:
(4)
صيف 2006 م
سافرنا جميعا ً – مع جداك وأعمامك – برا ً برحلة عائلية إلى المملكة العربية السعودية ..
إبتدأنا الرحلة بالإحساء التي قضينا فيها ما يقارب الأربعة أيام التي إستمتعت بها مع أخوال أبيك وأبناءهم .. سعدت ببساطة عيشهم وفطرتهم النقية ..
بعدها مررنا بـ الرياض .. تلك العاصمة المثيرة لنتوجه بعدها إلى مكة ..
عبدالله .. لك أن تتخيل سعادتي وأنا أراك بلبس الإحرام ..
آهـ و ألـف آهـ مقرونة بـ " فديت قلبك " ..
تلك الآهـ لم تكن إلا زفرة من حب نابعة من قلب أنت ثمرته ..
أراك تردد " لبيت اللهم لبيت " فـ أضحك .. ويبدأ أبيك بتصحيح غلطتك العفوية ..
لم تتوقف قبلاتي ولا أحضاني لك وطوال رحلتي و أنا أدعو الله برجاء ٍ عميق أن يحفظك لي و لـ أبيك ويقر أعيينا بك ..
دخلنا الحرم فلم يرد أباك أن يلحقك تعب .. فـ وضعك على كتفيه و حملك طوال طوافنا حول الكعبة الشريفة ..
جمال صورتك بإحرامك الأبيض كان ناشرا ً لـ إبتسامات الحبور لكل من حولنا من المعتمرين..
كنت أوّجه كلماتي لـ أبيك " جعل ربي يذوّقك برّه " ..
لـ يرد " آمين و آجمعين يارب العالمين " ..
بعدها زرنا الطيبة .. مدينة الرسول – صلى الله عليه و سلم – لنحكي لك مختصر قصة الهجرة لها بشكل يستوعبه عقلك ولتبدأ إستفساراتك البسيطة حولها ..
في تلك الرحلة إصطحبتك إلى السوق كي تشتري هدايا العمرة لـ جدك وأخوالك ..
لـ تفاجأني دقة ملاحظتك لـ " مسباح " جدك ..
" يمه بأشتري لجدي أصفر هو يحب الأصفر .. بس أنا أخاف أمسكه يكهربني .. جدي يقول هذا كهرب " ..
أضحكتني جملتك وبدأت أفهمك أن أساس تلك الأحجار في المسبحة مادة صمغية تنتجها الأشجار لتتحجر بمرور الوقت وتصبح أحجار .. لذلك لا يعني أنها ستصعق حاملها بشحنات كهربائية .. والكهرب تسمية عامة لحجر الكهرمان ..
:
بعد عودتنا لـ الكويت فاجئنا عمك بو فيصل بحجز شاليه بـ بنيدر ..
إستمتعت َ و أبيك بركوب " الجت سكي " رغم خوفي الشديد عليك حتى وأنا أراك بين يديه ومرتديا ً لـ " الطفاحية الجاكيت " ..
وشارفت العطلة على الإنتهاء ولتبدأ تحضيراتنا لـ المدارس و لـ تستقبلنا الأسواق لـ شراء الحاجيات و المستلزمات المدرسية ..
تم تسجيلك بالمدرسة الإبتدائية القريبة من بيتنا .. إلا أنني لا أدعك تذهب مشيا ً لها رغم قرب المسافة ..
فخوفي عليك من قائدي [ الصواريخ الأرضية ] كان مبالغا ً فيه وأنا أعلم بذلك ..
ولكن يا حبيبي عبدالله .. " عيني شابت " حتى رأت محياك .. ولست مستعدة لـ فقدك بسبب مشوار ٍ مدرسي ..
كنت طالبا ً نجيبا ً .. تحبك أبلة هناء مدرسة الرياضيات .. وتعشق سماع ترتيلك لـ السور القصيرة من الكتاب الحكيم أبلة جوزا مدرسة التربية الإسلامية والتي أجرت عدة إتصالات ٍ معي .. تحثني فيها على الموافقة على إنضمامك لـ النادي الإسلامي الذي تشرف عليه إحدى اللجان الخيرية ..
إلا أنني رفــضــت .. فلا تزال صغيرا ً حتى أتركك وحدك لتذهب وتقضي عصر كل يوم ٍ فيه..
لكني وعدتها بـ إستثمار ملكة الحفظ عندك و قدرتك على إستيعاب الحروف ومخارجها الصحيحة بتحفيظك كتاب الله من خلال الشيخ حمزة الأفغاني الذي كان يحفظ خالك عبدالعزيز في بيتنا .. وفعلا ً هذا ما حدث ..
:
مرت أيام الدراسة الروتينية إلا أن حياتنا تغيرت بعد العاشر من ديسمبر ذلك العام ..
