الحالات مع أحكام الشريعة الإسلامية وهذا واضح لا يحتاج إلى برهان...
نعم بقيت مساحة محدودة خاضعة لأحكام الشريعة، لم يتجرأوا على اقتحامها لأنها تمس أعراض الناس وشئونهم الشخصية، فخوفاً من غضبة الشعوب الإسلامية تجنبوا اقتحام هذه المساحة والتي تسمى مساحة (الأحوال الشخصية) والتي تعنى بتنظيم شئون الزواج والطلاق، والوصايا والمواريث وتركوا ذلك للمحاكم الشرعية حسب إنتماءاتها المذهبية...
وهكذا بقيت أحكام الأحوال الشخصية خارج (مشروع السرقة الكبيرة) التي مارسها المستعمر الكافر، بالتعاون مع الأنظمة الحاكمة التي صنعت على عين هذا المستعمر. وأخيرا بدأ السطو على هذه المساحة الصغيرة المتبقية من أحكام الشريعة... كيف بدأ هذا السطو؟
ابتداء هذا السطو تحت شعار (تقنين الأحوال الشخصية)، وهذا التقنين يجب أن يتم عبر المؤسسات المدنية والمتمثلة في ما يسمى بالمجالس التشريعية المعنية أو المنتخبة، وعقدت عدة مؤتمرات لمعالجة قضية الأحوال الشخصية، ووضعت مجموعة مشروعات لتقنين الأحوال الشخصية.
ورغم إصرار الكثير من المؤتمرات على ضرورة إخضاع هذا التقنين لأحكام الشريعة الإسلامية، وعدم السماح لمؤسسات التشريع المدنية أن تبتعد عن أحكام الشريعة، فهناك أصوات أخرى ارتفعت في العديد من المؤتمرات، وانطلقت عبر وسائل الإعلام، ومن خلال المنتديات والمحاضرات هذه الأصوات تطالب بإلغاء بعض أحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها لا تنسجم مع ضرورات العصر، واستبدالها بقوانين مطبقة في الغرب، فسمعنا دعوات تطالب بإلغاء نظام الميراث الذي يمايز بين الرجل والمرأة، وبإلغاء بعض أحكام الزواج والطلاق الثابتة في الشريعة، وبتعديل نظام القيمومة الذي نص عليه القرآن، وبإقرار نظام التبني المحرم في الإسلام، وبإباحة مسألة الإجهاض، وغير ذلك من الأمور التي تتنافى صراحة مع أحكام الشريعة الإسلامية الثابتة.
لا أريد هنا أن أذكر شواهد من بيانات وتصريحات صادرة عمن يسمين أنفسهن ناشطات في الدفاع عن حقوق المرأة يطالبن صراحة بتطبيق القوانين الغربية في مجال حقوق المرأة وفي مجال الأحوال الشخصية.
إن مسألة حقوق المرأة مسألة في حاجة إلى وقفات ووقفات سوف أتناولها ــ إن شاء الله تعالى ــ في لقاءات أخرى.
إنه من المؤسف جدا أن نسمع في مجتمعات المسلمين من يدعوا إلى استيراد قوانين تتنافى مع الإسلام، وهذه القوانين ــ وخصوصا فيما يتصل بقضايا المرأة والأسرة ــ قد أثبت فشلها في مواطنها الأصلية فهل أن وضع المرأة في الغرب ووضع الأسرة في الغرب يشكل النموذج الذي يجب أن يحتذى، أوضاع المرأة وأوضاع الأسرة في الغرب أوضاع كارثية وهذا ما يصرح به المنصفون من مفكرين ومثقفين غربين، فإلى متى تبقى بعض النساء المأسورات لشعارات الغرب الكاذبة يمارسن لغة الاستغراب والتغرب في أوساط المسلمين...
قبل أكثر من سنة تقريبا قرأت في إحدى الصحف المحلية مقالا لإحدى النساء البحرينيات تدعوا فيه المرأة العربية والخليجية على وجه الخصوص إلى استلهام نضال المرأة التونسية ممثلة في حركات منظماتها النسائية، وأشادت بقانون الأحوال الشخصية الذي أصدره الحبيب بور قيبة، وإن من يقرأ قانون الأحوال الشخصية التونسي يجد فيه تجاوزات صارخة لأحكام الشريعة الإسلامية ومن جملة مواد هذا القانون إباحة الإجهاض، هذا هو إنجاز النضال الطويل للمرأة التونسية والذي تدعو كاتبة المقال إلى استلهامه وتتمنى للمرأة العربية الخليجية على وجه الخصوص أن تكون قد قطعت أشواطها الطويلة في الوصول إلى هذا الإنجاز الكبير..
بيد أن الوقت قد داهمنا وسوف أتابع الحديث ــ بإذن الله ــ في اللقاء القادم إلا أنني انبه الأخوة المؤمنين إلى نقطة هامة وهي أن العلماء الأفاضل أعلنوا رفضهم الشديد لتدخل المجلس النيابي أو مجلس الشورى في شئون الأحوال الشخصية لما يترتب على ذلك من نتائج خطيرة جدا، والعلماء يدعون كل المؤمنين إلى الوقوف معهم في هذا الرفض، ونأمل أن لا يضطرنا الموقف إلى دعوة الناس إلى المسيرات والإعتصامات لمواجهة هذا التدخل الذي يحاول أن يطال قضايا أغراضنا فيما هي أحكام الزواج والطلاق والأنساب والتي يجب أن تكون خاضعة لرأي الشريعة ومقرراتها الثابتة وليس إلى مداولات ومناقشات وتصويتات من لا يملكون صلاحية التشريع الفقهي.
سوف نلقي الأضواء اكثر في حديثنا القادم إن شاء الله تعالى
متابعة الحديث حول قضية الأحوال الشخصية، أكّدنا قبل قليل على ضرورة أن نمتلك الوعي والبصيرة، وأكدّنا أن غياب الوعي والبصيرة ينتج الغباء الثقافي والاجتماعي والسيّاسي، وفي ظل هذا الغباء تمرر المشروعات الخطيرة، وتصادر قيم الأمة، وتسرق الحقوق، وامّا إذا كانت الجماهير واعية بصيرة، وكانت مخلصة إلى دينها وإسلامها وقيمها فسوف تتصدّى بكل إصرار إلى كل مخططات الهيمنة والمصادرة والإستلاب.
واستنفاراً لوعي الجماهير واستنهاضاً لغيرتها الإيمانية نخاطب أبناء هذا البلد المسلم رجالاً ونساءً أن يعبّروا عن رفضهم لمجموعة مشروعات بدأت تتحرك على ساحتنا المحلية، وهناك أصوات أخذت تتعالى مطالبة بإحالة هذه المشروعات إلى "مجلس النواب"، ما يهمنا من هذه المشروعات ثلاثة:
٭ مشروع قانون ا لأحوال الشخصية أو قانون الأسرة.
٭ مشروع قانون الأوقاف الموحد.
٭ مشروع تنسيب أئمة المساجد إلى الكادر الوظيفي الرسمي.
هذه مشروعات خطيرة جداً، تعرّض الكثير من الأساسيات الإسلامية والمذهبية إلى المصادرة، وتعرّض الكثير من الثوابت الشرعية والفقهية إلى التغيير والتبديل، الأمر الذي يربك أوضاع الزواج والطلاق والأنساب والوصايا والمواريث، ويربك أوضاع الوقوفات والمساجد والحسينيات وأوضاع العلماء والدعاة والمبلغين. أترك الحديث عن المشروعين الثاني والثالث، واركّز الكلام حول المشروع الأول، إننّا نرفض بقوة أن تناط مهمة التشريع في شؤون الأحوال الشخصية أو في شؤون الأسرة إلى المؤسسة الوضعية المدنية، لم يبق لنا ــ أيّـها المؤمنون ــ إلاَّ هذه المساحة، خارجة عن تدخل المشرع المدني، المساحات الأخرى التي سقطت في هيمنة التشريعات المدنية إنحرفت في أكثر أحكامها عن الإسلام، والأمر واضح لا يحتاج إلى برهان.
من الخيانة للإسلام وللدين وللشريعة أن نصمت أمام محاولات السرقة لهذه المساحةِ الباقية من مساحات حياتنا.
الدعاة إلى مشروع التقنين يطرحون مجموعة مبررات:
1ــ إنَّ التقنيين للأحوال الشخصية سيكون وفق الشريعة الإسلامية، ووفق أحكامها، فما الداعي إلى هذا القلق والفزع والخوف.
2ــ إنَّ هذا التقنيين حماية لأوضاع الأسرة من الفوضى في ظل غياب القانون الواضح.
3ــ إنَّ هذا القانون حماية لحقوق المرأة الذي وقع علهيا جور كبير في ظل الوضع الراهن.
4ــ تنظيم أوضاع القضاء.
5ــ إنَّ هذا التقنيين ليس بدعاً في مملكة البحرين، فالكثير من الدول العربية والإسلامية تملك قانوناً للأحوال الشخصية، بما في ذلك الدولة الإسلامية في إيران.
هذه المبررات لنا معها وقفات من خلال النقاط التالية:
النقطة الأولى:
إنَّ أعضاء البرلمان أساساً لا يملكون صلاحية التشريع الفقهي حتى لو جاءوا بقانون موافق للشريعة الرسلامية (مائة في المائة).
قد يقال: إنَّ أعضاء البرلمان لا يمارسون تشريعاً فقهياً، إنــّما يمارسون تطبيق أحكام الشريعة، ويقنون فقه الشريعة، هذا القول ليس صحيحاً.
٭ ماذا يعني أن يقبل أعضاء البرلمان رأياً فقهياً، وأن يرفضوا آراء أخرى؟
٭ ماذا يعني أن يرجّحوا هذا الرأي الفقهي على بقية الآراء الفقهية الأخرى؟
وعلى أيّ أساس يبتنى هذا القبول وهذا الرفض، وعلى أيّ أساس يتبنى هذا الترجيح؟ هل يملك أعضاء البرلمان "مؤهلات إجتهادية" تخوّلهم أن يمارسوا هذا العمل الفقهي؟!
أليس هذا عملاً تشريعياً، وممارسة تشريعية؟
ثمّ ما هي "القوة الشرعية" التي تعطي لرأي البرلمان في قضية فقهية أن يكون رأياً ملزماً لكلِّ الناس في زواجهم وطلاقهم وأنسابهم ومواريثهم؟
الفقيه الجامع للشروط لا يكون رأيه ملزماً لكلّ الناس، إلاّ إذا كان الأمر على مستوى "الحكم" حينما يرى الفقيه المصلحة الإسلامية في إصدار الحكم.
إذاً من الخطر جداً أن يكون البرلمان مصدراً لشرعية القوانين الدينية، ما يوافق عليه البرلمان الشرعية الديننية، وما لا يوافق عليه البرلمان لا يملك الشرعية الدينية، ولو على مستوى المحاكم والقضاء.
إنَّ شعب البحرين المسلم بكل مذاهبه لن يقبل أنّ يشرّع لقضاياه الدينية برلمان منتخب أو معين، مهما كانت نزاهة هذا البرلمان ومهما كانت كفاءة هذا البرلمان.. المسألة هنا ليست مسألة كفاءة أو مسألة نزاهة، المسألة مسألة الصلاحية الشرعية، فمبدأ السماح للبرلمان بالتشريع في قضايا الدين مبدأ خطيرٌ وخطيرٌ جداً له نتائجه المدمرة، ومن الغريب جداً أن بعض الإسلاميين في البرلمان قد غفلوا عن هذه الحقيقة، وتحمّسوا لمشروع التقنيين، ظناً منهم أن هذا يصب في مصلحة الدين الإسلامي، ومادروا أنّ هذا الأمر إقتحام غير مشروع لمنطقة التشريع الفقهي في المساحة الخاصة بالأعراض والأنساب.
وخاصة ونحن في هذا العصر الذي تعالت فيه وتيرة الأصوات المتغربة التي تطالب باستلهام النموذج الغربي في قضايا الأسرة وفي قضايا المرأة، وقد استطاعت هذه الأصوات أن تفرض نفسها في بعض الدول العربية والإسلامية وأستطاعت أن تفرض رؤاها على قوانين الأسرة والمرأة.
النقطة الثانية:
قالوا إنّ التقنيين في مسألة الأحوال الشخصية، وفي مسألة الأسرة لن يخرج عن إطار الشريعة الإسلامية وثوابتها، والسؤال الذي نطرحه هنا:
٭ ما هو الضمان لعدم الخروج عن إطار الشريعة الإسلامية وثوابتها؟ وبعبارة أخرى: ما هو الضمان أن يكون قانون الأحوال الشخصية أو قانون الأسرة وفق أحكام الشريعة الإسلامية؟
ربّمــا يطرح هؤلاء الضمانات التالية:
1ــ المادة الدستورية التي تنص على أنّ "دين الدولة الإسلام".
2ــ المادة الدستورية التي تنص على أنَّ "الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع".
3ــ الأغلبية في البرلمان هم من الإسلاميين الذين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية.
4ــ موقف الشعب المسلم في البحرين والذي لن يرضى بأيّ قانون مخالف للشريعة الإسلامية.
هذه ضمانات أربعة ربّما تطرح لحماية التقنيين من أن ينحرف عن جادة الشريعة الإسلامية، إلاّ أنني سوف أناقش هذه الضمانات في حديث الجمعة القادمة ــ إن شاء الله ــ لأثبت أنها غير قادرة على حماية التقنيين من أن ينحرف عن جادة الشريعة الإسلامية...
وقبل أن أختم حديثي أعرض إلى مقولة يرددها البعض، نسمع من يقول: لماذا هذا الحماس الكبير في هذه القضية؟
ولماذا لم تتحمسوا بهذا الحجم أو أقل حينما اخترق الدستور؟. ولماذا لم تتحمسوا بهذا الحجم أو أقل في قضايا التجنيس، والبطالة، والتمييز الطائفي وغيرها من القضايا الخطيرة..؟!
نقول لهؤلاء:
لقد وقف العلماء بقوة في قضايا هذا الوطن، وقالوا كلمتهم الصريحة... وإذا كان مصادرة الإرادة السياسية أمراً خطيراً، وإذا كان مصادرة الهوية أمراً خطيراً، وإذا كان مصادرة لقمة العيش أمراً خطيراً، فإنّ مصادرة الهوية الدينية، ومصادرة أحكام اللّه واقتحام شريعة اللّه أخطر وأخطر وأخطر، وإنّ الذين لا يفرقون بين الخطرين إمّا مستغفلون لا يملكون وعياً وبصيرة، وأمّا أنــّهم لا يقيمون للدين وللشريعة وزناً..
أعاذنا اللّه وإياكم من هذا الزلل والزيغ، ربنــّا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
ربنــّا آتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة وقنا عذاب النار..
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربِّ العالمين
الأحوال الشخصية وصيحات التقنين الوضعي
لازال حديثنا مستمراً حول (قضية الأحوال الشخصية)، والقضية ــ أيّها الأحبة ــ في حاجة إلى مزيد من القول وإلى مزيد من الإيضاح، خاصة والساحة البحرانية تشهد تصعيداً محموماً في الدعوة إلى مشروع التقنين الوضعي لهذه الأحوال الشخصية، وقد استنفر دعاة التقنين الوضعي كل إمكاناتهم الإعلامية في الدفاع عن موقفهم وفي محاولة مستميتة لإقناع الرأي العام البحراني بصحة هذا الموقف.
وفي هذا السياق يستوقفنا (مؤتمر صحفي) عقدته لجنة تسمي نفسها لجنة الأحوال الشخصية، وقد أثار هذا المؤتمر الصحفي من خلال ما طرحه المؤتمرون أو من خلال ما جاء في المداخلات مجموعة أفكار لنا معها وقفات.
الفكرة الأولى:
لقد حاول المؤتمرون وحاولت المداخلات التأكيد على أنّ الغرض من إستصدار قانون الأحوال الشخصية هو ضمان الإلتزام بتشريعات الإسلام عن طريق بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالعلاقات الأسرية.
ولا أريد أن أعرض الكلمات بما حملته من تأكيدات والتي تعبّر عن محاولة لإقناع الناس بأنَّ قانون الأحوال الشخصية لن يتجاوز أحكام الشريعة الإسلامية، ولن يخرج عن ثوابتها الفقهية، وضمن خصوصيات المذاهب.
ونلاحظ على هذا الكلام:
أوّلاً: إننــّا نرفض أساساً مبدأ الإحالة إلى مجلس النوّاب، لأنّ في هذه الإحالة سابقة خطيرة تجعل أحوالنا الشخصية فيما هي شؤون الزواج والطلاق والوصايا والمواريث والأنساب خاضعة لقناعات أعضاء البرلمان والذين لا يملكون مؤهلات التصدّي لإعطاء الرأي في مسائل الفقه والشريعة والذي هو من إختصاص الفقهاء والمجتهدين، ويوم تصبح الأحكام الشرعية تحت رحمة المداولات البرلمانية بكل حساباتها وأهوائها فالكارثة على الدين وعلى الشريعة وعلى الناس كبيرة وكبيرة جداً، وتجارب المجتمعات الأخرى أكبر شاهد على ذلك، من هنا كان رفضنا الذي لا يقبل المراجعة ولا المساومة في مسألة تحمل الخطورة كل الخطورة حينما يكون البرلمان هو الذي يحدد لنا شرعية الأحكام في زواجنا وطلاقنا وأحوالنا الشخصية. ويحدد لنا الحلال والحــرام وما يصــح وما لا يصح وما يقبل وما يرفض، وأن يعتمــد رأياً فقهيــاً ويرفض آراء أخرى، وأن يرجح إجتهاداً ويلغي إجتهادات أخرى، إنــّه تدخل جريء في شرع اللّه ممن لا يملكون صلاحيات التدخــل: {قل ءاللّهُ أذن لكُمْ أمْ على اللّه تَفْتـَرون}.
فأساس هذا التخويل مرفوض تماماً حتى لو جاء القانون مطابقاً للشريعة الإسلامية مطابقة كاملة، فالبرلمان المخوّل إذا أعطانا اليوم قانوناً مطابقاً للشريعة، فسوف يأتينا في الغد بقانون مخالِف للشريعة.
ثانياً: كل التطمينات والتأكيدات التي يطلقها دعاة التقنين الوضعي في الحفاظ على أحكام الشريعة الإسلامية ما هي إلاّ كلمات تقال، ما هو الأساس الذي يجعلنا نقبل هذه التطمينات والتأكيدات، إننا لا نريد أن نتهم هؤلاء بالكذب وربّما يكون البعض صادقاً، إلاّ أنّ المسألة ــ أيّها الأحبة ــ أنّ هذه الكلمات لا تملك أيّ سند دستوري يوفّر لنا هذا الإطمئنان، وكفانا استغفالاً أن نقبل بالكلمات والتطمينات.
قولوا لنا ما هي الضمانات الدستورية التي تحمي التشريع من أن يتجاوز أحكام الشريعة الإسلامية، وأن يخرج عن ثوابتها؟ فليقل لنا رئيس جمعية المحامين الذي أكدّ في مداخلته أثناء هذا المؤتمر الصحفي "أنَّ المطالبة بقانون الأحوال الشخصية وفقاً للشريعة الإسلامية وليس مخالفاً للشريعة".
قل لنا يا رئيس جمعية المحامين ما هي الضمانات الدستورية التي تفرض إسلامية القانون؟
ربمّا تقول أو يقول الآخرون من دعاة التقنين الوضعي:
إنَّ هناك مادتين دستوريتين تشكّلان ضماناً قوياً لحماية التشريع من أن ينفلت عن أحكام الشريعة الإسلامية، وأن يتجاوز الثوابت الفقهية في الإسلام، وهاتان المادتان الدستوريتان هما:
1ــ المادة التي تنص أنَّ "دين الدولة الإسلام".
2ــ المادة التي تنص أنَّ "الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع".
فكيف يمكن الخروج على أحكام الشريعة؟
دعونا نتابع معهم هذا الكلام... إنــَّهم يقولون:
إنَّ المادة الدستورية التي تنص على أن "دين الدولة الإسلام" هي أكبر ضمانة دستورية تحمي التشريعات من الخروج عن أحكام الشريعة الإسلامية.
وهذا ما جاء في كلمة إحدى المحاميات المحاضِرات في المؤتمر الصحفي حيث قالت: "إنَّ المغالطة المطروحة حالياً هي بُعد القانون عن الشريعة الإسلامية وهذا غير صحيح فهو مستنبط منها لأنّ الدستور البحريني يرفض أيَّ قانون مخاِلف للشريعة الإسلامية".
وهذا أيضاً ما أكدته إحدى العضوات في اللجنة:
إنَّ اللجنة أصدرت البيان رداً على الملابسات الأخيرة التي تمَّ تناولها في الصحف حول إبتعاد القانون عن الشريعة الإسلامية.
الحمد لله هذه بيِّنة شرعية (رجل وإمرأتان) تشهد لنا بأنَّ القانون سيكون موافقاً للشريعة الإسلامية، ولا أدري هل تكفي هذه البيِّنة أن تقنع شعباً بكامله في قضية تحمل من الخطورة ما تحمل.
لنترك الحديث عن هذه الكلمات والتصريحات فلم تعد تقنع أحداً من أبناء هذا الشعب المسلم، ولنتجه بالنقاش إلى صلاحية مادة (دين الدولة الإسلام) أن تكون ضمانة لحماية التشريع، وأعتقد أنَّ رئيس جمعية المحامين، والمحامية المحترمة هما يعلمان ــ بصفة تخصصهما القانوني ــ وقبل الآخرين أنَّ هذه المادة لا تشكل ضمانة دستورية، وإنْ كانت تشكّل ضمانة فقد تمَّ تجاوزها جهاراً شهاراً في مملكتنا الحبيبة البحرين.
لا أريد أن أتحدث عن دولنا العربية والإسلامية التي تملك دساتير، وتتصدر دساتيرها هذه المادة المباركة (دين الدولة الإسلام) وكم تضج هذه الدول بالقوانين الخارجة عن أحكام الإسلام، وكم تضج بالإنتهاكات الصارخة لقيم الدين والواقع أكبر شاهد على ذلك.
ولكن لنبقى مع مملكتنا الحبيبة البحرين، والتي ينص دستورها وميثاقها أنَّ (دين الدولة الإسلام) أو بحسب تعبير المحامية المحترمة أنّ الدستور البحريني يرفض أيَّ قانون مخالف للشريعة الإسلامية.
لنتساءل: هل أنَّ هذه المادة الدستورية حمت مملكتنا الحبيبة من تشريع القوانين التي تبيح (المعاملات الربوية) وتبيح الكثير من (المعاملات التجارية المحرمة)؟!.. إلاَّ أنه يُقال أنَّ (المساحة التجارية والاقتصادية) مستثناة فلا تخضع لهذه المادة الدستورية. هل أنَّ هذه المادة استطاعت أن تحمي المملكة من القانون الذي يسمح بـ (فتح أماكن خاصة لبيع الخمور)؟! هذه المسألة أيضاً غير مشمولة للمادة الدستورية؟
هل أنّ المادة الدستورية استطاعت أن تخضع أحكام الجنايات والجرائم إلى الشريعة الإسلامية هذه المساحة خارجة أيضاً عن سلطة المادة المذكورة؟
هل استطاعت المادة الدستورية أن ترفض كل المخالفات للشريعة الإسلامية في مجالات الإعلام والثقافة والتربية والسياسة وبقية مجالات الحياة الاجتماعية؟ هذه المساحات الكبيرة لا يجب أن تخضع للمادة الدستورية التي تحدد هوية الدولة الإسلامية.
ثم نتساءل: هل استطاعت المادة التي تنص أنَّ (دين الدولة الإسلام) أن تحمي مملكتنا الطيبة من (مشروعات الدعارة) و(السياحة المعبئة بألوان الفجور) و(صالات اللهو والعبث بالأخلاق) و(الفنادق التي تمارس فيها المحرمات).. و.. و... إلى آخر الأوضاع الفاسدة التي تسيئ إلى قيم الدين، وأحكام الشريعة؟
أبَعدَ هذا يستطيع أنْ يقنعنا أحد بأن النص المذكور قادر أن يحمي البلد من إختراق القوانين المخالِفة للإسلام وللشريعة.
وأمّا المادة الدستورية الثانية التي تنص على أنّ (الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع) فهي الأخرى أعجز من أختها المادة الأولى في حماية التشريعات من الخروج عن أحكام الشريعة الإسلامية.
لقد ناضلت (الكتلة الدينية) في المجلس التأسيسي الذي شكّل لوضع (دستور) لهذا البلد بعد الإستقلال، ناضلت في أن تعدل في هذه المادة فعجزت وكان الإصرار من أعضاء الحكومة وأعضاء الكتل الأخرى أن تبقى المادة ضمن الصيغة المذكورة، وهذا الإصرار له دلالته ومعناه.
لقد طالب (الدينيون) في المجلس التأسيسي وهم قلة يومئذٍ، أن تعدل المادة إلى الصيغة التالية:
"الشريعة الإسلامية مصدر التشريع"
وواضح أنَّ هذه الصيغة صريحة في إعتماد الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع، وفي ضوء هذه الصيغة ينحصر الرجوع إلى الشريعة الإسلامية في كل التشريعات، ولا مجال للرجوع لأيّ مصدر آخر يتنافى مع الشريعة الإسلامية إلاّ إذا هذا التعديل رُفض بقوة من قبل الوزراء ــ وهم أعضاء في المجلس التأسيسي ــ ومن قبل كل الكتل الأخرى.
حاول (الإسلاميون) أو (الدينيون) أن يطرحوا تعديلاً آخراً وهو حسب الصيغة التالية: "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"
هذا النص ــ حسب دلالته ــ يمنع الرجوع إلى المصادر الأخرى غير الرئيسية، مادام المصدر الرئيسي ــ وهو الشريعة الإسلامية ــ متوفراً على الحكم، فالنص هنا يفترض وجود مصادر غير رئيسية يمكن الرجوع إليها ولكن في طول الرجوع إلى المصدر الرئيسي ــ الشريعة الإسلامية ــ لا في عرضه.
وهذا التعديل هو الآخر رفض بقوة، وتمت المصادقة على الصيغة الموجودة بالفعل في الدستور وهي أنَّ (الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع). كيف نفهم هذا النص؟
هذا النص ــ وحسب هذا التعبير ــ يفترض وجود مصادر رئيسية أخرى غير الشريعة الإسلامية، وهذه المصادر تقع في عرض واحد مع الشريعة، فيجوز الرجوع إليها متى إرتأى المشرِّع المدني ذلك، ولا يمنع وجود الحكم في الشريعة الإسلامية من اعتماد أيّ مصدر آخر رئيسي مادام مكافئاً في القوة إلـى الشريعة. وهكذا يثبت لنا أنه لا توجد أيّ ضمانة دستورية تحمي التشريعات من الانفلات عن إطار الشريعة الإسلامية ولم يبقَ لدينا إلاَّ الكلمات والتصريحات والتطمينات والتي لا يجوز الاكتفاء بها قطعاً، ولا يجوز التعديل عليها.
فنحن نطالب هؤلاء أن يأتوا بدستور يفرض (إسلامية التشريعات)، وأن يأتوا بأعضاء يملكون (الكفاءة الفقهية) التي تؤهلهم لاتخاذ القرار في هذه المسائل.. وعندها لا مشكلة لدينا.
أيّها الأحبة: أتابع معكم الحديث في قضية الأحوال الشخصية، وقد يسأل البعض: لماذا هذا الإستغراق في هذه القضية على حساب قضايا أخرى هامة في الساحة؟ وهل تتصدّر هذه المسألة قائمة الأولويات؟ ثمَّ ألم يُشبَع الحديث في هذا الموضوع فلماذا هذا الزخم من الأحاديث والكلمات والمحاضرات وقد أصبحت الفكرة واضحة؟ إنّنا نعتقد أنَّ المسألة تملك الكثير الكثير من الأهمية، وتملك الكثير الكثير من الخطورة، مما يفرض المزيد من القول، والمزيد من التوضيح، والمزيد من التصدّي، وإنّ المسؤولية الشرعية لا تسمح لنا بالصمت والاسترخاء في مسألة بهذا المستوى من الأهمية والخطورة تمسّ الأعراض والأنساب، وإنّه ليؤسفنا أن نسمع كلماتٍ تقال هنا أو هناك، كلماتٍ مرتجلة وغير مسئولة تتهم موقفنا بأنّه ينطلق من حسابات ذاتية شخصانية، أومن خلفيات طائفية، أو من إعتبارات سياسية، أو من فهم ساذج لم يستوعب ضرورات المرحلة أو من محاولات تستهدف إرباك مسيرة الإصلاح.... و... و... إلى آخر المقولات الظالمة الجائرة التي يسّوق لها هؤلاء بقصد متعمد للإساءة إلى موقف العلماء وموقف الإسلاميين الواعين المخلصين، وقد تعبّر بعض هذه المقولات عن جهل أصحابها إنّ أحسنا الظن.
أيهّا الأحبة:
إننــّا في هذا الموقف ننطلق من رؤية أصيلة ومن فهم مدروس، ومن تكليف شرعي لا نجد أنفسنا معذورين في التخلي عنه، هذا منطلقنا، فليقل الآخرون ما يشاءون، وليجذّفوا ما حلى لهم التجذيف، وليتهموا إنْ خانهم الإنصاف، والغريب أنّهم يتشنجون لكلمةٍ قالها عالم تعبّر عن قناعةٍ إيمانية صادقة، وتعبّر عن موقف مبدئي أصيل، ثمّ هم يطلقون الكلمات مشحونة بالشتائم والإساءات.
لنتجاوز هذا فلن يثنينا كل ما يقال عن ممارسة مسئوليتنا الشرعية في التصدّي لكل ما نعتقد أنّه يشكل خطراً على الدين، وعلى أحكام الشريعة.
ورغم هذا الوضوح في الموقف، فلا زال البعض من المؤمنين يشكّك، ولا زال البعض متردداً في التوقيع على العريضة الشعبية، ومن حقنا أن نتساءل وأن نستغرب ألا يكفي قرابة المائتين من علماء وأساتذة وطلاب الحوزة يوقّعون على عريضة؟! وفيهم أسماء كبيرة ومعروفة ألا يكفي ذلك في تحديد الوظيفة وفي تحديد التكليف؟ ألا يكفي ذلك في خلق الإطمئنان وفي خلق القناعة؟! وعلى كلّ حال فإنَّ هذا التشكيك، وهذا التردد لا يشكّلان ظاهرة كبيرة تبعث على الخوف والقلق مادام الاتجاه العام لدى جماهيرنا المؤمنة هو الإستجابة والتفاعل، كما يعبّر عن ذلك الإقبال الكبير على التوقيعات، وإننّا نثمّن ونبارك هذا الحس الإيماني النابض، وهذه الحرارة المبدئية الصادقة، وهذا الوعي الإسلامي الأصيل.
أيهّا الأحبة:
إستمراراً لمناقشة الأفكار التي أثارها المؤتمر الصحفي الذي عقدته لجنة الأحوال الشخصيةــكما تسمي نفسهاــوذلك في الإسبوع الماضي، نتابع هذه الوقفات: الوقفة الثانية:
أعلنت اللجنة المذكورة أنّها بصدد رفع خطاب موجه إلى ملك البلاد للمطالبة بإصدار قانون الأحوال الشخصية، وقالت اللجنة أنّها "ستجمع التواقيع لهذا الخطاب من الجمعيات السّياسية والنسائية والمواطنين" وسيرافق هذه الخطوات "حملة توعية شاملة تمتد للمآتم والمراكز الدينية"
ونضع هنا مجموعة ملاحظات:
الملاحظة الأولى:
إنّ هذا الكلام يعبّر عن حالة من الإستنفار لدى هؤلاء في اتجاه الدفاع عن موقفهم، ويعبّر عن عزم وتصميم لإختراق المواقع الدينية، كونهم يعلمون أنَّ هذه المواقع هي مراكز التأثير في الجماهير المؤمنة، وهذا الكلام يفرض علينا أن نستنفر كلّ إمكاناتنا ووسائلنا في التصدّي للمشروع، وفي المواجهة الواعية وفي الرفض الهادف، وإنَّ أيّ صمتٍ أو إسترخاءٍ أو تنازلٍ سوف يحملّنا جميعاً وعلى كلّ المستويات أخطر مسئولية أمام الله سبحانه، وأمام إسلامنا وديننا وقيمنا، وأمام حاضرنا ومستقبلنا، إنّ الأخرين لا ترضيهم هذه اللغة، ويروّن أنّ توظيف اللغة الدينية في توجيه الجماهير فيما هي قضايا السّياسة، وفيما هي قضايا الثقافة وفيما هي قضايا الاجتماع أمر لا مبرر له.
ونحن لا نستكثر على هؤلاء أن يزعجهم هذا اللون من الخطاب، فهم أساساً لا يؤمنون بحق الدين أن يتدخل في شئون السّياسة وفي شؤون الثقافة وفي شؤون الإقتصاد وفي كل شئون الحياة الاجتماعية ويريدون للدين أن يتجمد في شؤون العبادة، ولكنهّم غاب عنهم أننا نفهم العبادة عنواناً كبيراً يمتد إلى دنيا السّياسة، وإلى دنيا الثقافة، وإلى دنيا الإقتصاد وإلى كل مواقع الحياة.
وإذا كنا لا نستكثر على هؤلاء هذا الموقف، كونهم لا يؤمنون بالدين، وبوظيفة الدين. إلاّ أننّا نستكثر على أولئك الذين يزعمون لأنفسهم أنّهم يملكون خطاب الدين، وإذا اللغة هي اللغة، ماذا يريد أن يقول حافظ الشيخ؟
أنا لا أريد هنا أن أتناول خطاباته التي ما فتأت تزرع الفتنة المذهبية والفتنة الطائفية، وفتأت تؤجج الأحقاد والضغائن والعداوات والصراعات، وكأنّه معني بهذه المهمة تماماً.
هذا الموضوع لنا معه وقفات أخرى في حديث آخر وما يهمنا هنا، حديث له نشر قبل أيام، وقد وضع نفسه واعظاً وموّجهاً ومرشداً لمشايخ الدين، وما أسوء هذا الزمان الذي يتحول فيه مشايخ الدين إلى تلامذة صغار في مدرسة حافظ الشيخ، وإن عشت أراك الدهر عجباً.
ماذا يريد حافظ الشيخ ــ الأستاذ الموجّه لأئمة المساجد ــ ماذا يريد لهؤلاء الأئمة والمشايخ؟
إنّه يقول: أنّ هؤلاء الشيوخ الأفاضل مقامهم مقام دين وعبادة وإرشاد، لا مقام سياسة وقوانين وضعية اقتضتها التحولات المعاصرة في المجتمع وضرورتها التنموية البشرية.
هكذا يعلّمنا حافظ الشيخ أن نكون شيوخاً محنــّـطين ومجمّدين ومشلولين، نترهب في المساجد كما يترهبن الكهان في الأديرة والصوامع، فمقامنا مقام دين ولكنه دين مشلول لا حراك له ولا حياة، لأنّه محظور عليه أن يتحرك في مساحات تغطي القسم الأكبر في حياة الإنسان.
ومقامنا مقام عبادة ولكنها العبادة الكسيحة، التي لا تقول: لا للمنكر السّياسي، ولا تقول لا للمنكر الثقافي، ولا تقول لا للمنكر الاجتماعي لأن هذا يؤديــحسب مدرسة حافظ الشيخــإلى تلوث العبادة الروحانية، فتفقد العبادة صفاءها وتفقد العبادة سموها الروحي والإيماني والنوراني.
كم يفرح الحكّام والساسة والمتسلطون أن تتحول شعوبهم بأكملها إلى عبّاد ونــّساك ولكن من هذا الطراز.
وكم تفرح أمريكا أن يتحول كل العرب والمسلمين حكاماً وشعوباً إلى عبّاد من هذا الطراز، فالعبادة من هذا الطراز لن تشكل إرهاباً في المنظور الأمريكي، ولن تشكّل عنفاً في حسابات بوش، ولن تشكّل قلقاً لأنظمة الحكم والسّياسة.
وكم هي مهمة كبيرة يمارسها هؤلاء الكتــّاب في خدمة هذه الأهداف.
ومقامنا مقام إرشاد، ولكنـّه إرشاد محظور عليه أن يتجاوز الخطوط الحمراء، ومن الذي وضع هذه الخطوط الحمراء؟ أمريكا، قوى الإستكبار، أنظمة الحكم، تيارات التغريب والعلمنة، قوى الجهل والتخلف، وهكذا يصبح الإرشاد محاصراً بخطوط حمراء مكثفة ومشدّدة، فماذا بقى لنا من الدين والعبادة والإرشاد؟!
الملاحظة الثانية: الدور الكبير الذي تتحمله المراكز الدينية.
إنّ المساجد والمآتم والمراكز الدينية منطلقات لتأصيل خط الله في الأرض، ومنطلقات لإنتاج حالة الإنتماء إلى مبادىء الإسلام، وقيم الدين، وأهداف الرسالة الربانية، ومنطلقات لصياغة إنسان العقيدة والمبدأ، ولصياغة حركة الحياة وفق منهج السماء.
ومنطلقات تصدّي ومواجهة لكلّ التيارات التي تشكّل خطراً على الدين والرسالة. ومنطلقات توعية وإرشاد وتوجيه لكل مسارات الواقع الإيماني والروحي والأخلاقي والثقافي والاجتماعي والسّياسي حسب ما يريد الله سبحانه وحسب ما يريد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحسب ما يريد أئمة الهدى من أهل البيت (عليهم أفضل الصلوات وأزكى التحيات).
هذه أهداف المساجد والمآتم والمراكز الدينية، فمسئوليتنا أن نحافظ على هذه الأهداف، وإن أيّ توظيف لهذه المواقع بما يتنافى مع هذه الأهداف هو انحراف خطير لا يسعنا السكوت عليه، ووظيفتنا التصدّي له.
قد يقال: إنّكم بهذا تصادرون الرأي الآخر، والدين لا يصادر الرأي الآخر. المسألة ليست مصادرة للرأي الآخر، الرأي الآخر له مواقعه التي ينطلق منها، ونحن نؤمن بالحوار مع الآخر، ولكن لمواقعنا الدينية أهدافها المقدسة التي لا يجوز المساس بها. أترون أنّه من الجائز أن نمكّن إنساناً يدعو إلى عبادة الشيطان أن يمارس دعوته من خلال محراب العبادة لله سبحانه، هذا مجرد مثال ولا أريد أن أتهم أحداً، ولا يجوز لي أن أتهم أحداً بلا دليل ولا برهان، ولكنه مثال نسوقه ونسوق أمثلة أخرى لتوضيح أساس المبدأ.
أترون أنه من الجائز أن نمكّن إنساناً يدعو إلى المنكر والباطل أن يمارس دعوته من خلال المسجد والمأتم؟
أترون أنه من الجائز أن نمكّن إنساناً يدعو إلى الضلال ــ الضلال العقيدي، الضلال الثقافي، الضلال الأخلاقي، الضلال الاجتماعي، الضلال السياسي ــ أن يمارس ذلك من خلال المسجد والمآتم؟
التطبيقات في حاجة إلى دراسة واعية بصيرة.
الملاحظة الثالثة:
وحسب تصريح البيان الصادر عن لجنة الأحوال الشخصية ــ كما هي التسمية المطروحة ــأنّهم سيقومون بجمع توقيعات المواطنين لدعم مشروعهم، أنـّـنا ليس من حقنا أن نمنع أحداً أن يحرّك أيّ عريضة بين الجماهير لاستقطاب الدعم والتأييد في قضية يؤمن بها، إلاَّ أنـّـنا من حقنا أن نمارس توعية الجماهير في اتجاه الأهداف التي نؤمن بها، كما يمارس الآخرون حقهم في توعية الناس في اتجاه الأهداف التي يؤمنون بها.
ومن الغريب أن هؤلاء يعتمدون كل المواقع لخطاب الناس، يعتمدون الصحافة، وسائل الإعلام، الجمعيات، مراكز الثقافة من أجل ما يسمونه بالتوعية الشاملة، ثم يعترضون علينا أن نعتمد المساجد والمنابر من أجل توعية الناس في خط الأهداف التي نؤمن بها؟!
وإنطلاقاً من حقنا في التوعية والإرشاد ننبه أبناء هذا الشعب رجالاً ونساءً أن يكونوا في أقصى درجات الوعي والحذر كي لا يقعوا في إستدراجات خطيرة ــ حسب ما نعتقد ــ وهذه الإستدراجات تعتمد عناوين مقبولة جداً عند الناس: الدفاع عن حقوق المرأة، تنظيم شئون الأسرة، إصلاح وضع القضاء، هذه عناوين نحن لا نرفضها، وندافع عنها بقوة، إلا أنـّـنا نختلف مع هؤلاء في الآليات المعتمدة لتحقيق هذه الأهداف،
إنـّـنا نعتبر تمكين البرلمان من التدخل في التشريع لقضايانا الدينية التي لا زالت خارج الهيمنة المدنية أمر له خطورته الكبيرة جداً إن عاجلاً أو آجلاً على هذه المساحة التي تضم زواجنا وطلاقنا وأنسابنا ووصايانا ومواريثنا.
ولذلك فإننا نعتبر التوقيع على أيّ عريضة تطالب بهذا التمكين مساهمة في عمل غير مشروع فقهياً ــ حسب وجهة نظرنا الدينية ــ ونترك للآخرين وجهة نظرهم، فقد يرونه عملاً واجباً، وقد يرونه عملاً وطنياً. هذه وجهة نظرهم يتحملون مسئوليتها، غير أنّ مسئوليتنا الشرعية تحتم علينا أن نقول لأبناء شعبنا أنّ المطالبة بتمكين البرلمان من إقتحام هذا الشأن أمر يتنافى تماماً مع القناعات الفقهية الملزمة لنا شرعاً، وإنّ الغالبية من أبناء هذا الشعب ليست على استعداد أن تتجاوز هذه القناعات الفقهية ثقة منها برموزها وعلمائها الذين أعطتهم كل الحب والولاء.
ونحن لا نرى في هذا الموقف ما يسيء إلى خطوات الإصلاح السّياسي، والنهج الديمقراطي، والذي هو شعار هذه المرحلة.
ومن المؤسف أن بعض اللاعبين بالكلمات، والمتاجرين بالشعارات، أثاروها ضجة مفتعلة ورائها ما ورائها، تعالى الضجيج والبكاء والعويل، فخطوات الإصلاح السّياسي أصبحت مهددة، والنهج الديمقراطي أصبح مهدداً، ومشروعات التغيير أصبحت مهددة.
لماذا؟ لأنَّ علماء الدين قالوا"لا لسرقة الأحوال الشخصية" و"لا لهيمنة المؤسسة الوضعية على أحكام الشريعة".
إننّا نسأل هؤلاء الذين أثاروا الصخب والضجيج في الصحف والمنتديات والمؤتمرات، يتباكون الإصلاح السّياسي، والنهج الديمقراطي، والثوابت الدستورية لأنَّ علماء الدين أعلنوا رفضهم أن يتدخل البرلمان في شأن الأحوال الشخصية.
٭ نسأل هؤلاء: هل أن المشروع السّياسي الذي تندبونه قد استكمل مكوّناته؟
٭ هل ترسمت خطواته الصحيحة؟
٭ هل انتهت إشكالاته؟
٭ وهل أنَّ النهج الديمقراطي الذي تتباكونه قد تأسست صياغاته؟
٭ وهل تشكّلت معالمه؟
٭ وهل تحركت تفعيلاته؟
فلماذا لا ترتفع أصواتكم قوية جريئة في التصدّي للتهديدات الحقيقية التي تواجه المشروع السّياسي؟، والتهديدات الحقيقية التي تواجه النهج الديمقراطي؟ أم أنَّ المسألة هنا لها حساباتها الخاصة؟
عودة إلى قضية الأحوال الشــخصية...
لمــاذا هـــذه العـــودة؟
لازال هناك إصرار لدى عدد من النوّاب على طرح القضية على المجلس، ولازال هناك إصرار لدى بعض القوى والفعاليات على إثارة الموضوع وتحريكه في الصحافة والمنتديات، الأمر الذي يفرض علينا إنطلاقاً من مسؤوليتنا الشرعية أن نؤكد موقفنا في رفض أي تدخل من قبل البرلمان في شؤون الأحوال الشخصية، ونأمل أن لا نضطر إلى تصعيد الموقف في التصدّي والمواجهة، ويجب على أعضاء البرلمان أن يحسبوا النتائج بدقة، وأن يحترموا إرادة أبناء هذا الشعب المسلم الذي لن يسمح لأيّ مؤسسة وضعية أن تتدخل في أحواله الشخصية المحسومة من الناحية الشرعية، وأن العريضة الشعبية التي وقعها عشرات الآلاف من أبناء هذا البلد لهي تعبير واضح عن إرادة الجماهير المؤمنة في هذا البلد، وإذا كانت العريضة قد تحركت لمدة محدودة واستطاعت أن تحتضن هذا العدد الكبير من التوقيعات، فإنها إذا اقتضت الضرورة سوف تتحرك مرة أخرى، وسوف يعبر الناس عن موقفهم المبدئي في هذه القضية.
العلماء وقضايا المرأة:
لقد قلنا ولازلنا نقول: إننا مع قضايا المرأة العادلة حسب ما قررته شريعة اللّه تعالى، لا حسب ما تفرضه أهواء الإنسان وقوانين الأرض القاصرة.
إننا مع حقوق المرأة، ومع حقوق الرجل، ومع حقوق الإنسان، وضد كلّ ألوان الظلم والجور والاعتداء والمصادرة، وضد كلّ ألوان الفوضى والعبث والفساد والتمييز. إن تحويل الأحوال الشخصية من مظلة الشريعة إلى مظلة المؤسسة الوضعية جناية كبيرة لها مردوداتها الخطيرة جداً، ولن يشفع لدعاة التحويل مقولاتٌ يرددونها ويحاولون من خلالها أن يطمئنوا الناس بأن التقنين لن يتجاوز أحكام الشريعة، مادام دين الدولة الرسمي هو الإسلام، ومادام الدستور ينص أن الشريعة مصدر رئيسي للتشريع.
هذا الكلام لا يملك مصداقية، فلا رسمية الإسلام كدين للدولة، ولا مصدرية الشريعة وفق الصيغة المدونة في الدستور كل ذلك لا يحمي التشريع المدني من تجاوز أحكام الشريعة الإسلامية، وواقع القوانين في بلدان المسلمين أكبر شاهد على ذلك. أسلمة القوانين المدنية:
ومما يؤسف له أن تغيّب هذه الرؤية عند بعض الأخوة ممن لا نشك في إخلاصهم للدين وقيم الدين، وللفقه وأحكام الشريعة، حينما يتصورون إن استصدار قوانين مدنية من قبل المؤسسةالوضعية تنظم أحكام الأحوال الشخصية هو انتصار للشريعة إنطلاقاً من الهدف الكبير الذي يسعى إليه الإسلاميون هو "أسلمة القوانين المدنية"، قد يبدو هذا الكلام صحيحاً وقد يبدو هذا المنطق صائباً، ولكننا لو تأملنا في عمق المسألة سوف نجد أننا الخاسرون يوم طوّعنا شريعة اللّه تعالى لمؤسسات مدنية لا تملك صلاحية أن تعطي رأياً في أحكام اللّه، ولا تملك حصانة في أن تتجاوز أحكام الشريعة، وقد ناقشنا هذه المسألة بإسهاب في خطب ومحاضرات سابقة.
إننا ندعو بلاشك إلى أسلمة كل القوانين وفي كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية والإعلامية والسياسية إنه مشروع الإنسان المسلم في أسلمة الواقع بكل مكوّناته، ومن الواضح أن حياة الإنسان المسلم في هذا العصر، وفي داخل مجتمعات المسلمين يمكن أن نصنفها إلى مجموعة مساحات:
1ــ مساحة العبادات: هذه المساحة لم تتجرأ أنظمة الحكم في مجتمعات المسلمين أن تتدخل فيها، وبقي الإنسان المسلم يمارس عباداته وفق إنتمائه الفقهي المذهبي.
2ــ مساحة الأحوال الشخصية (الزواج، الطلاق، النفقة، الحضانة، الوصايا، المواريث) وتسمى هذه المساحة أحياناً بأحكام الأسرة.
هذه المساحة بقيت في بعض مجتمعات المسلمين خارج دائرة الهيمنة الرسمية لأنظمة الحكم وتركت لتوجيهات الفقه والشريعة... ولكنها في بعض بلدان المسلمين تمَّ اخضاعها للمؤسسة الوضعية وإن بقيت محكومة في الغالب لتوجيه الشريعة إلا أن ذلك لم يمنع المشرع المدني أحياناً من العبث والتغيير والتلاعب بأحكام الشريعة وهناك أمثلة كثيرة على ذلك.
3ــ بقية المساحات في حياة الإنسان المسلم، وهذه تمت الهيمنة عليها من قبل المؤسسات الوضعية، وأخضعت في الغالب لقوانين مخالفة للشريعة الإسلامية. وفي ضوء هذا التصنيف، فإن الدعوة إلى أسلمة القوانين تعني محاولة إرجاع المساحات المغصوبة إلى مظلة الشريعة الإسلامية، وليس التفريط بالمساحة المتبقية في حماية الشريعة وتسليمها إلى هيمنة المؤسسة الوضعية.
فليتق اللّه في دينهم أولئك الذين يصرّون على إعطاء المؤسسة الوضعية حق التدخل في شؤون الأحوال الشخصية.
ولا حديث لنا مع دعاة العلمنة، فمن الطبيعي أن يكون موقفهم هو إقصاء الشريعة الإسلامية، وتجميد دور الدين في صياغة حركة الحياة والإنسان. "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".
* هــل لدينــا إشــكالية حـول مبـدأ (التقنــين)؟
الإجابة عن هذا السؤال تفرض علينا أولاً أن نحدد معنى هذا المصطلح... و هنا عدة إحتمالات:
الإحتمال الأول: يقصد بالتقنين: مجرد الصياغة الشكلية فقط (عمل فني):
أن تصاغ المسائل و الأحكام صياغة قانونية (هيكلة المواد على شكل مواد قانونية) من خلال:
أــ إعتماد اللغة القانونية.
بــ إعتماد الشكل القانوني.
ــ هنا لا يمارس التقنين أيّ تصرف في المضمون.
ما الموقف من التقنين بهذا المعنى؟
1ــ لا مشكلة لدينا من التقنين بهذا المعنى.
2ــ إلاّ أنّه غير وارد إطلاقاً أن تكون وظيفة البرلمان مجرد (الصياغة).
3ــ و يمكن أن تمارس من خارج البرلمان.
الاحتمال الثاني: أن يقصد بالتقنين مجرد (الإقرار والإمضاء) فقط لإعطاء المشروع (الصفة القانونية الملزمة دستورياً)، هنا أيضاً لا تدخل في المضمون. ما هو مَوقفنا؟
1ــ غير وارد إطلاقاً أن تكون وظيفة البرلمان مجرد (الإقرار والإمضاء).
2ــ ولو صح هذا جدلاً فنحن نرفض أن يكون البرلمان (مصدر الشرعية):
أ ــ كونه غير مؤهل لذلك.
ب ــ والذي يعطي الشريعة اليوم يسحبها غداً.
الاحتمال الثالث: أن يقصد بالتقنين المداولة والمناقشة والمحاسبة للآراء والمسائل مما يفرض قبولاً أو رفضاً، واعتماد (الأغلبية) لإقرار الحكم.
ما هو موقفنا؟
نرفض التقنين بهذا المعنى، و ذلك إنطلاقاً من حيثيتين:
الأولى: هذه الممارسة في حاجة إلى كفاءات إجتهادية تخصصية وهي مفقودة.
الثانية: غياب الضمانة الدستورية التي تحمي التشريعات من الخروج عن أحكام الشريعة الإسلامية.
الخلاصة:
1ــ إننا نرفض التقنين وفق الإحتمالين الثاني والثالث.
2ــ ولا مشكلة لدينا في التقنين بمعنى (الصياغة) والذي لا يخضع للمؤسسة الوضعية (مداولةً أو إقراراً).
قد يقال: كيف تأخذ الصياغة (الصيغة القانونية الدستورية) إذا لم تمر عبر المؤسسة الوضعية؟
نجيب:
1ــ ما دامت الصيغة القانونية توقعنا في الإشكالية الشرعية فلا خيار لنا إلاّ الرفض.
2ــ يمكن أن نقبل بديلاً إضطرارياً وهو (اللائحة الداخلية) التي تحكم القضاء الشرعي.
أ ــ توضع من قبل علماء متخصصين في الشريعة الإسلامية.
بــ إمضاء أحد الفقهاء المعتمدين.
جــ إقرار مجلس القضاء الأعلى.
إذاً تقعون في إشكالية الإمضاء؟
1ــ قلنا غير وارد في وظيفة البرلمان الإمضاء فقط، وهذا وارد هنا.
2ــ هنا نكون أكثر قدرة وسيطرة.
3ــ هذا الخيار تفرضه قاعدة التزاحم الفقهية.
إشكالية تواجه مبدأ التقنين:
1ــ إلزام القضاء برأي فقهي واحد.
2ــ إغلاق باب الإجتهاد في مسائل القضاء.
معالجة الإشكالية الأولى:
ــ مبدأ التزاحم: وجود مصلحة أكبر في فرض رأي واحد.
ــ بشرط أن يكون القضاة أو بعضهم ممن يتبنون هذا الرأي الواحد (إجتهاداً أو تقليداً). معالجة الإشكالية الثانية:
أن توضع مادة في اللائحة الداخلية تنص على أن يكون للفقهاء الحق في إعادة النظر في أحكام اللائحة إذا إقتضت المصلحة ــ حسب رأي الفقيه ــ.
الأحوال الشخصية.. إشـــــكـالات و ردود
الحمد للّه ربَّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على سيدنا ونبينا وحبيبنا وقائدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين.
السَّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
موضوع الأحوال الشخصية هو حديث الساعة، وحديث الساحة وقد اقتحم هذا الموضوع كل المواقع: الصحافة، المنتديات، المؤتمرات، المساجد، المآتم، الشارع، المجالس، البيوت.
وقد تعالت أصوات من جمعيات نسائية، ومن أعضاء برلمان، ومن ناشطين سياسيين، ومن رجال السلطة تطالب بإصدار قانون الأحوال الشخصية أو قانون الأسرة عن طريق مجلس النواب.
وأما علماء الدين فقد وجدوا أن إعطاء البرلمان حق التشريع لقضايا الزواج والطلاق والأعراض والأنساب، والوصايا والمواريث أمر في غاية الخطورة على الدين والشريعة، وعلى الأسرة، وعلى الرجل والمرأة إن لم يكن عاجلاً فآجلا، وجاء موقف العلماء هو الرفض، وتحرك الآخرون بقوة يدافعون عن مشروعهم، واستنفروا كل إمكاناتهم ووسائلهم، وتصدّى العلماء بصلابة إنطلاقاً من مسؤوليتهم الشرعية، وكانوا يرون أنّ السكوت لا يملك (مبرراً دينياً) وقالوا كلمتهم الجريئة الصريحة، وجاء خطابهم واضحاً لا غموض فيه، ولا مجاملة فيه ولا مداهنة، أعلنوا الموقف الشرعي من خلال العريضة العلمائية، ومن خلال اللقاء مع ملك البلاد، ومن خلال المساجد والمنابر والمنتديات والمحاضرات ومن خلال الصحف والمقابلات، وتفاعل المؤمنون مع هذا الموقف.
أيهّا الأحبة:
أحاول في هذا اللقاء أن أعرض إلى بعض الإشكالات التي تثار في الصحافة والمنتديات حول موقفنا من موضوع الأحوال الشخصية وهذه أمثلة لتلك الإشكالات:
٭ الجماهير مأسورة بلا وعي لتحريض العلماء.
٭ لماذا لم تستنفروا خطابكم في قضايا أهم وأخطر؟
٭ لماذا هذا التهويل والخوف والقلق؟
٭ لماذا ترفضون التقنين وهو ظاهرة حضارية؟
٭ إن رفض القانون الموحد تكريس للطائفية.
٭ إن رفض التقنين تكريس للأوضاع المتردية في داخل الأسرة وفي حياة المرأة.
٭ إن رفض التقنين تكريس للواقع القضائي الفاسد.
٭ أسلمة القوانين
الإشكال الأول: الجماهير تحركت بلا وعي مأسورة لتحريض العلماء، هكذا قالوا لذلك قرر دعاة التقنين أن يقوموا بحملة توعية شاملة تمتد إلى المساجد والمآتم والمراكز الدينية.
ونجيب عن هذا الإشكال:
أولاً: إن جماهيرنا المؤمنة حينما اندفعت بحماس للتوقيع على العريضة الشعبية لم تكن مأسورة للتحريضات العلمائية بلا وعي ولا بصيرة، جماهيرنا تملك الوعي والبصيرة، وحينما وقّعت وقّعت إنطلاقاً من تكليف شرعي، ومن قناعة إيمانية، وإنطلاقاً من الثقة الكاملة بالعلماء الواعين المخلصين فمن وظيفة العلماء أن يحددوا للناس التكليف الشرعي في قضية تلامس الأعراض والأنساب بل من واجبهم أن يقولوا الكلمة.
ومن الواجب أن يلتزم الناس بهذه الكلمة ماداموا يحملون كلّ الثقة لعلمائهم، فالمسألة ليست كما يتحدث أولئك الذين لا يفهمون البعد الشرعي في العلاقة بين العلماء والناس حينما يقولون إن تحريضات الخطاب الديني هيمنت على عواطف الجماهير، وكأنّ المسألة ــ في نظرهم ــ مسألة تحريض وإستفزاز، ومراهنات سياسية لكسب الناس، إنهم معذورون لأنهم غير قادرين أن يستوعبوا (الحس الشرعي)المتجذر في وجدان الإنسان المؤمن، ولأنهم يتعاملون مع القضايا بعقل السّياسةالبعيدة عن الدين. ثانياً: نؤكد للإخوة المؤمنين أن المساجد والحسينيات مواقع للدفاع عن شريعة اللّه، فلا يجوز إطلاقاً أن يمكّن منها أحدٌ يتحرك في خط مضاد لشريعة اللّه أو يروّج لأفكار مرفوضة في شرع اللّه، ووفق رؤيتنا وقناعتنا أن الدعوة إلى التقنين الوضعي مرفوضة شرعاً.
الإشكال الثاني: لماذا استنفرتم ــ أيهّا العلماء ــ خطابكم بهذا الحماس في قضية الأحوال الشخصية، ولم تستنفروا هذا الخطاب حتى وبدرجة أقل في قضايا أهم كقضية الدستور، والتجنيس، والبطالة، وجرائم التعذيب.
وفي الجواب عن هذا الإشكال نقول:
أولاً: إننا ننأى بأنفسنا عن المزايدات، فمواقفنا ليست من أجل التسويقات السياسية، كمن يحاول أن يتاجر بالشعارات، والكلمات الخطابات، إنه من التجنّي أن نصادر مواقف العلماء في قضايا هذا الوطن، لقد كان لهم خطابهم الجريء الصريح يوم سكت الآخرون، لقد قالوا كلمتهم بلا خوف ولا مساومة في أصعب الظروف، وفي كل المراحل، ولازالوا يقولون الكلمة، فها هي خطاباتهم تتعاطى مع كل القضايا، ومع هموم هذا الوطن، تحدّث خطاب العلماء عن الدستور، التجنيس، البطالة، التعذيب، وعن كل قضايا السّاحة، ومن كان يتابع خطب الجمعة وخطب المنابر، وخطب الإحتفالات يعلم ذلك واضحاً.
ثانياً: إن خطاب العلماء يرى من مسؤوليته أن يوازن بين حاجات الجسد وحاجات الروح، بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة، بين قضايا العقيدة وقضايا الأخلاق وقضاياالثقافة وقضايا السياسة، وهذا المعنى ليس في قاموس الآخرين، وليس في أجندتهم. وليس في أهدافهم، ليس مخلصاً لهذا الشعب من يطالب بلقمة عيشه ولايدافع عن دينه وقيمه وأخلاقه، ومن يدافع عن الدين والقيم لا يمكن أن يتخلى عن المطالبة بلقمة العيش.
ثالثاً: من قال أن تلك القضايا أخطر من قضية الأحوال الشخصية؟ برغم ما لقضية الدستور من أهمية وخطورة، وبرغم ما لقضية التجنيس من أهمية وخطورة، وبرغم ما لقضية البطالة من أهمية وخطورة، وبرغم ما لقضية التعذيب والإنتهاك لحقوق الإنسان من أهمية وخطورة تبقى قضية الدين أهم وأهم وأخطر وأخطر، وهل كلّ أزمات الحياة في الواقع الاجتماعي، وفي الواقع الثقافي، وفي الواقع الإقتصادي وفي الواقع السّياسي إلاّ نتيجة طبيعية لإقصاء الدين وقيم الدين،يوم عطّلنا شريعة اللّه، وأحكام اللّه، وأصبحت تحكمنا قوانين الإنسان، وأهواء الإنسان، وضلالات الإنسان، كان الذي كان، لقد اقتحمت كل معاقلنا، ولم يبقَ إلاّ هذا المعقل الأخير: عباداتنا، زواجنا، طلاقنا، وصايانا، ومواريثنا، والمحاولات جادة ومحمومة لاقتحام هذا الموقع، فهل يجوز لنا أن نستسلم؟
الإشكال الثالث: لماذا هذا التهويل الكبير والخوف والفزع والقلق من إصدار قانون الأحوال الشخصية، عن طريق البرلمان، فالتأكيدات أن هذا القانون سيكون موافقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، فكيف تتصورون أن برلماناً في دولة إسلامية كالبحرين يجرؤ أن يصدر قانوناً يخالف الإسلام وكيف تتصورون أن أعضاء ينتمون إلى الإسلام يجرؤون أن يوافقوا على قانون يخالف الشريعة الإسلامية، ودستورنا يمنع ذلك وميثاقنا يمنع ذلك، وشعبنا يمنع ذلك، ودينناً يمنع ذلك؟ فأنتم تبالغون في هذا التخوف والفزع والقلق؟!
ونلاحظ على هذا الإشكال:
أولاً: التأكيدات والتطمينات وحدها لا تجدي في قضية خطيرة على هذا المستوى، وإننا نفرّط في الأمانة الشرعية إن إعتمدنا فقط على الكلمات والتصريحات بعيداً عن مسألة الثقة وعدمها في أصحاب الكلمات والتصريحات.
ثانياً: من قال أنّ البرلمانات في دولنا العربية والإسلامية لا تجرؤ على إصدار قوانين تخالف الشريعة الإسلامية؟
ومن قال أنّ أعضاء البرلمانات في دولنا العربية والإسلامية لا يجرؤون أن يصدروا قوانين مخالفة للشريعة الإسلامية؟
القوانين التي تبيح الخمور في بلاد المسلمين صادرة عن هذه البرلمانات، وبموافقة أعضاء البرلمانات.
القوانين التي تبيح الربا والمعاملات التجارية المحرّمة صادرة عن هذه البرلمانات، وبموافقة أعضاء البرلمانات.
القوانين التي تسمح بالزنا والعهر في بلاد المسلمين صادرة عن هذه البرلمانات وبموافقة أعضاء البرلمانات.
القوانين التي تسمح بفتح أماكن للدعارة واللهو والعبث بالأخلاق صادرة عن هذه البرلمانات، وبموافقة أعضاءهذه البرلمانات، وإذا قدر لبرلمان من هذه البرلمانات في دورة من دوراته أن يحظى بأغلبية إسلامية تتصدى للقوانين المخالفة للشريعة الإسلامية فسوف تأتي دورات تفتح صدرها لكل ما يخالف الإسلام فالرهان على الأعضاء رهان فاشل، وهذا لا يعني ألا نعمل ــحينما نقتنع بالتجربة البرلمانية ــ من أجل إيصال الكفاءات المتدنية.
ثالثاً: من قال أن دستورنا يمنع ذلك؟، ومن قال أن ميثاقنا يمنع ذلك؟
اقرأوا الدستور، واقرأوا الميثاق وأخبرونا بمادة واحدة تمنع صدور قانون يخالف الشريعة الإسلامية، ونطالب القانونيين الذين يفهمون قراءة الدستور، ويفهمون قراءة الميثاق أن يذكروا لنا هذه المادة، ربمّا يقولون: إن مادة (دين الدولة الإسلام) تمنع صدور أي قانون يخالف الإسلام.
لو كانت هذه المادة جدية لكان الأمر كذلك، ولكنها مادة شكلية لا واقع لها في كل دولنا العربية والإسلامية، والدليل واضح، هذا الكم الكبير من القوانين المخالِفة للإسلام، وهذه الأوضاع الفاسدة التي تتنافى مع قيم الدين.
وإذا قالوا: إن فقرة "الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع" قلناأنّها لا تحمل قوة أن تمنع أيّ قانون مخالف للشريعة الإسلامية، من الملاحظ أن الدستور نص فقط على مسألة الميراث فقال: "الميراث حق مكفول تحكمه الشريعة الإسلامية" فإذا كانت الأحوال الشخصية جميعها محكومة للشريعة الإسلاميةفلماذا هذا النص على خصوص الميراث؟!
رابعاً: أما أن شعبنا يمنع، وأن ديننا يمنع فهذاصحيح، وإن كان في الشعب من يرضى بما يخالف الإسلام، إلاّ أن أغلبية شعبنا يرفض التجاوز على أحكام الإسلام. ولكن ما أكثر ما أسقطت إرادة الشعب.
ولكن ما أكثر ما أسقطت إرادة الدين.
الإشكال الرابع: لماذا ترفضون "التقنين" للأحكام، وهو ظاهرة حضارية، فوجود القوانين والتشريعات من سمات الحضارة والتطوروالتمدن، فالوقوف في وجه التقنين تخلف وركود وجمود وانفلات وفوضى وضياع وماذا نقول إزاء هذا الكلام؟
1ــ ما أسهل التوظيف للكلمات: حضارة، تطور، تمدن، ركود، جمود، تخلف، فوضى، ضياع، حتى لو جاءت في سياقاتها الخاطئة، وعلى كل حال لا يمكن أن نصادر حق النقد والتعبير، وإن كانوا هم يقيمون الدنيا ضجيجاً، حينما تأتي في خطابنا كلمة تعبّر عن قناعة إيمانية، وعن موقف مبدئي، إلا أنّه لا يتحملها أولئك، كونها تكشف هوية الكثيرين، بل لا يتحملها بعض إخوتنا كون المرحلة تفرض أن نحذف الكثير من مصطلحاتنا لأنها تزعج الآخرين
2ــ من قال أننا نرفض "التقنين" بمعنى صياغة الأحكام بشكل منظم إذا فرضت ذلك ضرورات المرحلة وحاجاتها لم يكن في خطابنا منذ صدور العريضة العلمائية وحتى الآن أيّ حديث عن إشكالية "التقنين" اقرأوا هذا الخطاب، ومشكلة هؤلاء أنهم لا يقرأون بعقولهم لقد قلنا في العريضة العلمائية:"في هذه المرحلة التي تحمل شعار الشفافية والانفتاح نجد الفرصة مناسبة جداً أن نعبر بصراحة كبيرة عن موقفنا من إقحام المجلس النيابي أو غيره في التشريع للأحوال الشخصية"
وقلنا في الكثير من الخطابات: "أننا نرفض أيّ تقنين للأحوال الشخصية من خلال المجلس النيابي" فموقفنا صريح في رفض التقنين الصادر عن أي مؤسسة وضعية، ولم نتحدث عن أصل التقنين، فالكثير من الضجيج في الصحف وفي المنتديات وقع في خلط متعمد، وحتى بعض الإسلاميين في التيار السني حدث عندهم ارتباك في فهم موقفنا، فتراهم يحشّدون أدلة على مشروعية أصل التقنين وكأننا نتحدث عن إشكالية التقنين وفي الوقت نفسه تؤكد هذه الاستشهادات التي يذكرونها على ضرورة إرتباط التقنين بالجهات الدينية المختصة وهذا يدعم الرؤية التي نطرحهافمتى كانت الضرورة تفرض التقنين فنحن:
مع تقنين يخضع تماما لإشراف فقهي نزيه، ولايمر عبر المؤسسة الوضعية إطلاقا. ونحن مع تقنين لا يعطّل صلاحية الإجتهاد في التعاطي مع الأحكام الخاضعة للتقنين، وهذا يعطي المسائل التي تحكم القاضي حركة متجددة، وهذا في صالح القضاء وفي صالح المتحاكمين
الإشكال الخامس: إن إصراركم على رفض القانون الموحد للأحوال الشخصية هو تكريس للطائفية في هذا البلد، في الوقت الذي يؤكد المشروع السيّاسي على بناء الوحدة الوطنية. ونجيب عن هذا الإشكال:
1ــإنّ موقفنا من مشروع التقنين الوضعي للأحوال الشخصية لا ينطلق أبداً من حس طائفي أو مذهبي لأن قناعتنا قد تشكّلت من مجموعة مكوّنات فقهية عامة لا تحمل أيّ صبغة مذهبية.
