عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 03-11-2009, 05:54 PM
ابو مسلم العجمي ابو مسلم العجمي غير متواجد حالياً
Banned
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: جزيرة العرب
المشاركات: 72

الحلقه الثانيه

بسم الله الرحمن الرحيم





كان شعوري وأنا في السيارة أنظر إلى الجبال حولي مزيج ما بين الشعور بالعزة والتأمل والحديث الصامت بيني وبين تلك الجبال فكم شهدت من المعارك وكم سار عليها من الرجال الأبطال وكم وطئتها اقدام الكثير من الشهداء وكم عانت وأهلها من ويلات الطائرات والراجمات الروسية التي لا ترحم ولا تفرق بين صغير أو كبير فكانت تحرق القرى وتحصدها وتقتل البشر بدون أي أعتبار للقيم البشرية , وفجأة أيقظني من سهوي وتفكيري وقوفنا أمام بوابة معسكر (حركة الأنصار ) وهي جماعة باكستانية كان يرأسها الشيخ \ فضل الرحمن خليل (وهي جماعة انحلت وألغيت بعد سنوات قليلة من هذا الوقت) وبعد الإذن بالدخول استقبلونا بالترحيب وجاؤا لنا بشخص يتكلم العربية ولكن بشكل مقبول شيئاً ما وأخذنا إلى مكان نومنا واستراحتنا وكان هذا الأمر محل مفاجأة لي عندما علمت أننا الوحيدين العرب الموجودين في المعسكر وأن جميع الإخوة المتواجدين هم من الأسيويين مثل باكستان وكشمير والهند والفلبين وماليزيا وأندنيسيا , حقيقة أستشعرت كيف ستكون صعوبة الأيام علينا إن لم نجد من يتحدث العربية في هذا الكم الهائل من المجاهدين وفعلاً هذا ما حصل معنا في ما بعد حيث بقينا عدة أيام لا نقوم بعمل أي شيئ إنتظاراً لموعد بداية التدريب , ومع صعوبة الظروف العامة التي بدأنا نعانيها ليس من الإخوة في المعسكر فهم والشهادة لله حاولوا كثيراً أن يهيئوا لنا المناخ المناسب لكن هناك عوامل كثيرة صعبت وضعنا , أولها وكما يعرف من ذهب إلى معسكرات التدريب في أفغانستان طبيعة أجواء المعسكرات القاسية لمن يأتي جديد إلى المعسكر فهو ينتقل من حياة الدعة والنعيم إلى الشدة والتقشف ومن الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية وهذا كله يمكن تجاوزه مع الأيام والتعود عليه وليس بالأمر الصعب ولكن كانت لدينا مشكلة الطعام فالإخوة الباكستانيين عُرفوا بحبهم الزائد للبهارات الحارة وإختلاف طبيعة أكلهم عنا نحن العرب وهذا الشيئ سبب لنا أمراض الباطنية و أضطرابات في الجهاز الهضمي حتى أصبحنا لا نقتات إلا على الخبز والشاي وهناك ما يسمونه بالحلوى الأفغانية وهي مزيج من السكر والطحين المطبوخة مع بعضها وهذا سبب لنا إضطراب في الحالة الصحية مما أثر على تدريبنا والأهم من ذلك أن التدريب العسكري ليس فقط في اللياقة البدنية أو فك وتركيب السلاح فأنت بحاجة إلى فهم السلاح كما تفهم نفسك حتى تستطيع التعامل معه وهناك التكتيك العسكري وغيرها مما يعتمد على مبدأ الفهم والوعي وهذا الشيئ بالنسبة لنا كان مفقوداً بسبب فقدان عامل اللغة في التواصل مع المدربين , ومع كل هذه الظروف المربكة إلا أنني كنت أتحملها نفسياً بسبب فرحتي العارمة لوجودي في أفغانستان ولم يكن هذا الشيئ كافياً لمساعدتنا في استيعاب التدريب لذلك تدبر الإخوة نقلنا إلى معسكر آخر فيه مدربين يتكلمون العربية وفعلاً أخبرونا أننا سننتقل إلى معسكر (الصديق) وهو يبعد مسافة ساعه تقريباً مشياً على الأقدام وكان هذا بعد أن قضينا شهراً كاملاً في معسكر (حركة الأنصار) وفي اليوم المحدد لمغادرتنا ودعنا الإخوة في المعسكر وشكرناهم على حسن ضيافتهم لنا ثم تحركنا مشياً ومعنا ثلاثة من الإخوة الباكستانيين وبعد ساعه كنا وصلنا إلى معسكر (الصديق) واستقبلنا الإخوة هناك بكل ترحاب حيث كانوا على علم بمجيئنا وعن السبب في ذلك وكانت المفاجأة أنهم كلهم باكستانيون ولكن يتكلمون العربية جيداً وهذا ما أراحنا كثيراً والحمد لله .

تتالت الأيام وكنت وأخي أبو خولة في غاية الحماس والمثابرة فتغيير ظروفنا للأحسن رفع كثيراً من معنوياتنا حيث أن الإخوة في المعسكر قاموا بعمل برنامج خاص لتدريبنا وحدنا وأيضاً جاء بعد فترة بعض الإخوة المدربين العرب للمساعدة في تدريبنا في المواد التي تحتاج إلى معرفة بمفردات اللغة العربية حتى يسهل إيصال المعلومة كما ينبغي وأذكر من هؤلاء الإخوة وهم من قدامى المجاهدين في أفغانستان ممن بقوا في المعسكرات لتدريب الأجيال الجديدة المقبلة على الجهاد أذكر منهم أخي عبدالعظيم المصري (وقد أستشهد فيما بعد أثناء قتاله مع طالبان ضد التحالف الشمالي في أفغانستان) وأخي أبو سليمان المدني من بلاد الحرمين (أستشهد مع أخيه عبد العظيم المصري في نفس المعركة ) وأخي عبدالحميد الليبي (والذي أستشهد أثناء الإجتياح الأمريكي في أفغانستان وكان يقاتل مع طالبان ويدعى وقتها إبراهيم الليبي ) وأخي خلاد المصري (أستشهد في مدينة كراتشي في باكستان ومعه أبنته الصغيره أثناء اقتحام القوات الباكستانية لمنزله بعد فترة من سقوط طالبان ويدعى وقتها أبوالزبير المصري ) وأخي أبو عطا التونسي (أستشهد عند جبل صابر في شمال كابل فترة طالبان جراء القصف من قوات التحالف الشمالي ) وأخي الحبيب أبو سليمان المغربي (أستشهد فيما بعد في الشيشان في الحرب الأولى ) وكان هذا الأخ رحمه الله أقرب المدربين إلى نفسي لما كان يتمتع به من أخلاق عالية وصفاء في النيه وطيبة في القلب ودائماً ما كان يصبّرنا بسبب قسوة التدريب وظروف المعسكرات الإستثنائية في قضية التعامل ما بين المدرب والمتدرب فهذا كله له معاني نفسية عسكرية يراد غرسها في داخل المتدرب حتى يعيها أكثر من خلال المعايشة لما فيها من مصلحة مرجوة وهي صقل شخصيته العسكرية ورسمها في شكل معين يستطيع من خلاله التعايش مع أكثر الظروف قساوةً في حياته المدنية العامة أو في داخل الجبهات وأثناء المعارك .

تسارعت الأيام وأنا وأخي أبو خولة نجتاز بكل همه ونشاط ما أعد لنا من برامج تدريبه وكنت خلال تلك الفترة أجد نفسي أتطور يوماً بعد يوم , وفي أحد الأيام جائنا خبر أستشهاد القائد البطل \ أبو معاذ الخوستي رحمه الله في كابل أثناء قتاله مع قلب الدين حكمتيار ضد رباني ومسعود وكان مقتله على يد جماعة (دستم) الذي كان حينها متحالفاً مع حكمتيار ولكنه غدر به وقتها وقتل أبو معاذ الخوستي في هذا الغدر وخسرت الأمة بطلاً من أبطالها عرفته معارك منطقة خوست حتى سمّي عليها وهو من أبنا فلسطين الذين هبوا لنصرة اخوانهم الأفغان في وقت مبكر من الجهاد الأفغاني فرحمك الله يا أبا معاذ الخوستي وأسكنك فسيح جناته .

انتهى التدريب المقرر لنا بحمد الله بعد أن تجاوزنا جميع مراحله بكل نجاح وكانت أياماً جميلة ولحظات سعيده التي قضيناها في المعسكر وحقيقة لا أبالغ إن قلت أنني في نهاية الدورة كنت شخصاً آخر بمعنى الكلمة فقد جئت شاباً ناعم العود اعتاد على حياة الدعة بعيداً عن مآسي أمته ونكباتها وفي نهاية التدريب كان قد اشتد عودي وقوية عزيمتي وازداد فكري وعياً وإدراكاً بواقع أمتنا الجريحة فازدت ثقة بالنفس وازدت عزماً على المضي قدماً في طريق النصره حتى تنجلي الغمة أو نلقى الله في ساحات الوغى وأن أكون ناصحاً لنفسي ولإخواني على أن لا نحديد عن المنهج الصحيح الذي خطه لنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم فقد رأيت العجب العجاب من أفكار ومناهج كلها يدّعي أنه على الحق وهم قد خالفوا الحق ظاهراً وباطناً فالحق يجمع الأمة ويوحدها تحت كتاب الله أما هؤلاء الجماعات والأفكار فقد جعلوا الأمة زرافاتٍ ووحدانا وجعلوها شذر مذر هدانا الله وإياهم وردهم للحق رداً جميلا , بعد انتهاء التدريب كنت على شوق كبير في أن أعود إلى باكستان حتى أستطيع من هناك التوجه إلى البوسنة , وفي اليوم المقرر ودعت الإخوة المدربين ثم ودعت أخي وحبيبي أبو خولة الذي قرر البقاء في المعسكر لفترة إضافية وكان وداعي له وداعاً مراً بكينا خلاله كثيراً فما ندري هل ستجمعنا الأيام أم لا وفي الحقيقة كان هذا آخر عهدي بأبي خولة وكنت أتتبع أخباره ويتتبع أخباري ونتراسل بالسلام من خلال الإخوة حتى بلغني خبر أستشهاده في الشيشان في الحرب الثانية حيث أخبرني أحد الإخوة الذين كانوا في المعركة أثناء الإنسحاب من (قروزني) عاصمة الشيشان يقول : بقينا نمشي عدة أيام مع زاد وماء قليل أصيب أثنائها أبو خولة وآخرين وكانت الثلوج ترتفع عن الأرض بنصف متر وكنا نعاني في حمل الجرحى وعند أحد الكهوف أصر أبو خولة أن يتركه إخوانه بعد ما رآه من شدة التعب وقلة الزاد التي هم فيها وكانت أصابته بليغه وقال لهم اتركوني في الكهف واذهبوا لتحصيل المساعده فإن عدتم فتساعدوني وإن لم تعودوا أسأل الله أن يتقبلني شهيداً فاضطر الإخوة مكرهين تحت اصراره وتحت وطأة الظروف التي يعانونها من تركه في الكهف والمغادرة وبعد أن يسر الله لهم الوصول إلى منطقة أمان علم القائد خطاب رحمه الله بالأمر فغضب وقلما كان يغضب بهذا الشكل فأمر مجموعة بالعودة وإحضاره فأبو خولة من القيادات الأكفاء الذين لا يمكن التخلي عنهم ببساطة ولِما كان يمتاز به من مكانة عند القائد خطاب والإخوة جميعاً هناك , ولما وصلت المجموعة للكهف وجدوه قد فارق الحياة فرحمك الله يا أبا خولة يا خالد اللحيدان كنت شهماً كريماً بطلاً مقداماً راقياً في أخلاقك منافساً في كريم خصالك لم ولن أنساك فقد بنيت معي أول لبنات حياتي في هذا الطريق كيف أنساك وقد كنت معيناً لي على الطاعة وصادقاً معي في النصيحة مواسياً لي في الملمات أتذكرك وأنت تأخذ بيدي كلما أنهكني التعب ونحن في التمارين الصباحية أو في المسيرة اليومية وتقول لي (اصبر يا أبو...... فإن صبرت اليوم فغداً تقود الرجال ) فرحمك الله ما أحلمك وأحكمك صاحب همه وذو بصيرة , اعذرني يا أخي الحبيب واعلم أن ما قلته فيك لا يرقى إلى مستوى قدرك ولكن يعلم الله أحمل القلم في يدي وإني لمشتت الذهن من واقعي وظرفي الذي أنا فيه أسأله سبحانه أن يحفظني وإخواني من كل شر وسوء وأن يجمعنا بك وبمن سبقنا من الأحبة في جنات النعيم .






بسم الله الرحمن الرحيم



( الحلقه الثالثه )


بعد أن أنهيت التدريب في المعسكر غادرت متوجهاً إلى باكستان وبالتحديد إلى بيت الشهداء من حيث أتيت وكنت خلال طريق عودتي أراجع ذكرياتي في تلك الأيام الجميلة واللحظات السعيدة التي قضيتها في المعسكر متأملاً في تلك الذكريات لحظةً بلحظة ذلك الحماس أثناء الرماية على الأسلحة والتعب والإرهاق أثناء التمارين الصباحية والمسيرات الليلية والحراسة في أليالي المظلمة وتسللنا في الليل إلى المطبخ للبحث عن بقايا خبز أو طعام نسد به جوعنا والعقوبات التي تطبق أثناء مخالفات الأنظمة , هي ذكريات لا يشعر بالأنس بها إلا من ذاق حلاوتها وعاش أيامها , وبعد الوصول إلى بيشاور توجهت إلى بيت الشهداء أنا والمهرب الأفغاني الذي أوصلني وكان البيت كما تركته كثير الناس كثير الحركة ولكن تغيرت الكثير من الوجوه فقد غادر أناس وجاء آخرين ثم سلمت على الإخوة وبحثت عن مكان للنوم فلم أجد إلا على سطح المنزل لامتلاء المنزل بالشباب وبعد الاستراحة بيومين والتجول في محلات عصائر المانجو ومطاعم بيشاور مثل "شيراز " و " العثمانية " و "شيف" كنوع من الانتقام من أيام الجوع والتقشف المفروض علينا في المعسكر , بعدها بدأت في الموضوع الرئيسي الذي جاء بي إلى أفغانستان وهو الذهاب للبوسنة وسألت الإخوة في إدارة المضافة عن أمكانية الذهاب للبوسنة فأخبروني أن الطريق للبوسنة مازال مغلق وأن كثير من الشباب في المضافة يرغبون في الذهاب للبوسنة ولكنهم لا يجدون طريقاً إلى ذلك وهم منذ أشهر ينتظرون فتح الطريق ولم يحصل شيء وقد اتصلوا بأكثر من مكان لعلهم يجدون طريقاً من خلال أي دولة ولكن دون فائدة لحظتها أصبت بإحباط شديد فقد تعنيت وجئت إلى هنا من أجل الإعداد حتى أتمكن من الذهاب للبوسنة وصادف أن التقيت في المضافة بشاب جاء من بلاد الحرمين وآخر من اليمن منذ أيام قليلة وذكروا أن جميع الطرق المؤدية إلى البوسنة مغلقة وهو سبب مجيئهم حتى يتدربوا إلى أن يفتح الطريق , لم أعرف ما أعمل وقتها فما جئت من أجله لم يتحقق وفي نفس الوقت لم أرغب في العودة لبلدي وأصبحت في حيرة وكنت أسمع وقتها من الشباب عن طاجيكستان وعن الوضع هناك وكيف أن المسلمين هناك يعانون من الإبادة والتهجير على يد الروس وعملائهم الشيوعيين وسمعت عن دور المجاهدين هناك وعملياتهم وعن وجود المجاهدين العرب في طاجيكستان وصادف وجود بعض الشباب كانوا يرغبون في الذهاب إلى هناك فبدأت بالسؤال عن طاجيكستان أكثر حتى أعرف حقيقة الوضع هناك وكنت أشعر وقتها بالاقتناع بالذهاب إلى هناك كونه لا يوجد طريق إلى البوسنة وكنت تعرفت على أحد الشباب من بلاد الحرمين كان يستعد للذهاب إلى هناك وأخبرته نيتي لمرافقته إلى طاجيكستان فرحب بذلك وكان هذا الأخ هو أبو مالك النجدي "ماجد العموشي رحمه الله "فذهبنا إلى مضافة القائد خطاب رحمه الله في منطقة بابي خارج بيشاور ورتبنا أمورنا بحيث حصلنا على أوراق تعريف من "حزب النهضة الطاجيكي"وهو الحزب الذي يقاتل الحكومة وقتها ورئيس الحزب هو "عبدالله نوري" , والغاية من هذه الأوراق حتى نستخدمها أثناء عبورنا في مناطق القتال بين الأحزاب في أفغانستان , وبعد ترتيب أمورنا انطلقنا باتجاه أفغانستان حتى نعبرها باتجاه طاجيكستان والمثير في هذه السفرة أنها أخذت من وقتنا خمسة وعشرون يوماً وهذا لم يكن في الحسبان .

دخلنا أفغانستان من منطقة "طورخم" حيث يوجد مقبرة الشهداء العرب الذين قتلوا في أفغانستان في الجهاد الأفغاني مع الروس والشيوعيين بعدها توجهنا إلى "جلال آباد" المدينة ذائعة الصيت التي ارتوى ثراها بدماء الكثير من المجاهدين العرب وهي من المدن الكبيرة داخل أفغانستان وكانت حينها تحت سيطرت الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار والسبب في ذلك كون سكانها من العرق البشتوني وهم موالون لحكمتيار كونه بشتوني العرق , أثناء عبورنا داخل المدينة لفت انتباهي مدى بساطة الحياة فيها ومدى الفقر الظاهر على الناس هناك ورأيت ما فاجأني هناك حيث رأيت بعض الأفغان ممن يعتنقون الديانة "السيخية" وهم مميزون بطريقة لبسهم لعمائمهم و للحاهم وشواربهم الطويلة فاستغربت لوجودهم وعلمت أنهم يعيشون هناك منذ سنين طويلة , ثم توجهنا إلى كابل حيث بقينا لعدة أيام فيها وسكنا في حي "وزير أكبر خان" وهو في وسط المدينة تقريباً وهو حي في مقرات الهيئات الإغاثية الدولة وفيه عدد من سفارات الدول الأجنبية فكنا نخرج أحياناً من المنزل لشراء ما نحتاج من أكل وأحياناً لمجرد الإطلاع على ما حولنا , وحقيقة لم أستطع استيعاب ما رأيته في كابل تلك المدينة التي خسر المجاهدون الأفغان مليون ونصف شهيد حتى يحرروها من يد الشيوعيين , وما رأيته لم يكن هو ما تتوقعه من نتائج بعد سنوات طويلة من الجهاد فقد كانت المدينة في حالة فوضى من الفساد الأخلاقي الرهيب فقد كانت بيوت الدعارة في كل مكان والنساء متبرجات بكثرة في الشوارع ويلبسن القصير والجينز والموسيقى تصدح في كل مكان منافسةً الأذان للصلاة وانتشار اللواط في كابل بشكل مرعب والسرقات والخطف والاغتصاب وكل هذا كان تحت علم وسمع وبصر الحاكم رئيس الحكومة وقتها وهو الخائن \برهان الدين رباني الذي عندما ذهب إليه الإخوة بعد ما رأوا الحال المزرية في كابل وتحدثوا معه عن انتشار بيوت الدعارة بشكل علني وأن عليه أن يغلقها فرد عليهم وقال (لو أغلقنا هذه البيوت فمن أين ستأكل هذه النساء) , بعد قضاء عدة أيام توجهنا شمالاً وفي منطقة "جبل السراج" تعطلت بنا السيارة بسبب كثرة الحمل عليها فاضطررنا للنوم لساعات في المقاهي القديمة المتواجدة هناك حتى الصبح وكانت ليلة باردة جداً وفي الصباح لم نستطع إصلاح السيارة فاضطررنا لإكمال الطريق على ظهر إحدى الشاحنات وظللنا ننتقل من شاحنة إلى أخرى كلما وصلنا إلى آخر محطة لتلك الشاحنة وعبرنا مدينة نهرين وخنجان حتى وصلنا إلى مدينة "قندز" وقد استغرقنا عدة أيام كنا ننام فيها إما في المقاهي أو على الأرض أو على ظهر الشاحنة حسب الظروف , وبعد الوصول لقندز توجهنا لمضافة خطاب هناك فاستقبلونا الإخوة واسترحنا لأيام ثم توجهنا إلى تخار وهناك استرحنا في مضافة خطاب هناك أيضاً , وتخار مدينة ليست بالكبيرة ويوجد بها مقر قيادة حزب النهضة الطاجيكي وهناك يقيم عبد الله نوري زعيم الحزب وبعد الاستراحة لأيام أخذنا سيارة خاصة وتوجهنا شمالاً باتجاه مدينة "تشياب" وهي آخر محطة ستكون لنا داخل أفغانستان وتحركنا باتجاهها بعد الفجر وكان وصولنا إليها قبل المغرب بقليل , طبعاً كما ذكرت سابقاً أخذت هذه الرحلة من وقتنا خمسة وعشرون يوما لم نر خلالها الطرق المعبد "المسفلت" سوى داخل مدينة جلال آباد أو كابل أما باقي الطرق فكانت ترابية وكان تنقلنا في مناطق ترابيه وأحياناً جبلية ونومنا حسب الظروف فأحيانا بيت وأحياناً مقهى وأحياناً العراء وكنا نضطر لتغيير الطريق إلى أطول منه بسبب القتال بين الفصائل أو بسبب قطاع الطرق وأحياناً بسبب بعض القبائل الذين يضعون نقاط تفتيش على الطريق فمن لا يدفع لهم يرجعونه وأحياناً إن كان السائق من قبيله بينها وبينهم خلاف فيرفض الذهاب من ذلك الطريق تجنباً للقتل وأذكر أننا كنا في كل نقطة "سيطرة" يضطر السائق لجمع المال من الركاب ليدفع لنتمكن من العبور فالسائق يرفض أن يدفع لوحده , بعد الوصول إلى تشياب استقبلنا الإخوة بكل حفاوة وكان في البيت عدد من الإخوة العرب والأتراك ممن ينتظرون للذهاب إلى طاجيكستان والبعض الآخر كانوا خرجوا من طاجيكستان لظروف مختلفة وأخذنا أمير المضافة إلى مكان نومنا واستراحتنا وهي عبارة عن خيام حيث أن المضافة مكونه من غرفتين للإدارة وعدد من الخيام للمقاتلين ثم بقينا عدة أيام نستريح فيها وأيضاً لنجهز أنفسنا للمرحلة الأخيرة من السفر إلى طاجيكستان وهي السفر مشياً على الأقدام لمدة ثلاثة أيام حتى نصل لنهر جيحون حيث مقر القائد خطاب رحمه الله الخلفي في الضفة المقابلة في الجانب الطاجيكي لأن نهر جيحون هو الفاصل بين طاجيكستان وأفغانستان في تلك المنطقة ولفت انتباهي أثناء وجودي في تشياب مستشفى يعتبر متطور مقارنة بالحالة في بلدة صغيرة وفقيرة مثل تشياب وقد أقام هذا المستشفى القائد خطاب رحمه الله من أجل علاج الشباب الجرحى الذين يصابون أثناء القتال في طاجيكستان ويستلزم علاجهم عناية طبية وهو ما لا يمكن توفره في جبهة القتال وفي نفس الوقت فتح باب العلاج مجاناً لأهالي بلدة تشياب من رجال ونساء وأطفال وهذا ما جعل خطاب محبوباً من أهل البلدة جميعاً وسهل مسألة وجود العرب والمقاتلين الطاجيك في البلدة ذهاباً وإياباً دون مشاكل كونهم غرباء .