فقد تعب جدك لـ أبيك .. مما أضطر ذلك لـ بقاؤه في المستشفى دون تحسن ملحوظ ٍ يذكر ..
بسبب إنسداد بعض الشرايين و إرتفاع بالدهون الثلاثية وخصوصا ً الكلسترول " سلال القلب " على حد قول جدتك ..
فـ جدك من عشاق " السمن " أو الدهن العداني .. فلا يطيب له مذاق ولا يستمتع بـ أي لقمة دونه ..
حتى عندما " يتقهوى " عصر كل يوم لا بد أن يغطي " السمن " تمره الذي " يقدع " منه ..
حاول أعمامك تسفيره لـ الخارج .. ولكن نصيحة أكثر من طبيب ٍ يثقون بـ آراءهم جعلهم يتراجعون عن ذلك القرار الذي لن يجدي نفعا ً ..
تــَحسن جدك وغادر المستشفى إلا أنه يعود له بين فترة و أخرى رغم حرص أعمامك الشديد عليه ..
وحزنهم على عدم تلبية طلب أبيهم لـ " مشهاة خاطره " .. رغم أن قرارهم ينصب في صالحه..
:
أقبل الربيع و إستقبلنا عطلته بـ " مكشات " إلى الصمان بالقرب من إبل جدك الذي كانت صحته تتحسن بمجرد تواجده بـ تلك " القاع " ورؤية إبله ..
كنت تقلده في " تهيجنه " وطريقته في الجلوس والكلام وحتى في أكلك " الجمرية " رغم علمي بـ أنك لا تستسيغها ..
كل ما كنت تفعله جعل لك تميّز وغلا خاص في قلب جدك ..
كانت رحلة ممتعة و قررنا إعادتها في عطلتيّ اليوم الوطني و يوم التحرير ..
و فعلا ً أعدناها يا عبدالله .. إلا أنك لم تكن معنا هذه المرة..
فقد كانت الأرض حضنا ً لك .. لـ أحضن أنا نفسي بعد خوائها بـ فقدك ..
9 \ 2 \ 2007 م
كان جدك يرقد في المستشفى فـ ذهب أبيك مصطحبك معه له لـ تزوراه بعد صلاة الجمعة..
وبعد أن أعددت فطوركما المفضل لـ يوم الجمعة ..
لبست ثوبك الذي بخرته لك و طيبتك بدهن العود الذي تحب لتغادر مع أبيك بعد أن لثمتك وشددتك نحوي بقوّة أكثر من عادتي ..
ولم تمض ِ ساعتين حتى دخل أبيك علينا في " دار القعدة اليومية " فـ أقف لمنظره ..
فـ لأول مرة يدخل دون أن " يتنحنح " و يقف وكأنه يبحث عن شيء ٍ لـ يجده عندما وقعت عيناه في عيناي ..
ولـ أول مرة أيضا ً يعود دون " غترته " التي عادة ما يضعها على كتفه إن لم تكن على رأسه..
تقدم لي وسط تصلبي لـ منظره وصمت من حولي الذين انسحبوا بهدوء دون أن أشعر بهم لـ نكون أنا وهو و جدتك ..
وجدته يحضنني ويدفن رأسي في صدره بـ إحتواء غريب خنقني لـ أحاول تخليص نفسي منه مع يقيني بـ أن هناك أمرا ً ما حدث وأجد ظنوني إتجهت لـ عمي ( جدك ) الذي كان يرقد في المستشفى ..
لـ أفاجأ بوجود إخواني – خوالك – خلف أبيك .. لـ أصيح باكية " أبوي.. أبوي.. أبوي شفيه.. محمد تكفى ياختك أبوي شفيه.. " ..
لـ أجد والدك يحضنني بقوة حانية مرة أخرى وهو يهمس بصوت ٍ مرتجف في إذني " إنا لله وإنا إليه راجعون " ..
لـ أسقط دون أن أفقد وعييّ ولكن هوّل صدمتي بيقين الموت سحبت قواي وأسكنت عيناي التي أسقطت دموعا ً متتابعة دون أن أنطق حرفا ً ..
إلا أنني سمعته .. سمعت صوت " تنحناح " أبي ليدخل المكان .. لـ أنهض وأحاول شق صفوف أخواني و أبيك لـ أستكين في حضنه و صوتي مختنقا ً بعبراتي " يبه .. اسم الله عليك "..
لـ يحتضنني " الحمدلله يابوج .. طير في الجنة
لـ أبعد نفسي عنه بقوة مستدركة " عبود وين ؟! عبود وين ؟! " .. توجهت لـ أبيك " ولدي وينه.. طلع معاك الصبح .. وين عبود" ..
لـ يشدني نحوّه وأنا أصرخ بهستيرية محاولة طرد أفكاري التي بدأت توّضح لي فكره واحدة ..
