عرض مشاركة واحدة
  #13  
قديم 07-08-2010, 12:19 AM
ابو مسلم العجمي ابو مسلم العجمي غير متواجد حالياً
Banned
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: جزيرة العرب
المشاركات: 72

بسم الله الرحمن الرحيم

( الحلقة السابعة)

بعد الخروج المؤلم من البوسنة , ولا أريد أن يعتبر البعض وصفي هذا هو عبارة عن حالة فشل تام أصاب الوضع هناك فهذا سيعتبر تحريفاً لحقيقة النتائج التي سجلها المجاهدون العرب أو حتى النتائج التي سجلها المسلمون عموماً في قضية إيجاد دولة مسلمة هناك تكون تحت إدارتهم وإن لم تكن بالشكل المطلوب , وهنا أوضح أن بعض من الناس أخذوا يمارسون المزايدة حول حقيقة ونتائج الجهاد في البوسنة , هؤلاء المتتبع لحقيقتهم يجد أنهم ليس لهم أثر من جهاد أو دعم هناك ولكن العجز الذي أصاب أدمغتهم والفشل الواضح في حقيقتهم وحتى ليغطوا فشلهم بدئوا يمارسون هذه المزايدات التي طالما سمعناها فإن كانوا سيحققون الكمال ويريدون أن يقيموا دولة عمر بن الخطاب فنقول لهم هلمّوا فساحات الوغى بانتظاركم ودونكم السلاح والسنان الرماح وصهوات الجياد التي ملت وهي تنتظركم بينما كنتم تنعمون بين الأهل والأحباب واضعين رجلاًُ على رجل تجرحون بهذا وتخطئون بهذا ولم تعرف عتبات الجهاد وطئاً لأقدامكم .

أقول إنه بعد هذا الخروج كان الألم على المفاجئة في عدم أكمال ما ابتدأه المجاهدون في ذلك الصيف وحسرة عن توقف القتال حين كان النصر مشارفاً على الأبواب ولكن هو أمر الله والله يتم حكمته كيف يشاء , وحسرة وألماً على قتل إخواننا غيلةً دون أن يكون هناك رداً معتبراً لتلك الدماء الطاهرة الزكية التي أزهقها أعدائها غيلة حينما لم يستطيعوا أن يواجهوهم مواجهة الرجال ولكن علم الله خاتمة الأمر في البوسنة فأراد أن يختم لهم بالشهادة وأن يرزقهم الأجر العظيم على ما قدموا وبذلوا , وقد يستغرب البعض حينما مررت سريعاً على تلك المعارك التاريخية دون المرور على تفاصيلها المليئة بالأحداث ولكن السبب في ذلك يعلم الله أنني امتلأت بالغصة وما عدت أطيق حملاً لقلمي لأسترسل في الكتابة حينما عادت ذاكرتي إلى تلك الأيام فهذا ليس بالشيء اليسير بالنسبة لي , وقد لا تشعرون بذلك الألم الذي أشعر به وذلك الحنين ولكني أترك لكم أن تشاهدوا تصوير تلك المعارك وسترون فيها ما يغني عن كتابتي وعندها ستعلمون لما لم يستطع قلمي الآن الكتابة عنها وستجدون العذر لي إن شاء الله .

في تلك الفترة الزمنية كانت رحى المعارك دائرة في الشيشان وكان رأي بعض الإخوة التوجه إلى هناك وكنت من أكثر الشباب تحمساً بعد أن علمت بوجود أخي الحبيب خطاب هناك وبدوره في قيادة العمليات العسكرية هناك , فتم الاستعداد لذلك وقمت بإجراء بعض الاتصالات تمكنت من خلالها إيجاد الوسيلة المناسبة للذهاب إلى أذربيجان فاستعنت بالله وتوجهت إلى إحدى الدول حتى أتوجه من هناك إلى أذربيجان , وأثناء تواجدي في هذه الدولة اتصلت بأحد الإخوة والذي فاجأني بسؤاله لي إن كان لدي أخبار عن أبو الزبير الكابلي فأخبرته أنني لا أعرف أي شيء عنه عندها قال لي اصبر واحتسب , ولا أخفي حينها أن كلامه قد أرابني لما يحتويه من دلالات فاستوضحته عن الأمر فأخبرني أن أخي أبو الزبير قد قتل في معركة كزلار الشهيره حينها وكان ذلك في منتصف رمضان تقريباً وقتل معه بعض الإخوة في تلك العملية , ولا أخفي صراحة أنه جن جنوني لحظتها فلم أصدق ما قاله لي كوني تركت أبا الزبير عائداً لأهله على أمل اللحاق بي ولمعرفتي بأن الشخص الذي يحدثني من أبعد الناس مزاحاً في مثل هذه الأشياء , فاستحلفته بالله إن كان جاداً في كلامه فأكد لي أن الأمر جد لا هزل فيه , فو الله لقد بكيت بكاءً ما بكيته على فقد عزيز قبل ذلك ولا بعده حتى الآن ولكن قال تعالى ( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ )(لقمان: من الآية34) , فرحمك الله يا أبو الزبير لقد اجتمعنا على محبة الله وافترقنا على محبته وأسأله سبحانه أن يجمعني بك في جنات النعيم .

بعدها توجهت إلى باكو عاصمة أذربيجان واستقبلني أحد الأشخاص وكان مسئولا عن مضافة ( دار السلام ) ويدعى ( أبو الحسن الجزائري – والذي اكتشفنا فيما بعد أنه نجح في اختراق المجاهدين وكان يعمل لصالح المخابرات الروسية ) , وهناك في المضافة وجدتها قد امتلأت بالإخوة وأذكر منهم أخي الحبيب سواد المدني الذي كان معي في البوسنة رحمه الله والذي قتل في أفغانستان , وأخي عبد الواحد , عبد الهادي القحطاني والذي كان مطلوباً من قبل الأنتربول بعد الصور التي اشتهرت له في البوسنة وهو يحمل في يديه بعض الرؤوس المقطوعة لجنود صرب وقتل في أفغانستان أثناء الهجوم الأمريكي على طالبان ) , فظللنا يومين نستعد حيث أخبرنا أبو الحسن الجزائري أننا بعد يومين سنتحرك متوجهين إلى الشيشان , وفي اليوم الموعود كنا خمسة وثلاثين شخصاً من المقاتلين العرب وركبنا أحد الباصات متوجهين إلى شمال أذربيجان حتى من هناك نعبر الحدود باتجاه جورجيا ومن ثم إلى الشيشان , وأثناء تحركنا باتجاه الشمال تفاجئنا بأن أوقفتنا سيارات الشرطة الأذربيجانية ثم قاموا باعتقالنا جميعاً وأخذونا إلى مركز الشرطة وهناك كانت المخابرات بانتظارنا وأخبرونا بكل وضوح أنهم يعلمون أننا ذاهبون إلى الشيشان , فنفينا هذا الشيء وأصرينا على أننا جئنا للسياحة ولكن المسألة بالنسبة لهم كانت محسومة تماماً مما يدل على أن لديهم معلومات مسبقة عن تحركنا ولكنهم لم يحبذوا فكرة بقائنا في السجن وذلك لاعتبارات سياسية معينة كانت تتخذها أذربيجان إزاء الحرب الدائرة في الشيشان , فأخبرونا أنهم لم يبقونا في السجن ولكنهم لن يبقونا في البلد أيضاً وطلبوا من كل شخص أن يختار بلداً معيناً حتى يرتبوا له سفره إلى ذلك البلد , عندها اضطررنا للمغادرة إلى بلدان مختلفة وكنت أنا ممن غادر إلى تركيا , واضطررنا للبقاء هناك فترة من الزمن نحاول فيها العودة مرة أخرى إلى أذربيجان أو إلى أي مكان آخر يسهل منه الدخول للشيشان .

كانت فترة الانتظار في تركيا صعبة جداً فقد امتدت إلى شهرين تقريباً لأن البلد يكثر فيه العري والفساد ولذلك كنا غالباً ما نلزم البيت ولا نخرج إلا للضرورة وأحياناً نخرج إلى بعض الأماكن في أوقات تقل فيها الحركة حتى نجد قسطاً من الراحة تنفيساً عن الضغط الذي نعيشه , وفي هذه الفترة استطعنا العودة مرة أخرى إلى أذربيجان ولكن للأسف كانت الطرق إلى الشيشان مغلقة فقد كثفت القوات الروسية من حملاتها العسكرية على النقاط الحدودية , فاضطر الإخوة هناك لإيقاف الدخول حرصاً على سلامة الأخوة , فبقينا في أذربيجان لمدة ستة أشهر ونحن في حالة انتظارٍ رهيب وممل حيث لم يكن الأمر بالسهل أن تبقى حبيس البيت لا تخرج منه إلا في حالات نادرة جداً وقليلة وذلك للظروف الأمنية وتجنباً للوقوع في يد الشرطة أو المخابرات الأذربيجانية , وكنا ما يقارب العشرين شخص نقضي وقتنا في الدروس الشرعية والعسكرية وكل ما فيه فائدة للشباب , وقد مل الكثير من الشباب ولم يتحملوا طول الانتظار فاضطروا للمغادرة وهم والله معذورون في ذلك ولكن الأمر بالنسبة لهم كان أكبر من أن يحتمل فالواحد منهم معلق على أمل الدخول لا يعلم متى يتحقق ذلك فصبروا قد طاقتهم أسال الله سبحانه وتعالى أن يبلغهم من الأجر مثل أجر من كان داخل الشيشان , وكما قال صلى الله عليه وسلم " إن بالمدينة أقوام ما قطعتم وادياً ولا سلكتم شعباً إلا شاركوكم الأجر " وذلك عندما حبسهم العذر .

وأذكر من الإخوة الذين قضيت معهم أياماً جميلة ورائعة أخي الحبيب الفاضل ( سيف الأمة الغامدي – سليمان الغامدي ) وهو من الإخوة الرجال الأفذاذ الذين سطروا أروع التضحيات والبطولات في تاريخ الجهاد الحديث , حيث كان من قدامى المقاتلين في أفغانستان حيث ذهب إلى هناك عام 1987م وكان صديقاً مقرباً من خطاب رحمه الله , وبقي حتى تحرير أفغانستان وبعدها توجه إلى طاجيكستان وقاتل في منطقة بدخشان مع القائد يعقوب البحر رحمه الله , ثم بعد طاجيكستان توجه إلى البوسنة وكان ضمن مجموعة الزبير وقد أبلى بلاءً حسناً فقد كان رجلاً ذو همة وذا عزيمة يحترق قلبه ألماً وحسرة على واقع الأمة وما تعانيه من ويلات , وهناك في البوسنة توثقت علاقتي به وازدادت مع الأيام ثم في أذربيجان كنا أنا وهو أكثر قرباً إلى بعضنا حيث أنه بعد أن غادرت أنا أذربيجان يسر الله له الدخول إلى الشيشان وبقي فيها وتزوج هناك وأنجب ولدين ولم يخرج منها إلا بعد الانسحاب الكبير للمقاتلين من قروزني بالحرب الشيشانية الثانية فاضطر للخروج مع عائلته من هناك مع من خرج من المقاتلين , وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق ذهب إلى هناك بعد أن أرسل عائلته إلى الشيشان واستشهد في العراق , ولم يكن أحد ممن حوله يعرفه أو يعرف عنه شيئاً ولم يكن يخبرهم عن نفسه بشيء , حقاً والله لقد خسرت الأمة سيف الأمة جمعنا الله وإياه في جنات النعيم , فكثير أمثاله طواهم الزمن ولم يعرفهم أحد أرادوا أن يعيشوا في الظل ويموتوا في الظل راجين من الله القبول , وأذكر أيضاً أخي الحبيب ( أبو حمزة القطري – واسمه إبراهيم وهو من شرق بلاد الحرمين ) رجل كبير السن والقدر كثير الصمت حوا الحكمة والحلم , قلة هم الذين فهموا الجهاد كما يفهمه , لم يكن الجهاد بالنسبة إليه فريضة تؤدى في الإجازة الصيفية أو حسب الظروف بل كان كل عرق فيه ينبض بالجهاد فغادر إلى أفغانستان في بدايات الجهاد الأفغاني وكان من المقربين من الشيخ عبد الله عزام رحمه الله , لم يكن يوماً يعمل اعتباراً للمنصب أو المكانة بل كانت البساطة والتواضع أصلاً فيه لا يتصنعه , وحين لم يستطع الدخول للشيشان عاد إلى أفغانستان بعد أن تزوج امرأة داغستانية من عوائل المجاهدين هناك , وفي أفغانستان حيث الموطن الذي أحب وعاش لسنوات طوال وشهد جل معارك الجهاد الأفغاني استقر في قندهار حيث مقر الشيخ أسامة ولازمه هناك حيث أصبح المسئول المالي في القاعدة , ولكنك عندما تنظر إليه وإلى رثاثة ملابسه تعلم أنه طلق الدنيا ثلاثاً , وقد قتل رحمه الله أثناء الهجوم الأمريكي على أفغانستان حيث ذكر لي أحد الإخوة أنه أثناء سيرهم بالسيارة قصفتهم إحدى الطائرات الأمريكية فأصابت جانباً من السيارة وبعد أن انجلى الغبار كان أبو حمزة ساجداً فظننته سجود شكر على سلامة الإخوة ولكنه طال السجود وناديته حتى يستعجل ولكنه لم يرد فذهبت إليه فوجدته ميتاً ساجداً وقد عفر وجهه الدم , فرحمه الله ما أكرم ما مني به أن ختم حياته سجوداً لله وهكذا والله تطلب المنايا .

بعد أن طالت فترة انتظارنا في أذربيجان دون أمل أكيد في الدخول إضافة إلى المخاطر الأمنية التي واجهناها هناك قررت الخروج من أذربيجان على أمل العودة متى كان الطريق مفتوحاً بشكل أكيد فغادرت أذربيجان متوجهاً إلى إحدى الدول للاستقرار فيها وبعد أن استقريت حصلت اتفاقية وقف إطلاق النار وخروج القوات الروسية من الشيشان وهنا انتهت الحرب الشيشانية .

في الفترة التي خرجت فيها من أذربيجان كانت طالبان قد بدأت في عمليات اجتياح واسعة لأفغانستان وسيطرت على الكثير من المناطق ولم تكن المسألة واضحة في بداياتها عن حقيقة الحركة , هذا ما دفعني وغيري للتريث قليلاً قبل التوجه إلى هناك , وبعد فترة من الزمن كان قد تبين المنهج الذي تسير عليه طالبان وحقيقة أمرهم ولكن للأسف منعتني بعض الظروف من الذهاب إلى أفغانستان فاضطررت لتأجيل الأمر حتى حانت الفرصة وفي عام 1999م توجهت إلى أفغانستان حيث سافرت إلى مدينة كويتا في باكستان ومن هناك عبرت الحدود متجهاً إلى قندهار , وكانت هذه بالنسبة لي عودة إلى أرض ذات تاريخ عريق أحببتها لما سطر فيها من بطولات ولتلك الأوقات الجملية التي قضيتها في أفغانستان منذ سنوات وبعد وصولي إلى قندهار حسب الترتيب المعد مسبقاً توجهت إلى المضافة ( بيت الرمان ) وهي مضافة خاصة لاستقبال المقاتلين , بقيت فيها لأيام ثم استقليت طائرة من مطار قندهار متوجهاً إلى كابل , وفي كابل توجهت إلى مضافة ( خان غلام بتشا ) وهي المضافة الرئيسة للمقاتلين العرب في كابل , في هذه المضافة رأيت الكثير من الشباب من مختلف أنحاء البلاد الذين جاءوا لنصرة طالبان , ومن الجميل في الأمر أنني التقيت ببعض الشباب الذين كانوا معي في البوسنة وفي أذربيجان وبعضهم ممن تعرفت عليهم قبل سنوات في بيت الشهداء في بيشاور فأحسست أن الزمان دار دورته وأعادنا مرة أخرى وكأننا أسرة واحدة مقدر لنا أن نلتقي بعد حين كلما افترقنا .

بعد أيام من الاستراحة في المضافة توجهت إلى خط الجبهة القتالي في شمال كابل حيث الخط الذي فيه المقاتلين العرب وحقيقة أثناء سيرنا بعتادنا وسلاحنا ونحن نجلس في تلك السيارات المعروفة باسم البيك آب وهي مشهورة منذ سنوات الجهاد الأفغاني الأول , أقول كنت أستشعر أثناء ركوبي فيها ذلك الرعيل الأول الذي سبقنا لهذه الأرض وامتزجوا مع أهلها وقدموا من التضحيات الشيء الكثير حتى زرعوا الحب للعرب في قلوب الأفغان , كانت بداية وصولنا إلى الخط الأول إلى ( مركز مالك ) وهو مركز خلفي لجبل صابر الذي يتخندق فيه المقاتلين العرب وهذا الجبل ذو أهميه عسكرية واستراتيجيه فالذي يسيطر على الجبل يستطيع السيطرة على كابل , فلصعوبة هذا الأمر وحساسيته أُوكلت مهمة حماية الجبل إلى المقاتلين العرب لما عرف عنهم من استبسال وشجاعة في القتال , وبعد أن وصلنا إلى مركز مالك وهو عبارة عن قلعة صغيره مبنية من الطين منذ عشرات السنين وفيها عدد من الغرف , فبقينا فيها ليومين حتى يحين موعد توجهنا للجبل , وأثناء هذه الفترة تعرفت على أخي الفاضل وهو أبو فيصل التونسي رجل رغم كبر سنه إلا أنه استجاب لأمر النفير إلى الله , فمثله وتقديراً لسنه يحق له أن يخدمه من هو أصغر منه , إلا أنه كان الخادم لإخوانه , يخدم الصغير والكبير بلا استثناء , متحبباً ومتودداً إليهم , متميزاً بخلقه الرفيع ( وقد قتل فيما بعد أثناء الانسحاب من مدينة شريكار وسيأتي ذكرها في حينها إن شاء الله ).

بعد يوم توجهنا إلى جبل صابر الذي كان يبعد كيلوين تقريباً عن جبل صابر , وجبل صابر جبل مرتفع ولكنه ليس بالجبل الشاهق بارتفاعه ولكنه كما أشرت سابقاً هو ذو أهمية استراتيجيه عسكرية , وبدأنا بصعود الجبل وأثناء الصعود لفت انتباهي ما كتبه أحد هؤلاء الإخوة بالخط العريض قائلاً ( ومن يتهيب صعود الجبال يعيش أبداً بين الحفر ) , فكان كل من يقرأها أثناء صعوده يزداد همة ونشاطاً فهذه الكلمات ترفع المعنويات وتعلن التحدي لأن الجبال لا يقارعها إلا الجبال , وعند وصولنا إلى قمة الجبل توجهنا مباشرة إلى الخندق الرئيسي المواجه للعدو ويسمى بخندق البارود وسمي بذلك على أحد الإخوة الذين قتلوا هناك وهو ( البارود – نايف الفوزان ) من بلاد الحرمين , وكان للجبل أيضاً مجموعة من الخنادق أذكرها بالتسلسل تبدأ بالبارود ثم خندق العيادة وبعده بمسافة خندق عبد الملك ثم تأتي بعده منطقة السرج وهي منطقة منخفضة بين تبتين , ثم يأتي بعد ذلك خندق عزام .

بدت لحظاتي الأولى رائعه جداً حيث التقيت في خندق البارود ببضع إخوة الذين التقيت بهم سابقاً في البوسنة أو في أذربيجان وهذا ألغى عني تلك الوحشة التي يمكن أن يشعر بها أي إنسان في المكان الذي يأتي إليه جديد , وسهل لي مسألة التواصل والتعرف على الآخرين من الإخوة المتواجدين على الجبل .
مع تتالي الأيام ازدادت علاقتي توطداً مع بعض الإخوة وأخص هنا أخي وحبيبي عمر سيف الذي احتل في نفسي مكانة لا يضاهيه فيها إلا أخي الحبيب أبو الزبير الحائري رحمه الله وعمر سيف وهو فلسطيني الأصل أردني الجنسية يزيده فخراً أنه من أبناء غزة , هذا البطل الشجاع الذي طالما أذهل الإخوة في أفغانستان بشجاعته المفرطة وببسالته , رجل طيب القلب رقيق النفس لا يحمل الضغينة لأحد ولا يقبل على نفسه الظلم لأحد صاحب ورع ودين محب لإخوانه , كان بطل الأردن في رياضة ( الكيك بوكسنج ) والثاني على العرب , وجاء إلى أفغانستان عام 1994م وهو ابن 18 عاماً والتحق بالحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار وتدرب قبل ذلك في معسكر ( خلدن ) في خوست ثم أكمل تدريبه مع الحزب الإسلامي على يد أبو معاذ الخوستي رحمه الله فكان مجتهداً مثابراً حتى رشحه الأخوة للتدرب على قيادة المروحية الروسية المقاتلة لما رأوا فيه من نجابة وهمة ومثابرة , وقد قتل رحمه الله في الانسحاب الثاني من عملية ( شريكار ) أثناء تأمره على مجموعة من الشباب مهمتهم تأمين انسحاب المجموعات وسيأتي ذكر ذلك في حينها , فرحمه الله رحمة واسعه وأسكنه الفردوس الأعلى , وأذكر أيضاً أخي الحبيب أبو القعقاع التبوكي شاب من اليمن من أرض الحكمة والإيمان التي خرّجت رجالاً سطروا أروع البطولات والتضحيات لأجل هذا الدين , كان زيدي المذهب في الأصل لكنه عرف الحق فاتّبعه وسمع بالجهاد فانطلق إليه , جاء إلى أفغانستان شاباً صغيراً يافعاً لم يتجاوز السابعة عشر من عمره وبقي فيها أربعة سنوات متواصلة إلى أن قتل رحمه الله في قلعة جانجي الشهيرة أثناء الملحمة الدامية التي دارت هناك , كان على صغر سنه كثير الوعي سديد الرأي فيه من الحكمة وحسن التصرف وكأنه رجل خط الشيب في شاربه امتاز بالمرح وإدخال السرور على قلوب إخوانه صاحب فكاهة فطرية غير متكلفة و صاحب غيرة على الدين فقد سألته يوماً ألا تعود لليمن لزيارة أهلك ثم ترجع إلى أفغانستان فقال هل استقر حال الأمة لأعود لأهلي وأبشرهم بذلك ثم وهل تضمن لي ألا أموت حتى أعود إلى أرض الجهاد , فلله درها بلاد اليمن التي تنجب أمثال أبو القعقاع ويا هنائها بهم .
وللحديث بقية

رد مع اقتباس