في اليوم المقرر للسفر تجاه طاجيكستان تحركنا بعد صلاة الفجر وكان عددنا من العشرة إلى الخمسة عشر على ما أذكر وكل واحد منا يحمل حقيبته على ظهره وفوقها كيس النوم ومطاره الماء وبعضهم يحمل الجعبة (لحمل مخازن الرصاص) والرشاش أما أنا فلم أكن أملك سلاح سوى سكين اشتريتها من باكستان للضرورة , بدأنا المسير وأنا في غاية الحماس مع محاولة عدم التذكر أن أمامنا ثلاثة أيام من المشي حتى نصل وفي الطريق جبل نضطر لصعوده وبدأنا في صعوده في الساعة السادسة صباحاً و وصلنا إلى قمته في الساعة الثانية ظهر فجميع الشباب كانوا نشيطين ومعنوياتهم مرتفعه فاتفقنا أن نستعجل في المشي قدر المستطاع حتى نختصر الوقت وأذكر أنني واجهتني مشكلة أثناء مجيئي من باكستان حيث إنقطع حذائي من المقدمة فهو الذي كنت أستخدمه في المعسكر وبدأ إصبعي الكبير في الظهور من الأمام شيئاً فشيئاً ولم يكن لدي المال الكافي حتى أرفه نفسي بشراء حذاء جديد فالمال الذي لدي كنت أحفظه كان لمصاريف السفر والتنقل والضرورة وكنت على استحياء من أن أخبر أحد الإخوة الذين معي بالموضوع وتركت الأمر لله يفعل ما يشاء وما حصل في هذه المسيرة أن أصابع قدمي خرجت كلها من مقدمة حذائي الرياضي وبدأت تعيقني في المشي فاضطررت لخلع حذائي والمشي حافياً لأن أصابع قدمي بدأت تتأذى الحذاء وأثناء مشينا لاحظ أحد الإخوة أنني أسير حافياً فسألني عن السبب ولم يكن أمامي حل سوى أن أخبره بالحقيقة فغضب مني وقال لي لماذا لم تخبرني ألست بأخوك ثم أخرج لي حذاءاً جديداً كان معه ليعطيني إياه فرفضت لأنه قد فات الأوان على لبسه فأصابع قدمي التي كانت في الحذاء قد امتلأت بالتقرحات ولو لبست أي حذاء قبل أن تجف فسوف تكون كارثة على قدمي فآثرت أن أسير حافياً على أن تزيد حالة أصابعي سوءً فأمامي مشوار طويل , وبعد صلاة العشاء كنا قد وصلنا إلى إحدى القرى فبتنا فيها إلى قبل الفجر بقليل ثم بعد الفجر واصلنا سيرنا وطوال فترة طريقنا كنا نشتري طعامنا الذي نحتاجه من القرى التي نجدها في طريقنا وهو عبارة عن الخبز والتوت المجفف فهو المتوفر وأيضاً ليس لدينا الوقت للبحث عن طعام أفضل فنحن في سباق مع الوقت حتى نصل في أقصر مدة ممكنه وحقيقة لم يكن لدينا شيء مهم يجعلنا نستعجل في سيرنا ولكننا دخلنا في حالة تحدي مع الطريق ومع أنفسنا وكان يدعمنا في ذلك روح الشباب وحب المغامرة والتشوق لرؤية طاجيكستان فقد كانت لي ولبعض الذين معي أول جبهة جهادية فكان حماسنا وشوقنا يدفعنا دائماً للأمام , وقد يستغرب البعض من عدم استخدامنا للدواب من خيول وبغال وحمير في تنقلنا بدلاً من السير على الأقدام كل هذه المسافة وصراحة الإجابة لم أكن أعرفها في بداية الأمر ولكن بعد مرور الأيام و وصولي إلى طاجيكستان عرفتها وهي أن الإخوة في طاجيكستان كانت حياتهم صعبة بسبب الطبيعة الجغرافية للمنطقة كونها جبلية وعدم إمكانية توفر طعام جيد دائماً ومثل هذه الأجواء لا يصبر عليها إلا الرجال فأراد الإخوة تعويد الشباب الجدد على الشدة والبعد عن الترف حتى يستطيعوا التعايش مع الوضع في طاجيكتسان وأقولها بكل صراحة أن ركوب دابة في مثل تلك الظروف التي عشناها في طاجيكتسان هو ترف بحت ومما لا يليق بالمجاهد الصبور المثابر وكما قال الشيخ عبدالله عزام رحمه الله " إن الترف هو عدو الجهاد الأول " , وبعد ظهر اليوم الثاني لسيرنا تراءى لنا نهر جيحون واقترب الوصول للإخوة شيئاً فشيئاً وبعد قليل وصلنا بحمد الله إلى ضفة النهر المقابلة لطاجيكستان .

وللحديث بقية

رد مع اقتباس