[ ضناي عبدالله مات ]
" إذكري الله " .. " تعوذي من الشيطان " .. " اللهم آجرني في مصيبتي وآخلفني خيراً منها" ..
جمل ٌ تــُردد على ألسنة من حولي .. الذين طلبوا مني ترديدها إلا أن لساني لم ينطق إلا بـ "يــارب" ..
:
طوال أيام العزاء كنت ساكنة بـفعل إبر التهدئة .. ولكني خلالها وبمجرد مرور ليلتي الأولى بدونك .. أيــقــنــت رحــيــلــك ..
فـ خواء صدري و فراغ روحي جعل رحيلك واقع يقيني لابد من معايشته ..
لم تخل ُ أيه سجدة سجدتها لـ ربي من " اللهم آجرني في مصيبتي وآخلفني خيرا ً منها " و " الحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه " ..
عبدالله .. بعد إنقضاء أيام العزاء التي عكست لنا حب أهلنا و الجيران والأصدقاء " لا أذاقهم الله غلا غالي " بدأت مرحلتي الصعبة مع أبيك الذي لم يعد يفارق دارك إلا وقت الصلاة رغم أنني أستمد قوتي من ضعفه ..
فلا أريد أن أنهار ومازلت متمسكة برحمة العزيز الحكيم الذي قدّر لنا أمرنا الذي يقينا ً فيه الخير لنا ..
فهذا مصاب وإبتلاء .. فـ عسانا أن نكون من الصابرين الشاكرين ..
:
حبيبي الغالي .. ليس لـ آلام فقدك وحزننا برحيلك وغصات الحنين داخلنا شبيه .. إلا أن سلوى المؤمن ذكر إبتلاء إخوانه فـ يحمد الله على مصابه و رحمته بنا ..
بعد إنقضاء أسبوع بدأ أبيك بالعودة إلى رتم الحياة الطبيعية رغم الحزن الذي كسا ملامحه و عقله الذي دائما ً ما يكون سارحا ً وأكاد أجزم أن كل خلية به تستوطنها أنـــــت وحـــدك ..
وإلى ذلك اليوم لم أكن أعلم تفاصيل رحيلك ودقائقك الأخيرة على الأرض قبل أن يحتضنك باطنها ..
لـ يخبرني والدك .. في الليلة العاشرة من رحيلك .. قصة وداعــــك ..
" طلعنا من المسيّد بعد الصلاة .. لبسته جوتيــّه .. وعبود مسكني والله إني لهالحين أحس بملمس أصابعه في كفي.. وعادنا عند باب سور ساحة المسيّد .. إلا أبو سعد يوقفني ينشدني من أبوي وبنفس اللحظة اللي ترك عبود إيدي وركض سمعت صوت بــريــك قويّ .. والله إنها ثواني والله إنها ثواني ..
إلتفت ولا عاد شفت إلا عبدالله طايح على القار .. آآآآآآهــ "
لتسقط دمعة من والدك وهو ينفث زفرات أحرقت صدره الذي حبس نيران فراقك ..
" بس تكفى خلاص .. ياربي يا حبيبي .. ياربي واجرنا يا ربي عوضنا بالصبر والجبر " ..
:
نظر عيني .. صغيري وحبيبي .. عبدالله ..
مازلت أشعر بدفئ أنفاسك وليونة جسمك وسكينة جسدك و بقرب روحك مني ..
وفي كل صباح أشعر بـ أن بقايا شذى قبلاتك المسائية توّرد خدي و تبثُ الهدوء بـ ملامحي ..
ولا يزال والدك يفز من نومه لـ يطمئن عليك وكـ أنك لا تزال ترقد في فراشك ..
فـ شعورنا بـ خلود وجودك بيننا أمر أستقر في أرواحنا لا يمكننا نبذه أو تغييره ..
ومن ذا الذي يلومنا وأنت عصفور الفؤاد وثمرة القلب وفلذة الكبد وحلم السنين التي خوّت بعد رحيل الروح .. لتنعم الأرض وباطنها بجسدك اللين ..
فـ هنيئا ً لها بحضنك ..
:
عبدالله حبيبي .. في التاسع من سبتمبر 2009م إستقبلنا أختك "ساره" ..
رائعة مثلك تماما ً .. شبيهة لك ولـ أبيك ..
لها حب ٌ و ود ٌ كبير وغلا خاص أستمدته من مكان ٍ كان هو مسكنك الأول .. فكل قبلاتي لها موصولة بك ..
والحمدلله الذي إحتوانا بمستقر رحمته وجعل لنا أمل اللقاء بدار البقاء ..
عبدالله .. إشتقت لـ أنفاسك و أحضانك و لـ دفئ قبلاتك .. أحبك يا عبدالله ..
والـــدتــك ..>>>>>>>>>>>>>>
: