عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 14-09-2004, 05:18 AM
مـحمـد مـحمـد غير متواجد حالياً
 عضو خاص
 
تاريخ التسجيل: Feb 2004
المشاركات: 17,249
تابع

كفاحه ضد الغزاة الطليان:


منذ اللحظة الأولى للغزو الإيطالي هبّ عمر المختار للدفاع عن الوطن فكان في مقدمة المجاهدين الذين تصدّوا للعدوان الإيطالي واتخذ مركزه حول مرتفعات بنينه جنوبي بنغازي واشتبك مع الإيطاليين في عدة معارك وهاجمهم في بنغازي (159 وعقب وصول الضباط الأتراك إلى دور بنينه وجدوا عمر المختار أمامهم وقد واصل جهاده مع القوات التركية تحت إمرة القائد الجديد لدور بنينه عزيز علي المصري الذي سرعان ما ربطته بعمر المختار علاقات مودة وتقدير واستمر يلازمه حتى انتهت الحرب رسمياً بين تركيا وإيطاليا لصالح الأخيرة بموجب معاهدة أوشي لوزان في 18 أكتوبر 1912م والتي بمقتضاها انسحبت الحاميات التركية من طرابلس وبرقة وكما هو معلوم أن صلح لوزان قد وقع بدون مشورة العرب الليبيين بل بدون أن يعلموا به مما كان له تأثيرات سلبية على سير العمليات. فالقوة المعنوية للحرب كانت تعتمد على وجود العرب والترك متساندين في خندق واحد ضد عدو مشترك ولكن بعد المعاهدة يترك الليبيين يختارون لأنفسهم ما شاءوا وفي وقت لا يتسع(16). غير أن عمر المختار بخبرته الواسعة بشؤون المنطقة الممتدة من بنغازي غرباً وحتى تاكنس شرقاً ومعرفته بأهل هذه المنطقة جعل السيد أحمد الشريف يعيد تعيينه قائداً للدور الذي تكون غربي جردس الجراري وظل هذا الدور يقوم بوظيفته مع بقية الأدوار الأخرى التي أعاد بناءها أحمد الشريف كدور المدور وبشمال ودور جردس البراعصة ودور القطوفية جنوب بنغازي.

