السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تواجه المرأة المطلقة في مجتمعاتنا تجارب قاسية، ومحناً أشدَّ من محنة طﻼقها، فأطماع الرِّجال حولها ترشُقُها بسهامِها وعيوناً ترميها بنظراتٍ تهزمُها بِلَوْمِها، تُشْعِرها بعارِها وذُلِّها ومهانَتِها، وألسنةً تقذِفُها بشَرارِها، فتَصْليها عباراتُها بكلماتٍٍ كرصاص البَنادِق تخترق قلبها، فتوقِعُها صريعةً تلفظ آخر أنْفاسِها، وآخر ما تبقّى من كرامَتِها، وحرِّيتِها، وجمالِها، وإحساسِها بإنسانيَّتها.
فهي لم تكن تعتقد بأنَّ طﻼقها أعظم من خسارة رجل، كانت تحلم بأن تعيش معه حياةً زوجيَّةً سعيدة، وأنَّها ارتكبت جريمة تُعاقِب عليها محكمة المجتمع، وعليها أن تتطهَّر منها ما تبقّى لها من سنوات عمرها، وتضمِّد جِراحٍَها فﻼ تَفْتَر تنزِفُ حتّى تَنْزِح عروقُها من دمائِها، كما تنزح البئر من مائِها، وتُلَمْلِمُ أوراق ذكرياتِها، فﻼ تستريحُ نَفْسُها من زََفَراتِِها وأوجاعها وأحزانها .
فهناك من حَكَم عليها بأن تعيش النِّهاية وتَشْهَََد غروبَها، أيّاماً تُداوِلُها كئيبة، تراودها الخواطر كأَّنها كوابيس أحﻼمٍ مزعجة، تصيبها بالقلق واﻻكتئاب النَّفسي، فتفقد نشاطَها وحيويَّتَها وطاقَتها، وتفقد مﻼمِحُها نضارتَها، وتصير شاحبةً كشحوب أوراق الخريف قبل أوان الخريف، تتوهَّم أنَّ دورة حياتِها انقَضَت أيّامُها وساعاتُها، فتظلُّ تلهث بين آمالِها وآﻻمِها، تصارع لكي تعيش فﻼ تنسلَّ روحها من ضعفها .
فماذا تقول لمحكمةٍٍ أدانَتْها، وألقت بها في زِنزانة المجتمع لتقاسي أبشع أنواع التَّعذيب النَّفسي والجسدي ﻷنَّها مطلقة ؟
ماذا تقول وﻻ تملك في جعبتها أجوبة برائتِها، فتظلُّ حبيسةً على أطراف لسانِها تمتماتٍٍ خرساء من عجزها ؟
ماذا تقول واﻷصواتُ تعلو صرخاتٍٍ بداخِلها، تثورُ على ظلمِها وجورِها لحقوقِها؟
ماذا تقول وفي كلِّ يومٍ تفقد من ذاتِها، ونفسِها، ودمِها، وروحِها، وجسمها، وهويَّتِها، وتاريخِها، وآمالِها وأحﻼمها ..؟
إنَّها ﻻ تملك إﻻّ أن تعيش معاناتها بمفردها، وﻷنَّها المرأة عليها أن ﻻ تشتكي من حياتها، وﻷنَّها الزوجة عليها أن تتحمَّل كل أخطاء زوجها وسلبيّاته، وكلَّ سَقَطاتِه وزﻻّتِه، وكلَّ تقصيره وجفائه وقسوته، وكلََّ ما تكرهه من عاداتِه وطِباعِه، وكلَّ ما يؤذيها من قهره وظلمه لحقوقها، وﻷنَّها اﻷم المربية عليها واجب التَّربية والرِّعاية ﻷطفالها، والتَّضحية ﻷجلهم براحتها وسعادتها، وﻷنَّها السَّكن عليها أن تهب لبيتها الدِّفء والحنان والمودّة والرحمة ..
وحتّى وإن حرمت من كلِّ ذلك من زوجها، أو تعبت أو انهارت أو استسلمت لضعفها وانكسارها، عليها أن تصبر وتكافح وتستمر حتى النهاية .
إنَّها بكلِّ حاﻻتها ليس من حقِّها أن تتخلّى عن واجبها ومسؤوليتها، أو تملَّ من صبرها وكفاحها، وتطلب الطﻼق، أو تكون سببًا من أسبابه، وإﻻّ سيتَّهمها أهلها وأسرتها والناس بأنَّها ظالمةٌ لزوجِها، وبأنَّها إنسانةٌ سلبيَّة، ﻻ تتحمَّل مسؤوليَّة الزواج وأعبائِه وتبِعاتِه، أو هي ﻻ تدركُ معانيه ومقاصده، أو ﻻ تحسنُ تدبير شؤون بيتها، وإدارة أسرتها وإسعاد زوجها ..
وتكثر حولها اﻹشاعات التي في أغلبها ﻻ تتعدّى أن تكون احتماﻻت وتأويﻼت تخالف الحقيقة، تسعى لتفرض الوصاية على تصرُّفاتها، أو نُدينَها ونتَّهِمَها في أخﻼقها، وشرفها، ودينها، لمجرَّد أنَّها أخطأت أو فشلت في زواجها .
مع أن الفشل في الزواج ووقوع الطﻼق ليس قرارا صادراً عن فردٍ واحد، إنَّما عن شريكين يتحمَّﻼن معاًً مسؤولية فشلهما بحياتِهما الزَّوجية، كما يتحمّﻼن أسباب انهيار عﻼقتهما معاً ً.
وبكلِّ الحاﻻت فالمرأة المطلقة تظلُّ واحدة منا، هي من بناتنا وأخواتنا وأهلنا، فواجب علينا أن نحميها، ونراعي ظروفها، ونبرِّر أخطائها، وعلينا أن نرشدها ونوجِّهها ونهديها إلى الطريق المستقيم، ونمنحها اﻷمل لتبدأ حياة جديدة، بأحﻼمها وطموحاتها وأهدافها، وتعمل على تحقيق رسالتها فتكون عنصرا فعّاﻻ تساهم في تنمية مجتمعها .
وواجب علينا كذلك أن نشعرها بأنها ليست وحدها، وليست غريبةً في أهلها ووطنها ومجتمعها، إنما كلنا بجانبها وحولها، نخدمها ونساندها وندافع عن حقوقها، ونشدُّ أزرها، ونساعدها حتى تتجاوز محنتها، ﻷننا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وﻷنَّ من قيمنا اﻹسﻼمية أن نتَّحِد وننصر بعضنا في السَّرّاء والضَّرّاء، ونوفِّر مصالح بعضنا، مصداقا لقول الحق سبحانه: (فاستبقوا الخيرات) “البقرة، 148”، وقوله سبحانهً: (وتعاونوا على البر والتقوى وﻻ تعاونوا على اﻹثم والعدوان) “المائدة، 2” .
والمرأة المطلقة تحتاج كذلك من كلِّ فرد من أفراد أسرتها وأبناء مجتمعها إلى الرحمة والشفقة مهما أخطأت أو حادت عن جادّة الطريق، تلك الرحمة التي أوصانا بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: << الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في اﻷرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله>>، وقال صلى الله عليه وسلم رحمة بالنساء لغﻼم يحدو بهن يقال له أنجشة: << رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير>> قال قتادة : يعني ضعفة النساء.
وقبل أن نتهم المرأة المطلقة علينا أن نسأل أنفسنا ماذا قدَّمنا لها لنحميها وندافع عن حقوقها؟ وماذا قدَّمنا لها لتوعيتها وإرشادها؟
ولْتكن غايتنا ليس التَّرويج للطﻼق، فهو أبغض الحﻼل عند الله، ولكنَّه الحﻼل الذي أحلَّه الله، والحلُّ الذي وضعه الشارع للرجل وللمرأة حين تستحيل العشرة بينهما .
وغايتُنا تحسين صورة المطلقة داخل المجتمع، وصرف اﻹشاعات والظُّلم عنها، حتى تستطيع أن تحيا حياةً كريمة .
وغايتُنا أن نتحمَّل مسؤولية تقصيرنا في مواجهة مشاكلنا، ونسعى لتصحيح ما نراه من أخطائنا وسلبياتنا بمجتمعاتنا، ونعمل على تغيير نظرتنا ومفاهيمنا الخاطئة، وعاداتنا وتقاليدنا وطباعِنا السَّيِّئة التي ﻻ أصل لها من شريعتنا، ونحاكم أنفسنا قبل أن نحاكم غيرنا، ونعتلي منصة القضاء ونصدر اﻷحكام من غير أدلة وﻻ شهود وﻻ دفاع .
إن المرأة المطلقة ليست إﻻ حالةً من حاﻻتٍ كثيرة، ما زالت على الرَّغم من تقدُّمنا تعاني منها المرأة داخل مجتمعاتنا، التي ما زالت تحمل مفاهيم خاطئة، وما زالت تقيِّم الحياة اﻹنسانية بعقل بشري ﻻ بشمولية اﻹسﻼم وعدله، لهذا ﻻ تقدِّر حاجات المرأة وضروراتها اﻹنسانية، وﻻ تعترف بكيانها وحريتها وكرامتها واستقﻼلها وﻻ بحقوقها التي كفلها الشارع لها .
ولهذا نحتاج لنعيد فهمنا لنظرة اﻹسﻼم للمرأة ولمكانتها داخل المنظومة اﻻجتماعية، وكنواة داخل أسرتها، وﻷدوارها ووظائفها، كما نحتاج لتصحيح نظرتنا للطﻼق ولماذا أحلّه الله، حتّى نقدر أن نعالج الكثير من قضايا المرأة ومشاكلها، لنؤهِّلها لتكون مربية اﻷجيال القادمة التي ستبني وتحقق اﻻزدهار والتقدم ﻷمتنا .
فما رئيكم اخواني واخواتي في الموضوع ؟؟
تقبلوا تحياتي
الماسه