السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وافت جمعة وهند بنتا الخس عكاظ في الجاهلية فاجتمعتا عند القلمس الكناني فقال لهما أني سائلكما لا علم أيكما أبسط وأظهر بيانا وأحسن للصفة إتقانا قالتا سلنا عما بدا لك فستجد عندنا عقولا ذكية وألسنة قوية وصفة جلية
فقال هل تقولان من الشعر شيئا قالتا نعم قال فقولي يا جمعة فقالت:
أشد وجوه القول عند ذوي الحجى ... مقالة ذي لب يقول فيوجز
وأفضل غنم يستفاد ويبتغي ... ذخيرة عقل يحتويها ويحرز
وخير خلال المرء صدق لسانه ... وللصدق فضل يستبين ويبرز
وإنجازك الموعود من سبب الغنى ... فكن موقيا بالوعد تعطي وتنجز
ولا خير في حريريك بشاشة ... ويطعن من خلف عليك ويلمز
إذا المرء لم يسطع سياسة نفسه ... فإن به عن غيرها هو أعجز
وكم من وقور يقمع الجهل حلمه ... وآخر من طيش إلى جهل يجمز
وكم من أصيل الرأي طلق لسانه ... بصير بحسن القول حين يميز
وآخر مأفون يلوك لسانه ... ويعجن بالكوعين نوكا ويخبز
وكم من أخي شر قد أوثق نفسه ... وآخر ذخر الخير يحوي ويكنز
يفر الفتى والموت يطلب نفسه ... سيدركه لا شك يوما فيجهز
قال القلمس قد أحسنت يا جمعة فقولي أنت يا هند فقالت:
وجدت وخير القول في الحكم نافع ... ذوي الطول مما قد يعمم ويلبس
وليس الفتى عندي بشيء أعده ... إذا كان ذا مال من العقل مفلس
وذو الجبن مما يسعر الحرب نفخه ... يهيج منها نارها ثم يخنس
وكم من كثير المال يقبض كفه ... وكم من قليل المال يعطي ويسلس
وكم من صغير نزدريه لعله ... يهيج كبيرا شره متبجس
وكم من مراء ذي صلاح وعفة ... يختال بالتقوى هوي الذئب الأملس
وآخر ذي طمرين صاحب نية ... يجود بأعمال التقى ثم ينفس
وكم من سفيه للجماعة مفسد ... يدب الشر بينهم ويوسوس
وذو الظلم مذموم الثنا ظاهر الخنا ... غني عن الحسنى وبالشر يعرس
قال القلمس قد أحسنتما فزيديني يا جمعة فقالت:
رأيت بني الدنيا كأحلام نائم ... وكالفيء يدنو ظله ثم يقلص
وكل مقيم في الحياة وعيشه ... بلا شك يوما أنه سوف يشخص
يفر الفتى من خشية الموت والردى ... وللموت حتف كل حي سيغفص
أتاه حمام الموت يسعى بحتفه ... وقد كان مغرورا بدنيا تربص
كأنك في دار الحياة مخلد ... وقد بان منها من مضى وتقنصوا
لقد أفسد الدنيا وعيش نعيمها ... فجائع تترى تعتري وتنغص
الإرب مرزوق بغير تكلف ... وآخر محروم يجد ويحرص
فقالت هند:
لقد أيقنت نفس غير باطل ... وإن عاش حينا أنه سوف يهلك
ويشرب بالكأس الذعاف شرابها ... ويركب حد الموت كرها ويسلك
وكم من أخي دنيا يثمر ماله ... سيورث ذاك المال رغما ويترك
عليك بأفعال الكرام ولينهم ... ولا تك مشكاسا تلج وتمحك
ولا تك مزاحا لدى القوم لعبة ... تظل أخا هزء بنفسك يضحك
تخوض بجهل سادرا في فكاهة ... وتدخل في غي الغواة وتشرك
الإرب ذي حظ يبصر فعلة ... وآخر مصروف في الحظ يؤفك
فقال أحسنتما وأجملتما فبارك الله فيكما ووصلهما وحباهما