وهكذا استطاع عمر المختار استفزاز القبائل وقاد المجاهدين بصفته شيخاً لزاوية القصور الدينية وقائدا لدور جردس واستطاع أن يقود ويخطط للهجوم على الإيطاليين داخل مدينة بنغازي(17) واشترك مع المجاهدين يوم معركة السلاوي ضمن محاولات المجاهدين لإيقاف الإنزال الإيطالي بالمدينة كما ساعد في عمليات تجميع المجاهدين وإعداد المتطوعين لمقاومة جحافل الغزو واستمر كذلك حتى باشر أدريس السنوسي فتح باب المفاوضات مع الطليان والإنجليز ويقول غراتسياني: "... إن إدريس منذ أن تولى زعامة الحركة السنوسية حاول سياسة التقرب والتفاهم مع الإيطاليين... "(1. وفعلا حدثت عدة مفاوضات بينه وبين الإيطاليين في الزويتينه 1916 وعكرمة 1917 ومن نتائجها أن تخلص إدريس من عمه، أحمد الشريف ونفاه إلى تركيا سنة 1918م(19). كما أن هذا الاتفاق مكن إيطاليا من تقليل جنودها المحليين أثناء الحرب العالمية الأولى وبالتالي ضغط المصروفات مما مكنها من العودة للحرب وهي أكثر قوة واستعداداً لملاقاة المجاهدين(20). ولم يكن عمر المختار إلا معارضا لتلك المفاوضات وبدأ يشن الحملات الدعائية ضد المستعمرين رغم تعرضه لإجراءات تحديد الإقامة من قبل ادريس السنوسي عندما أمره بالبقاء بعيدا بجالو حتى لا يعكر صفو المفاوضات(21). كما اهتم عمر المختار في تلك الفترة الحرجة من تاريخ بلاده بقضية توحيد جبهات القتال بين المجاهدين في طرابلس وبرقة ضد العدو المشترك ويقول غراتسياني: "... في شهر يونيه 1922م قام بدعاية واسعة في عدة مناطق بالجبل الأخضر بخصوص وحدة ليبيا وحصل على توقيعات أكثر مشائخ القبائل وأعيان ووجهاء المدن والقرى على مضبطة لعرضها على زعماء طرابلس ومشائخها من أجل وحدة البلاد وتوحيد الصفوف لمحاربة إيطاليا والعمل سوياً، ثم طرد جيوشها من أجل وحدة البلاد وتوحيد الصفوف لمحاربة إيطالية والعمل سوياً، ثم طرد جيوشها من ليبيا..."(22). واستمر عمر المختار في توحيد الجهود الوطنية إلى أن قرر إدريس السنوسي مغادرة البلاد بحجة العلاج بمصر وفي الحقيقة بعد ذلك هروباً من الساحة التي شهدت من تلك الفترة التصعيد الفاشيستي للموقف بينما القوة الوطنية على ابواب إعلان وحدة الجهاد الوطني ضد العدو ترك إدريس أمور البلاد تلعب بها العواصف. وأمام مصير مجهول وأصبح المجاهدون يبحثون عن شخصية وطنية قوية ذات مراس شديد تستطيع أن تضمّد الجروح وتعيد ترميم البناء المنهار، فوقع اختيارهم على عمر المختار الذي حنكته الايام والسنون اثناء حروبه ضد الفرنسيين في كورو وكلك وبركو(23). إن سفرياته المتعددة داخل الوطن وخارجه أكسبته خبرة بمسالك الصحراء وبالطرق التي كان يجتازها من برقة إلى مصر والسودان في الخارج وإلى الجغبوب والكفرة وجالوا وأوجلة في الداخل، هذا بالإضافة إلى العلاقات والصلات الحميدة وأواصر المحبة والصداقة التي كان يحرص على إنشائها مع الكثيرين من مشائخ القبائل والزوايا ورجال العلم مكنت تلك الظروف عمر المختار من أن يكون ملماً بشؤون البيئة الوسط الذي يعيش فيه واستثمر عمر المختار تلك الخبرة فيما بعد لدفع حركة الجهاد إلى الأمام واكسبها الصمود والاستمرارية حيث عرف كيف يستفيد مما ينقد في قلوب حمية المجاهدين من حمية وكيف يفجر ما لديهم من الطاقة المخزنة على النضال والكفاح. فبدأ بالتعبئة الوطنية الشاملة وعقد الاجتماعات المطولة مع مشائخ القبائل وتدارس معهم أمور البلاد والمقاومة وكيفية التصدّي للهجمة الفاشيستية الشرسة. وأثار تخلّي القيادة السنوسية عنهم فاستقر رأيهم على ضرورة مواصلة القتال واعتمدوا استراتيجية حرب العصابات "اضرب واهرب" واتخذوا من الجبل الأخضر مركزاً لقيادة المقاومة المؤلفة من رؤساء القبائل وقادة حركة الجهاد. وهكذا أصبح عمر المختار على رأس الحركة الوطنية ورئيساً لمعسكرات المجاهدين بالجبل الأخضر يساعده مجلس استشاري مهمته أنه في حالة انعقاد دائم لمواجهة الطواريء والاسهام في حل المشاكل التي قد تحدق بالأوار. وفعلاً تحملت قيادة المجاهدين الجديدة عبء التمويل والتسليح والتجنيد فالتزمت كل قبيلة بتطبيق هذا المبدأ ووفرت السلاح والمؤن والمتطوعين من افرادها والذين بلغوا خلال سنتي (1924 – 1925) حوال ثلاثة آلاف متطوع وفي رأيي هذا ما يميز حركة الجهاد من غيرها من الحركات الأخرى حيث أن المجاهدين كانوا يعتمدون على أنفسهم في توفير سلاحهم ووسائل ركوبهم وتموينهم. فمن الحق أن نسمي ذلك جهاداً في سبيل الله والوطن كما يرجع الفضل في وضع تلك الأسس إلى عمر المختار الذي يعد هو محي ومرتب الثورة ضد الطليان(24) عقب سقوط حكومة اجدابيا. وقد خاض عمر المختار أولى معارك عودة الكفاح الوطني عند بئر الغبي في 5 رمضان 1331 و.ر الموافق 10 أبريل 1924/ 1925، حيث تصدّى هو ومجموعته إلى قافلة من السيارات الإيطالية وانتصروا عليها ودمروا ثلاث مدرعات منها، وتعدّ معركة بئر الغبي ذات طابع خاص في حركة الجهاد الليبي ونقطة البداية لثورة عمر المختار وأول معارك الجهاد بعد سقوط كومة اجدابيا ومن نتائجها أنها كانت الحافز لجميع أبناء القبائل الذين هبّوا للانضمام إلى الادوار عند سماعهم نبأ الانتصار وكانت فاتحة خير حيث بدأ عمر المختار يفتتح أدوار جديدة كما أعاد تنظيم الأدوار السابقة التي كان قدتصدع نظامها على يد ادريس السنوسي. وهكذا أعاد عمر المختار بناء الأدوار وأعاد تنظيم قوة كان العنصر الرئيسي فيها مستمداً من تلك الأدوار التي استولى عليها الطليان عقب هجومهم الغادر على معسكرات المجاهدين في ديسمبر 1922م والتفت تلك القوة حول عمر المختار تشد من ازره بخطط ويعد لشن الغارات المتلاحقة على مراكز وتجمعات العدو حتى أن السفاح غراتسياني اعترف بنفسه أن عمر المختار قد خاض ضده مائتين وثلاثة وستين معركة [263](26) في مدة لا تتجاوز عشرين شهراً، هذا عدا ما خاضه عمر المختار من معارك خلال عشرين سنة قبلها كان السيد عمر المختار يحمل فيها علم الجهاد لنجد أن عدد المعارك قارب ألفا ضحىّ خلالها الشعب الليبي بنصف عدده ليكون من حق النصف الآخر أن يعتزّ بما بذلك في سبيل حريته وكرامته الانسانية كما أننا نعتبر عمر المختار مبدع حرب العصابات "الحرب الخاطفة" التيعرفت أخيرا في فيتنام وغيرها على أنها أنجح طرق المقاومة غير المتكافئة حيث الجيوش الإيطالية الجرارة والأعداد الهائلة من المعدات والاسلحة الأوتوماتيكية والمدافع والقنابل كما استخدمت الطائرات الحربية لأول مرة في تاريخ الحروب ضد بضعة من المؤمنين بحقهم في الحياة الكريمة على أرضهم يحملون أعتق أنواع الاسلحة اليدوية مكبّدين بها العدو افدح الخسائر لاعتمادهم فقط على عنصر المباغتة والكر والفر وأن يتفادوا حرب المواجهة مع عدو يفوقهم عددا وعدة مما جعلهم يقضون مضاجعهم ويعوقون تقدّمه كما اعترف غراتسياني نفسه [بأن عمر المختار صاحب فكر ثاقب وعقلية راجحة](27).


ولقد انطوت استراتيجية عمر المختار عقب توليه قيادة الحركة الوطنية هي الاعتماد على الذات والمصادر المحلية بالإضافة إلى ربط أهم الصلات بالأهالي المستسلمين ظاهرياً للسلطات الإيطالية في حين أنهم هم سند لحركة الجهاد يمدونها بالمال والمعلومات والأسلحة والذخيرة وهم بالتالي يساهمون في إلحاق الهزائم المنكرة بالأعداء وعلى سبيل المثال تبرع المجندون الليبيون مع الطليان بجزء من مرتباتهم كمساعدة للمجاهدين كما أخفى البعض الآخر الذخيرة في التراب وجعلوا إشارة متفقاً عليها مع المجاهدين لتدلهم على مكان إخفاء الذخيرة كما أطلق بعضهم النار بالهواء ليوهم الإيطاليين بأنه يحارب إلى جانبهم وتعد حادثة معركة الرحيبة في مارس 1927م هي أصدق مثال على التعاون بين المجاهدين والمجندين مع الطليان حيث كانت الهزيمة الساحقة للقوات الإيطالية في حين أن الأقسام الليبيين كما تسميها المصادر الإيطالية لم تطلق إلا عيارات نارية قليلة في الهواء وهذا ما اشار إليه غراتسياني "أما الأقسام الليبية فلم تقم بالأعمال الموكلة لها لأن تأثير عمر المختار في حقوقهم كان كثيرا.."(29). هذا بالإضافة إلى المساعدات التي كان يقدمها الأهالي من زكاة العشر عن مواشيهم وممتلكاتهم وما يقدمونه من تبرعات لحركة الجهاد في الخفاء بالإضافة إلى المعلومات حول تحركات العدو مما أفشل جل الخطط الإيطالية لمباغتة الأدوار. كل ذلك جعل القيادة الإيطالية تدرس بدقة عوامل صمود المقاومة الوطنية في ليبيا. واستعانت بالمخلصين لها من أبناء البلاد الذين أشاروا عليها بأن تقطع دابر الأهالي المستسلمين لها ظاهريا وأن تقطع كل صلة لهم بالمجاهدين. وهكذا ابتلع الإيطاليون فكرة اعتقال جماهير الشعب الليبي لوضع فاصل من الأرض بين الأهالي المستسلمين بالمدن والقرى المحتلة وبين ذويهم من المجاهدين وبالتالي قطع كل وسائل الاتصال بين الجانبين وفعلاً ثم تطبيق الفكرة على يد السفاح غراتسياني ومع بداية سنة 1930م تم ترحيل الناس من جهة البطنان ومساعد والبردى وطبرق وضواحيها وحشروا بمعتقل عين الغزالة كمركز تجميع وأيضا نقل سكان الشريط الساحلي وبنغازي وضواحيها بمركز تجميع قمينس، وآخر الأمر صدرت التعليمات بحشرهم جميعاً في معسكرات اعتقال جماعية عرفت بالمقرون وسلوق والعقيلة والبريقة وشملت تلك المعسكرات حوالي 126 ألف نسمة(29) بقوا داخل أسلاك شائكة ووفق ممارسات لا انسانية من تعذيب وشنق وتجويع واستمرت المعتقلات تعجّ بالبشر طيلة أربع سنوات وفتكت أمراض المجاعة وسوء الرعاية الصحية والاهمال والتعذيب بحوالي 190 ألف نسمة. ورجع الثلث الآخر إلى مواطنهم السابقة شبه موتى أو أنصاف أحياء يحملون معهم معاناة تلك السنوات المريرة من هزال وشلل وكساح وفقد البصر وفقدوا القدرة علىالعمل والانجاب وأحيطوا مرة ثانية بالأسلاك الشائكة بمراكز أمنية أخرى بمواطنهم الأصلية طيلة سسنتين حتى حدوث حرب الحبشة في سنة 1935م وذلك لاختبار جذوة الثورة بهم واشتغل البعض منهم موقود لتلك الحرب في الحبشة ويمكن حصر خسائر حرب التحرير الليبية بحوالي 750 ألف نسمة منهم من مات في المعتقلات ومنهم شهداء الحرب هذا بالإضافة إلى من مات بالحبشة ومن هاجر ولم يعد. أما الخسائر المادية حيث قضي على ما يقارب من مليون رأس من الماشية(30)، وحرمان أبناء البلاد من أهم مصادر الرزق عندما استولت الشركات الإيطالية مثل الانبس والانتي على معظم الاراضي الصالحة للزراعة وتم استصلاحها وتسليمها للمستوطنين الطليان وأصبح أهل البلاد يبحثون عن قوتهم وسط جحيم الحروب أو في أقبية المطاعم الإيطالية كخدم منازل واضطر بعضهم الآخر إلى السفر إلى إيطاليا وفق الضغوط والاغراءات الإيطالية بتوفير العمل هناك ولم يعد العدد الكبير منهم حتى الوقت الحاضر(31).

يتبع ..

__________________
ليسـت هنـاك وسـادة أنعـم من ضميـر المستريـح

رد مع اقتباس