فكوننا نؤكد مرجعية الشريعة الإسلامية وقيمومتها على أحكام الأحوال الشخصية ليس تعبيراً طائفياً أو مذهبياً، وكوننا نرفض تدخل المؤسسة الوضعية في شأن التشريع لقضايا الأسرة ليس تعبيراً طائفياً أو مذهبيا، وكوننا نطالب بوجود ضمانة دستورية تحمي إسلامية التشريعات ليس تعبيراً طائفياً أو مذهبياً، فأين هي النزعة الطائفية والمذهبية في هذا الموقف.
2ــ ليس معنى الوحدة الوطنية أن تلغي الانتماءات الدينية والمذهبية والسياسية، وإنمايجب ألا تتحول هذه الإنتماءات إلى حالات تغذّي الخلافات والصراعات والتناقضات، فالمطالبة بقانون موّحد يعتمد رأياً لمذهب دون آخر هو تأسيس لروحية العداء والخلاف والتناقض، لأن تحميل مذهب على مذهب هو ظلم وإعتداء على حق الانتماء والاعتقاد أو طائفية جبرية على حد تعبيربعض علمائنا.. فهل من الطائفية أن أمارس عباداتي وفق مذهبي؟
وهل من الطائفية أن أمارس زواجي وطلاقي ووصيتي وميراثي وفق مذهبي؟'' وهل من الطائفية أن ألتزم بأداء خمسي، كما يوجب ذلك مذهبي؟
3ــ ولماذا لا يحارب هؤلاءالطائفية المتجذرة في أكثر من موقع وموقع في كيان هذا البلد في مؤسساته السّياسية والثقافية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية؟ ولماذا لا يتصدّوا لتلك الأقلام التي تقطر طائفية بغيضة والتي يتقمص أصحابها زوراً وبهتاناً عباءة الدفاع عن المصب الرئيسي للتاريخ الإسلامي تارة، والدفاع عن الصحابة تارة أخرى، إنه النفخ البغيض في نار الفتنة والطائفية، ولن يكتب لهذا البلد الخير والهدوء والاستقرار إلاّإذا تمّ إسكات هذه الأصوات النشاز، وكسر هذه الأقلام المسمومة والموبوءة.
الإشكال السادس: إن الرفض لقانون الأحوال الشخصية يكرّس الأوضاع المتردية التي تعيشها الأسرة ويكرّس حالة الظلم والإساءة للمرأة في مجتمعنا. ونلاحظ على هذا الإشكال:
1ــ إنَّ صدور قانون للأحوال الشخصية لن يكون العصا السحرية التي تغير كل الواقع الفاسد.
دول تملك قوانين للأحوال الشخصية وهي تعيش أسوأ الأوضاع.
2ــ الأوضاع السيئة في الأسرة وفي حياة المرأة أو في حياة الرجل راجعة إلى عدة عوامل.
الإشكال السابع: إن رفض التقنين تكريس للواقع القضائي الفاسد.
موقفنا من هذا الإشكال (تناولنا ذلك في عدة محاضرات)
الإشكال الثامن: إذا كنتم ترفضون أن يصدر البرلمان قانوناً للأحوال الشخصية حتى لو كان موافقاًلأحكام الشريعة الإسلامية فكيف تدعون إذاً إلى أسلمة القوانين، وإذا لم يبادر الإسلاميون بإصدار قانون موافق للشريعة فسوف يأتي من يصدر قانوناً مخالفاً للشريعة.
ونلاحظ على الإشكال:
1ــ إن إعطاء البرلمان صلاحية التشريع في مساحة محسومة أساساً لصالح الإسلام كما هي الأحوال الشخصية، يعرّض هذه المساحة للإبتعاد عن دائرة الأسلمة.
2ــ المساحات الأخرى التي خرجت عن دائرة الشريعة منذ تاريخ طويل هي التي يجب أن يتحرك الإسلاميون لإعادتها إلى الدائرة الإسلامية ولو عن طريق البرلمان.
قانون الأحوال الشخصية في الجمهورية الإسلامية
لقد أصبح البعض يـردد الإستشهــاد بقـانون الأحــوال الشخصيـة في إيـران، وكأنَّ هذا البعــض يريد أن يقول: إذا كانــت إيــران الإســلامية والتي تعتــبرونها نموذجكــم قد قننت الأحــوال الشــخصية، فلماذا تعارضــون صــدور قانــون للأحــوال الشخصية في البحرين؟
في لقاء صحافي مع عضوات الشورى قالت إحداهن: "ما هي الفتوى التي تسمح لإيران بإصدار قانون للأحوال الشخصية، ولا تسمح لنا في البحرين؟". هذا الكلام يتردد في الصحف، والمنتديات والمقابلات، ويقال علـى الألسـن هنا وهناك.
وتعليقنا على هذا الكلام:
أولاً: إننا نحمل كلَّ القناعة بأنّ إيران تمثل نموذجاً رائداً ومتميزاً يعبّر عن تجربة الإسلام في هذا العصر إلاّ أنّه بالطبع ليس نموذجاً معصوماً، ومواقفنا في هذا البلد إنــّما تنطلق من قناعات فقهية وموضوعية تتشكل لدينا ــ إجتهاداً أو تقليداً ــ ونجد أنفسنا ملزمين بها شرعاً، ولا تنطلق من إستنساخ لمواقف خارجية حتى لو كانت هي مواقف الدولة الإسلامية في إيران التي نحمل لها كل الحب والتقدير والثقة والاعتزاز.
ثانياً: إنَّ مشكلتنا ليست مع مبدأ "التقنين" وقد أكدّنا ذلك في خطاباتنا كثيراً ولكن البعض يصرّ على الخلط، مشكلتنا في "آلية التقنين وفـي" (ضوابط التقنين) في إيران يوجد مجموعة ضوابط لحماية التقنين:
الضابط الأول: النص الدستوري الذي يمنع أيَّ قانون يخالف الشريعة الإسلامية.
الضابط الثاني: الواضعون للقانون فقهاء متخصصون في الشريعة الإسلامية.
الضابط الثالث: الرقابة على كلِّ القوانين بما يحافظ على اسلاميتها. فأين هي الضوابط التي تحمي القانون عندنا كي لا ينحرف عن خط الشريعة الإسلامية؟
لتتوفر الضوابط والضمانات الحقيقية، عند ذلك لن نختلف في هذا الشأن، وعند ذلك لن نستكثر على أنفسنا هذا القانون، نعم يوم يحكمنا الفقه والشريعة حقيقة وواقعاً وليس إدعاءً وشكلاً فلن نستكثر على أنفسنا مثل هذا القانون، فلنعمل جميعاً على صياغة الضوابط والضمانات وعندها سيكون الموقف واحداً نسأل اللّه أن يسدد خطانا في طريق هدايته ورضاه.
(حوار حول قانون الأحوال الشخصية) ويتكون هذا الحوار من مجموعة أسـئلة وأجوبتهـا.
السؤال الأول: هل تملك الشريعة الإسلامية أحكاماً تتسع لكلِّ مساحات الحياة؟
الجواب عن هذا السؤال:
بكلِّ تأكيد أنَّ الشريعة الإسلامية وضعت أحكاماً خاصة تنظّم شؤون الحياة كلّها. إعتقادنا أنّ الإسلام نظام كامل شامل لم يترك مساحة من مساحات حياتنا إلاَّ ووضع لها أحكاماً خاصة.
1) الإسلام وضع لنا أحكاماً تنظم "عباداتنا": صلاتنا، صيامنا، حجنا.
2) الإسلام وضع لنا أحكاماً تنظم زواجنا وطلاقنا ووصايانا ومواريثنا.
3) الإسلام وضع لنا أحكاماً تنظم (علاقتنا الاجتماعية).
4) الإسلام وضع لنا أحكاماً تنظم (شؤوننا المالية والإقتصادية).
5)الإسلام وضع لنا أحكاماً تنظم (شؤوننا السياسية).
هذه مساحة الشريعة الإسلامية.
السؤال الثاني: هل استوعبت الشريعة الإسلامية كلّ الأحكام الخاصة بشؤون الأسرة؟ الجواب عن هذا السؤال:
نعم الشريعة الإسلامية استوعبت كلّ الأحكام الخاصة بشؤون الأسرة:
أــ أحكام الزواج: الخطبة، العقد، الحقوق الزوجية، النفقة، الأولاد، النشوز والشقاق بين الزوجية.
بــ أحكام الطلاق: أركان الطلاق، أنواع الطلاق، العدة، الحضانة، الرجوع.
جــ أحكام الوصايا.
دــ أحكام المواريث.
السؤال الثالث: ما حكم من يدّعي أننا في حاجة إلى (أحكام وضعية) لتنظيم حياتنا الأسرية والاجتماعية والإقتصادية والسّياسية؟
الجواب عن هذا السؤال:
الأحكام الوضعية: الأحكام التي يضعها الإنسان في مقابل الأحكام التي يضعها اللّه سبحانه وتعالى فمن يدّعي أننا في حاجة إلى الأحكام الوضعية لتنظيم حياتنا، يتهم الشريعة الإسلامية بالعجز والقصور والنقص وعدم الصلاحية لكل عصر. الإسلام يملك القدرة أن يوجه مسار الحياة بكل متغيراتها ومستجداتها بما أودعه اللّه في الشريعة من مكونات البقاء والإمتداد.
السؤال الرابع: ماذا تعني المطالبة بقانون الأحوال الشخصية أو بقانون الأسرة؟ الجواب عن هذا السؤال:
قانون الأسرة: أحكام الزواج والطلاق.
قانون الأحوال الشخصية: أحكام الزواج والطلاق والوصايا والمواريث.
فهؤلاء يطالبون أن يتدخل المجلس النيابي أو البرلمان لوضع أحكاماً تنظّم الزواج والطلاق والوصايا والمواريــث.
السؤال الخامس: ما هو موقف علماء الدين من هذه المطالبة؟
الجواب عن هذا السؤال:
لقد رفض العلماء بشدة هذه المطالبة وقد عبّروا عن موقفهم من خلال:
1ــ العريضة العلمائية.
2ــ البيان العلمائي.
3ــ الخطب والمحاضرات واللقاءات.